إنك لو سألت أي رجل عادي ماذا تعني كلمة ثورة؟ ربما لن یزید عن تعریفها بأنها: “تدفق الجماهیر الغاضبة في الشوارع مواجهین بطش السلطة الحاكمة محققین مطالبهم”، إن كل ما سیذكره رجل الشارع العادي لن یزید عن كونه وصف لسلوك قد یكون ثوریًا وقد یكون لا، فهو لا یعرف من الثورة إلا سلوك جماهیري محدد من الممكن بالفعل أن یكون نابعًا من قیم ثوریة ولكن من الممكن أیضًا أن یكون نابعًا من قیم تضاد معنى كلمة ثورة أصلًا! إن السلوك لا یوصف بأنه ثوري إلا إذا انبثق من ثلاث قیم رئیسیة:

  • القیمة الأولى: استهداف التغییر الجذري ولو على الأمد البعید (أي: تغییر منظومة القیم الحاكمة في البلد أو بعبارة أخرى إسقاط حقیقي للنظام ولیس مجرد تغییر الوجوه في السلطة المتغیرة).
  • القیمة الثانیة: العمل من خارج المنظومة القائمة (بمعنى آخر: عدم إضفاء الشرعیة على المنظومة لا قولًا ولا فعلًا).
  • القیمة الثالثة: الجماهیریة أو الرسالیة (حمل رسالة واضحة للجماهیر).

التغییر الجذري

التغییر الجذري یعني التغییر من أعمق نقطة في النظام، وأعمق ما في الأنظمة السیاسیة “منظومتها القیمیة” كما وضحنا، وكل تغییر لا یستهدف هذه المنظومة القیمیة للنظام فهو تغییر سطحي، یستهدف بعض سلوك النظام فقط، وإن بقاء المنظومة القیمیة للنظام كما هي یعني أن تغییر الوجوه لن یأتي بجدید یُذكر، لأن منبع السلوك لم یتغیر.

هذه المنظومة القیمیة هي ما یمكن تسمیتها “بالعقیدة السیاسیة”، والثورة الحقیقیة هي التي تستهدف إعادة صیاغة هذه المنظومة القیمیة للنظام، ولا یسمى غیرها ثورة، ولذلك لا معنى لوجود ثورة الیوم تعترف بشرعیة منظومة الاحتلال الدولي أو بشرعیة أي منظمة من منظماته كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي وغیرهما، ولا معنى لوجود ثورة الیوم تعترف بالقیم الفلسفیة الكبرى للنظام العالمي الحالي كالدیمقراطیة والرأسمالیة لأنها لن تحدث تغییرًا إلا داخل مساراته، وسیظل تغییرها سطحیًا سلوكیًا إن حدث تغییر أصلًا!

وإنه من المؤسف الیوم أن نرى معظم الكیانات المسماة ثوریة إما أنها لا تحمل منظومة قیم تواجه بها منظومة قیم النظام القائم فیظل شعارها الهدم فقط، أو أنها تحمل منظومة قیم متطابقة مع النظام بالفعل وخلافها معه سلوكي فقط، كتلك الكیانات المعترفة بشرعیة المنظمات الدولیة والقوانین الداخلیة!

وإذا كانت الثورة تستهدف المنظومة القیمیة -أعمق ما في النظام- فبالتالي من الصعب الاقتناع أن هناك ثورة ستقوم في مصر مثلًا ولا تفتح هذه الملفات وتكون نصب أعین الثوار: ملاحظة: بعض الملفات التي سأذكرها یمكن أن تُجمع تحت بند واحد ولكن أنا أضعها في نقاط منفصلة لأهمیتها:

  • المنظومة القانونیة الموجودة في مصر المناقضة للشرع والعقل والتي وضع الاحتلال أجزاء منها!
  • ملف الاتفاقیات والمعاهدات الدولیة التي نحن ملزمون بها قهرًا وغصبًا حیث تمت بإشراف الدول التي احتلتنا عسكریًا یومًا ما وعبر الحكام العملاء -المعونة الأمریكیة- والتمویل الأجنبي ووجهته سواء للأفراد أو المؤسسات أو المنظمات الاجتماعیة والحقوقیة.
  • عقود الامتیاز والاحتكار للشركات الأجنبیة التي تنهب ثروات الشعب (كالغاز والبترول ومناجم الذهب وغیرها).
  • الاعتراف بإسرائیل وكل صور التطبیع معها (مع فتح ملف اتفاقیة السلام وكامب دیفید وما وراءهما من أسرار وحقائق غائبة عن الشعب).
  • ملف قناة السویس وإدارتها وتأمینها وتأمین الملاحة فیها.
  • هیمنة صندوق النقد الدولي ونادي باریس على الاقتصاد.
  • القوات الأجنبیة الموجودة في سیناء MFO.
  • القواعد والقوات الأمریكیة الموجودة في مصر (سنتكوم – سوكوم).
  • ثروات الشعب المنهوبة داخلیًا عبر:

أ- شبكة رجال الأعمال المسیطرة على نظام الحكم والموالیة لأمریكا وإسرائیل.
ب- مؤسسات النظام السیادیة (المؤسسة العسكریة والمخابرات العامة).
ج – الشركات المتعددة الجنسیات.

  • الهیكل الإداري الحاكم في مصر.

ویجب أن یُعلم أن أي تحرك ثوري سیستهدف منظمومة القیم الحالیة وسیسعى لتغییرها یعني أنه سیكون في مواجهة صریحة مع السلطة الثابتة في بلادنا ومن ورائها الغرب والنظام الدولي، فالأنظمة في بلادنا ما هي إلا كلاب حراسة لتلك القیم الفاسدة التي تحفظ مصالح الغرب ومصالحهم الذاتیة وقد فصّلنا الشرح في أبعاد المعركة دولیا في الفصل الأول، فهي معركة شرسة بلا شك ولا سبیل لنا إلا خوضها.

العمل من خارج المنظومة

القیمة الثانیة للثورة هي العمل من خارج المنظومة، إن العمل من داخل المنظومة یعني القبول بقیمها والالتزام بقواعد لعبتها، فهو فعل من یرید أن یُحسِّن أوضاع العبودیة لا من یرید أن یهدمها بالكامل، إن مصلحة تحسین بعض ظروف العبودیة لا یوازي أبدا مفسدة الاعتراف بأصل العبودیة وإضفاء الشرعیة علیها ولو للحظة.

إن عدم الاعتراف بقیم الباطل قولًا وعملًا هو أحد عناصر المنهج السلیم، وسلامة المنهج لا یعدلها شيء من المكاسب المزعومة على الأرض.

وإذا شبهنا النظام بالدوائر المتداخلة، كل دائرة داخلها دائرة أصغر وهكذا فإنه قد ثبت بالعقل والاستقراء والعلم استحالة إسقاط المنظومات أو الدوائر الكبیرة إذا تم الدخول في المنظومات أو الدوائر الأصغر، بل إذا سقطت الدائرة الكبیرة سقطت بعدها كل الدوائر الأصغر، فلا یمكن إسقاط النظام العالمي بالدخول في النظام الداخلي، والنظام الداخلي كذلك لن یسقط بالدخول في مؤسسة من مؤسسات شرعیته كمجلس الشعب، فمن دخل مجلس الشعب صار ملتزمًا باللوائح الداخلیة فیه، هذه اللوائح منبثقة من القانون، والقانون منبثق من الدستور، والدستور والالتزام به هو الدلالة الأولى على الاعتراف ب “شرعیة” النظام فكیف لمن هذا حاله أن یدعي أنه یحمل مشروع تحررٍ من الهیمنة الخارجیة أو الداخلیة حتى؟!

أي اختلال في هتین القیمیتین (التغییر الجذري والعمل من خارج المنظومة) ینقل السلوك مهما كان شكله ودرجة سخونته من صفته الثوریة إلى صفة “الإصلاحیة”، و”الإصلاحیة” لیست بالمعنى الدارج، “الإصلاحیة” وصف سیاسي على تلك التحركات السیاسیة التي تعمل من داخل المنظومة ولا تصطدم بأصلها وجذورها فهي تسعى سیاسیًا للترقیع لا للتغییر الجذري.

إن “الإصلاحیة” تكون مقبولة إذا كنا نعالج واقعًا صحیح الأصل لكن وقع الفساد في بعض فروعه فقط، أما في واقع على النحو الذي شرحناه من البطلان وفساد الأصل ومناقضة الدین والدنیا فلا حَل إلا بمفاصلته ومباینته ثم العمل على تغییره من جذوره.

ویمكن تشبیه الأمر بالثوب السلیم، والثوب الشفاف البالي الفاسد الذي لا یستر عورة ولا یغطي جسدًا، فالثوب إذا كان سلیمًا في أصله وإنما حدث فیه قطع طارئ في أي جزء من أجزائه فإنه من المقبول أن یتم إصلاح القطع أو ترقیعه، لأنه ثوب في أصله سلیم وإنما جاء الفساد عَرَضًا على بعض أجزائه دون أن یؤثر على الثوب كله.

وأما الثوب البالي الفاسد من الأصل الذي أصبح شفّافًا لا یستر عورة ولا یغطي جسدًا هل یصلح معه الترقیع؟ وما قیمة الترقیع لبعض أجزائه إذا كان الثوب كله یكشف الجسد ویظهر العورات؟ ألیس الأولى من بَذل الوقت والجهد والمال في ترقیع ثوب فاسد بالي هو بذل نفس الوقت والجهد والمال في تغییره كله؟ ألیس السلوك الترقیعي مع هذا الثوب البالي فیه إهدار للطاقات وفیه نوع من الإقرار بسلامة الثوب نفسه وكأن المشكلة في الجزء المقطوع فقط؟

ولذلك فإن الأدق هو أن نستخدم كلمة “المذهب الترقیعي” في مقابلة “المذهب الثوري” بدلًا عن كلمة “المذهب الإصلاحي” لما في كلمة “إصلاحي” من معاني الإصلاح والتي قد یُفهم منها المدح، فالمرقّع لواقع فاسد من أصله لیس مصلحًا وإنما هو یفسد أكثر مما یُصلح فهو یهدر الطاقات ویُضفي الشرعیة على منظومة باطلة في أصلها، وهل هناك فساد أكثر من ذلك؟

وبذلك تعرف معنى التغییر الثوري بدقة، وهو بذلك یمكن أن یكون متدرجًا ویمكن أن یهدأ أحیانًا ویشتعل أحیانًا كل هذا لا یتعارض مع الثوریة، لكن ما یمیز المذهب الثوري هو أنه دائما مفاصل للمنظومة التي یستهدف إسقاطها من جذورها، ویعمل من خارجها غیر معترف بشرعیتها ولا خاضع لها ولا داخل فیها ولا مختلط بها ولا ملتزم بشروطها، بینما التحرك “الترقیعي” لا یجد غضاضة في الاختلاط بالمنظومة والعمل من داخلها والالتزام بشروطها ویعتبر ذلك من التدرج، وشتان بین التدرج الترقیعي والتدرج الثوري!

المذهب الثوري منطلقه هو “منهج واضح وقیم راسخة” وعلیه یرسم خطواته الواقعیة ولا یوجد لدیه أي مساحة للتنازل عن القیم والمبادئ، ولا یجعل الواقع الفاسد یؤثر على مبادئه، بل هو الذي یفرض مبادئه على الواقع، وأما التحرك الترقیعي فمنطلقه “الواقع” وعلیه یحدد ما یمكن التمسك به من القیم داخل هذا الواقع الفاسد وما یجب التخلي عنه الآن! فالتغییر الثوري عند فساد الواقع تكون غایته سلامة المنهج، والتغییر الترقیعي تكون غایته منهج السلامة!

المذهب الثوري یبادر بالمواجهة ویدفع ثمن هذه المواجهة باختیاره، وأما المذهب الترقیعي فإنه یتجنب دفع هذا الثمن، ویهرب من هذه المواجهة ویحاول تجنبها بتصالحه مع أصل الواقع، لیجد نفسه في النهایة یدفع أضعاف أضعاف ما یدفعه الثائر ولا یحقق شیئًا مما حققه الثائرون!

وبذلك تعرف أن التغییر الثوري لا یعني الجمود ولا یعني الاستعجال وعدم الحكمة ولا یعني عدم إدراك الواقع والاستغراق في المثالیات كما یحاول أعداؤه تصویره دائمًا، بل عند فساد الواقع فالمذهب الثوري هو الأكثر حكمة وإدراكًا للواقع لكنه لا یعرف الترقیع ولا أنصاف الحلول ولا یعرض مبادئه في سوق التنازلات ولا یخالف القیم التي یؤمن بها، فهو یسعى لكسر قیود العبودیة لا أن یتصالح معها مقابل تحسین بعض ظروفها كما یفعل “الترقیعیون”.

لقراءة الجزء الثاني من المقال من هنا.

اضغط هنا لتحميل كتاب معركة الأحرار كاملًا PDF – الطبعة الثانية

581

الكاتب

أحمد سمير

ناشط ومهتم بالشأن الإسلامي والعالمي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.