اختيارات المحرر

رمضان.. بين شوق المحبين وقلق المنشغلين

في حديث عائلي، تذكَّرَت الأم قرب دخول موسم الخير والبركة، فذكَّرت به، لكن الفتاة الصغيرة لم تبادلها الترحيب المتوقع، بل كانت تعقيبها يحمل إشفاقًا وثقلًا؛ سيأتي رمضان ونصوم أيامه ونقوم لياليه، نعد إفطارًا وسحورًا ونستيقظ ليلًا…

ليست الفتاة الصغيرة وحدها صاحبة هذا الشعور، بل إن لها عذرًا في حداثة العمر واشتهاء الملهيات وصعوبة ضبط النفس. ففي خضم دروس الاستعداد ودورات التجهز ورسائل الوعظ والتذكير، هناك من لا يلتقط أنفاسه انشغالًا، وهناك المبتلى بمرض أو فقد أو احتياج، وهناك المسافر الذي لم يعُد لداره بعد، وهناك من لا تعينه بيئته، ومن نشأ ولم يعرف، ومن عرف وغفل، ثم يجد رمضان على أبوابه، وهو يعرف أنه شهر ليس كأيّ شهر، ويدرك أنه يجب أن يفعل شيئًا، لكنه ليس متفرغًا ليسمع، وليس قريبًا ليستدرك.. 

لذلك لا يستقبل رمضان بشوق ولا بحرص، بل يزداد قلقه، وقد يسوء خلقه، فبعض عاداته ستنقطع، وترتيب أوقاته سيختلف، وسيضطر إلى ممارسة بعض الصبر، وتمر عليه لحظات من الألم، فكيف لهذا الأسيف أن يهدأ ويسعد ويجتهد؟ كيف يجد اللذة التي يجدون؟ وأنَّى له تحصيل الأجور والخروج خفيفًا عتيقًا من شهر الأمنيات والبركات؟ وكيف للمسلم المحب لربه ودينه أن يسعف قلبه إن ترددت فيه هذه المشاعر؟ 

ستجيب السطور التالية على هذا التساؤل، فلعل قلبًا مُحبًا يلتقط فكرة أو يحييه معنى. 

الزمان لا ينتظر

كأن رمضان أتى بغير موعد! هكذا يشعر بعض من لا يلتفتون، ومن لا ينتهبون للشهور والأيام التي لها تعلق بحياة المسلم، فلا رجب حين أتى قد حرّك مشاعرهم، ولا شعبان قد تنسَّموا عبيره، فإذا بهم يقفون مرتبكين على أعتاب رمضان يقولون متى أتى وكيف؟! 

الانشغال بالدنيا عن الأزمنة الفاضلة

فإذا كان العام قد مر سريعًا واستدار حتى أوقفنا أمام ما لا مهرب منه، فهكذا أيام العمر، هكذا حياة المرء، لا يمر عام حتى يتبعه أخوه، ولا ينتبه لحياته وإلا وقد مضى نصفها، ثلثها، غالبها، ولا يكاد يبقى منها إلا أوراق تهزها الرياح وتنذرها بالرحيل. فإن حلّ رمضان اليوم على القلب زائرًا ثقيلًا، فإنه سيؤدي رسالته سريعًا ويمضي، رسالة التذكير والرحمة والبشرى، أما زائر الختام، فلن يترك رسالة لزائره، بل سيكون هو الرسالة والذكرى. ولو راح أحدنا يفكر في ذلك الغد القريب، لعلم شدة حاجته ليوم أو ساعة يملؤها بما يحب الله، وأمنيته حينها أن يتضاعف أجر تلك الساعة بقدرة ربه لتخفف عنه بعضًا من أثقاله. وساعات الشهر الكريم وأيامه المعدودة هي الأمنية، الأمنية المستحيلة لمن غادر، والمنحة التعويضية لمن مازال مقيمًا، ولن تبقى المنحة طويلًا وإن كانت تأتي كل عام، ففي كل عام لا يدركها من سبق إليهم زائر الختام. ألا تجعلنا تلك الفكرة أحرص الناس ولو على ساعة من نهار الشهر أو ليله، نسأل الله عتقًا وعفوًا ونجاة؟! 

وأنت تعرف زمانها وتملك ضبط أوقاتك عليها، وأمامك في كل لحظة فرصة الانضمام للمحبين المسارعين، فاعتبرها تدريبًا سنويًا على الاستعداد للزائر المفاجئ، ودع عنك كل الأعذار والأفكار وخواطر السوء، فإنما أتى الشهر من أجلك، من أجل أن يخرجك منه محررًا، مقدرًا للنعم، شاكرًا لها، متَّقيًا مهتديًا مثابرًا. فإن انتظرت رمضانات أُخر وزمانًا آخر، فالزمان لا ينتظر والعمر كذلك. 

الزمان بيد الله

وثمة قلب آخر، يحب الشهر ويخشى أن يتفلت منه، فقط، يود أن يتأخر قليلًا، يترك لنا وقتًا فسيحًا للاستعداد والإقبال. لكن، من قال إننا إذا تُركنا لأنفسنا فَعلنا، وإذا وَعدنا وفَّينا؟ كم من مرة بيَّتنا نوايا وأخذنا عهودًا، ثم لم تلبث أن انتقضت واحدة بعد أخرى؛ لأن العزمات فترت، ولأننا استثقلنا الثمن فبقينا في أماكننا. لذلك تأتي رحمات الله كرافعة تنتشل تلك القلوب المضيعة، تنقلنا من الدركات المهلكة وتلقينا على عتبات الطريق التي نترقى منها. تأتي المواسم في خضم الانشغالات خاصة ونحن في زمان تحكمنا فيه تقسيمات وأيام وأزمنة تناقض أيامنا وأزمنتنا الشرعية. 

تأتي الصلوات في أوقات متفرقة من اليوم لتذكر الإنسان أنه عبد في طاعة ربه وأن كل أعماله عظمت أو صغرت إنما هي أثر من آثار صلاته، وحقيقة معبرة عن الصلة بخالقه، فإن انقطعت الصلة أو كانت بلا روح، كانت الأعمال باهتة وثمرتها لا تعدو أن تكون وقتية فانية. وكذا الصيام وسائر العبادات، تدخل مواسمها عليك لتذكرك بالأصل وبرحى الإيمان الذي يجب أن تنطلق منه، ولذلك لا تنتظرك حتى تجهز، إنما تأتيك لتصلحك وتعيد صنعك وتقيم بنائك لتخرج منها متجهزًا لحياة مستقيمة ونفس سوية متوازنة. فإذا لم تكن قبل الصلاة متصلًا، فها هي الصلاة تذكرك، وإذا لم تكن قبل رمضان منتبهًا، فرمضان يقربك، والصيام يأخذك من الانشغال بما يفنى إلى الانشغال بما يبقى، بجنبات نفسك لا بأركانها المادية وحاجاتها الفرعية.

الصلاة صلة بين العبد وربه

وإننا نرى طلاب الحاجات يعرفون مواسمهم الخاصة، وكل صاحب مجال وحرفة وتجارة يتجهز لموسمه بمدة كافية، ونحن هنا نتحدث عن أنفَس البضائع وأعظم التجارات، النفس التي تدير ذلك كله، النفس التي تريد أن تربح على الدوام وأن تغادر مواسم الدنيا كلها وهي في حالة من الكسب المتضاعف. فإن لم نتجهز لها بما ينبغي، فلا أقل من أن نقحمها في السباق وأن نجعلها تتدارك قدر المتاح، فكم من متأخر سبق الأولين بصدقه ومضاعفة جهده. فالأصل أن نتجهز للزمان المبارك وننتظر قدومه، فإن فاتنا لأيٍّ من الأسباب، دخلنا بقلوب راضية محبة تحمد الله الذي بيده الزمان والمكان وتصريف الأقدار.

محبة رمضان تبع لا أصل

وهناك ما يحجز النفس ويعيق القلب عن التقدم واستنشاق النسمات، تلك هي قيود النفس التي لم نتوقف لنزعها. قيود لا تُرى لكنها تعمل عملها في تثبيط الروح وإخماد شعلتها. أن يشعر الإنسان أنه خارج هذا السباق، وأن هذا الحديث الزائد في نظره عن رمضان يزيده قلقًا ونفورًا، أو أن يشعر أنه سيتوقف متى يحب، وأنه قادر على اللحاق متى أراد، أو أنه على العكس لا يقدر ولا يستطيع، فهو محكوم بطبيعته والله لا يكلفه بما لا يستطيع، وتكفيه الفرائض في يومه وليلته. وكل فكرة وكل قيد من تلك القيود وأمثالها تعكس آفة تحتاج مصارحة واعترافًا يتبعه اهتمام وطلب للدواء وصبر عليه. فالمنزعج من كثرة التذكير، الهارب من الصفوف التي تتابع وتنتظم للدخول على ربها، قد يكون راغبًا في التفرد وإن كان في الناحية المقابلة، وقد يكون إعراضه لفحة من كبر تدفعه للزهد فيما يقبل عليه المحبون. والمتوهم أنه قادر وسريع الأوبة، قد يكون من المغرورين تخدعه النفس بالتسويف وتلهيه عن المسارعة.

ومن يظن أنه لا يقدر وأنه لا يحتاج، فغالب أمره أنه لم يتعرف بعد على ربه ولا على نفسه. فإذا أردنا أن نضع على تلك الأغلال مادة تصهرها لترتفع قبضتها عن النفس، فأي مادة تصلح كالمحبة التي غرسها الإيمان وأنضجها العلم؟! فإيمانك يدعوك أن تحب ربك، وأن تحب ما يحب. والمحب لربه يبحث عما يرضيه وعما يحبه، والله يحبه عبدًا متواضعًا يقبل وحده ويقبل مع غيره. والمحب يسارع في رضا من يحب، وإن تأخر أسرع في اللحاق، وكلما تأخر ندم ورجع، والمحب لا يكتفي بالمفروض والواجب لأنه يعرف أنه مقصر وأن سيده مستحق لعبودية كاملة دائمة. والمحب يقبل هدايا سيده، بل يستعد لها ويلتذ بها، ويهيئ لها نفسه، ويستخدمها فيما يحب صاحب الهدية، وهذا رمضان أعظم الهدايا، وفي إحدى لياليه نزلت أجل هدية للبشر جميعًا. وحريٌّ بمن عرف وأحب ألا يسلك سلوك من لا يعرف ومن لا يحب.

استغلال أوقات رمضان

التعرض لنفحات الله وخاصة في رمضان 

كان الأصل أن نبدأ بالحديث عن نفحات الله التي أمرنا بالتعرض لها، لكن البعيد والغافل والمنشغل بأيٍّ كان، قد يجد في نقسه حرجًا وقد يقسو على نفسه، وقد يقول: أنَّى لي ذلك وقد فعلت وفعلت، أو تأخرت وقصرت، أو ماذا أفعل من الآن؟! فبعد أن عرضنا لبعض رحمات الله الخفية أن يبلغنا الله رمضان وإن فاجئنا موعده، وأن يفتح لنا أبوابًا للغنيمة بلا جهد يذكر، وأن يضعنا أمام أنفسنا لنتعرف على قيودها وأسباب تخلفها؛ لنتحرر منها ونشعر بالخفة والقدرة على الحركة، يجدر بنا أن نهز القلب ليقف متعرضًا للنفحات الإيمانية، أن نمده بأسباب الحياة ليفرح بنعمة الله، وليكون في تمام الرضا بالموعد والمكان، ففي أي حال وأيًّا كانت الوقائع، يصبح متلهفًا مقبلًا وإن لم يكن في غاية الاستعداد، وإن كان يقف ساعة وينطلق أخرى. 

وهنا تأتي الوصايا الرمضانية ومن قبلها الشعبانية، والتي يتحدث فيها الدعاة وأهل العلم عن التوبة والإنابة لتخليص الإنسان من الإصر. لا تحتاج هذه التوجيهات إلى أي استعداد قبلي، ولا تتطلب مجهودًا عمليًا، إنما فقط إيمان، إيمان عميق ورغبة في الدخول على الله، والدخول في صف المؤمنين المتجهزين. أن تقول: يارب إني عائد فأعني، أو تقول: اهدني وأرشدني، أو حتى تقول: (يارب) وحسب. بل أن تدخل إلى الشهر بنية الظفر بمقاصده، أن تصوم وأنت تفقه معنى الصوم، فتقول لنفسك: لا يصح هذا مع الصوم، ويكفي هذا لأقدر على الصلاة، أو سأختلي دقائق بنفسي وأقرأ صفحة قبل الأذان. أن تدخل الشهر وأنت تحب رب الشهر، وتريد أن تحقق ما أراده منك، فالنية تقطع مسافات وتفتح لك مسارات. 

هذا وإن الله أمرنا بالتزود، ودعانا إلى إعداد العُدة، وبغَّض إلينا التسويف والاغترار بالنفس والشيطان والدنيا، والله يحب أن يرى من عباده عملًا صادقًا وجهدًا مخلصًا، فلا يدع الإنسان نفسه تغلبه، ولا الأيام تسوقه، والدنيا تُمنِّيه، بل يهب من فوره الآن، ويقدِّم بين يدي ربه نية وتوبة وإصلاحًا، لعلنا نُقبل، ولعل قلوبنا تهفو ونفوسنا ترق وتلين. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى