اختيارات المحرر

تربية الأطفال.. فقراء هذا الزمان

أينما وجهت وجهك في مجتمعات أمتنا العربية لا تخطيء عينك أن تقع على شخص فقير أو منظر فقير، فالفقر بكافة أنواعه ما زال يسكن ويستوطن مجتمعاتنا ماديًا ومعنويًا. دع عنك من يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، لكن انظر للألوف الذين ينتشرون في الشوارع  يتكففون الناس بغير حق، وانظر -إن شئت- الملايين الذين يحصلون على أموال الزكوات في المدن والقرى في شكل معونات موسمية أو شهرية تبلغ مليارات الجنيهات.

هؤلاء جميعًا المستحقون ظاهريًا وغير المستحقين فعليًا؛ في الغالب الأعم، لا يمثلون سوى الجزء الظاهر من ظاهرة الفقر الحقيقي الذي تعاني منه الأمة، ومنه تتفجر معظم -إن لم تكن كل- مشكلات هذه الأمة، لكن العارف البصير يعلم تمام العلم أن الفقراء والمساكين حقًا في مجتمعاتنا العربية اليوم هم أطفالنا، ومن فقرهم تنبع كل مشاكل أمتنا. وهم أحق أبناء الأمة بالزكاة والجهاد فيهم قبل فوات الأوان. 

في هذا المقال نلقي ضوءًا سريعًا على تعليم أطفالنا الفقراء وضرورة تدارك فقرهم قبل فوات الأوان. فالتعليم هو مفتاح مستقبل الأمة والمحرك الأساسي لتشكيل الأجيال القادمة نحو مجتمع موحد، قائم على القيم، وسليم قادر على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

تربية رب العالمين لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم

رسول رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم كيف ربّاه ربه وأدبه فأحسن تأديبه؟

تحكي السيرة الصحيحة -التي تؤكد ما جاء في الذكر الحكيم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ وُلد ويد العناية الربانية تناولته بالتربية. فقد أُرسل إلى البادية حتى يشب صحيح البدن، ممتلئ الفؤاد بعز الصحراء وحريتها وتحمّل قساوتها، والتشبع بلغة الأعراب التي لم يداخلها شيء من عجمة الحضر. 

صحراء جزيرة العرب

وكانت نقطة الرعاية الإلهية الثانية حين حدثت حادثة شق الصدر الأولى، فتم إخراج حظ الشيطان منه من قِبل ملائكة الإله العليم الرحيم. وما إن عاد إلى أمه حتى أخذته ليتعرف على أخواله بعد جده وأعمامه، فتكملت له جوانب البر وصلة الرحم منذ الصغر صلى الله عليه وسلم. 

وما إن ماتت أمه حتى كفله جده، وكان عظيم مكة وسيدها المطاع وشيخها المحبوب فتلقى منه حبًا جمًّا وحكمة بالغة، ونشأ في كنفه لا يهاب أحدًا ولا يخشى من الاجتراء على ما لم يقدر عليه كبار أهله وقومه، فكان يجلس على فراش سيد مكة فيهش له ويدعو له ويتنبأ له بالمستقبل الباهر ويشجعه على ذلك فكان في ذلك تربية على الجرأة والإقدام أيما تربية. 

ولما مات جده كفله عمه الذي ورث السيادة عن أبيه، فتربى في كنفه، فكان له الأب الحنون والأم الرؤوم فعوضه عن فقد الأبوين ثم الجد، حيث كان يفضله على أبنائه في كل شيء وعلمه ما يجب أن يتعلمه الرجل السيد في قومه فرعى الغنم وتاجر وتعلم رمي السهام وخبر الحياة وتقلباتها.

النبي صلى الله عليه وسلم يربي أبنائه وأبناء مجتمعه

ربّى النبي صلى الله عليه وسلم أطفاله مستفيدًا من تربيته في طفولته. فقد رُزق صلى الله عليه وسلم بالبنين والبنات، وهو وإن لم يعش من بنيه أحد، فقد بقيت بناته شاهدات على جميل تربيته: زينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة. وعاش في كنفه علي بن أبي طالب الذي ربّاه في حجره صغيرًا، وزيد بن حارثة مُتبناه قبل إبطال التبني. ثم انظر إلى تربيته للحسن والحسين وأبناء وبنات المسلمين في مكة والمدينة لنقف على آثار تربيته فيهم وتوجيهاته لهم ولآبائهم وأمهاتهم في عصره، ويكفينا بعض الأمثلة مثل: أنس بن مالك، والعبادلة أبناء العباس وعمر وعمرو والزبير، وغيرهم من أبناء الصحابة؛ لنعلم كيف أثمرت شجرة النبوة الباسقة هذه الأغصان المورقة التي أثمرت نورًا للعالمين.

تعليم الطفل المصري بين الإيجاب والسلب

التعليم  في مصر

لو أخذنا مصر مثالًا لوجدنا أنها بحسب المؤشرات المعلنة قد نجحت في تحقيق شبه تعميم للتعليم الأساسي والوصول إلى معدلات التحاق مرتفعة للغاية. فقد تقدمت 10 مراكز في مؤشر جودة التعليم الصادر عن US NEWS لتصل إلى المركز 41 عام 2024م، وكذلك تقدمت في مؤشر التعليم الفني والتقني لتصل إلى المركز 79 عام 2025م، وتم تحديث 94 مادة دراسية في مختلف المراحل التعليمية وإدراج مواد البرمجة والذكاء الاصطناعي، وإطلاق مناهج التربية الفكرية لرياض الأطفال.

 كما تم إنشاء 13912 فصلًا دراسيًا، وتم تعيين نحو 30 ألف معلم سنويًا بالإضافة إلى التعاقد مع نحو 160 ألف معلم بنظام الحصة، كما ارتفعت نسبة حضور الطلاب إلى 87% على مستوى الجمهورية مع انخفاض كثافات الفصول إلى أقل من 50 طالبًا لكل فصل. 

كل ذلك طيب ومفيد ولدينا اليوم أكثر من خمسة وعشرين مليون طالب في التعليم قبل الجامعي؛ وفقًا لليونسكو، لكن هل يتعلم أطفالنا بالمدارس بالفعل؟ 

للأسف الواقع يقول: لا.

جوانب النقص

لم تطور مصر حتى الآن  نظامًا تعليميًا مستقلًا وعادلًا وغير طائفي أو طبقي. وليس ذلك فحسب بل إن المدارس اليوم تقضي على المواهب الفطرية لأطفالنا. فمن يخالط الأطفال مخالطة المحب الواعي ويختبر مواهبهم سيجد مواهب كثيرة ومتعددة تموت بسبب أنظمة تعليمية عقيمة. حيث أدى غياب مجلس تعليمي مستقل ومؤهل ومستمر للتخطيط والتعليم ومتابعة تطوره إلى افتقاد المجتمع لنظام ومنهاج تعليمي موحد يحقق المساواة بين الأطفال ويؤهلهم للانتماء الحقيقي للوطن، والتضامن فيما بينهم كأبناء وطن واحد. 

كما أدى التفاوت الكبير في الموارد المخصصة لكل نوع من التعليم إلى جعل المدارس تؤسس لقيم مختلفة تمام الاختلاف، وتُخرج هُويّات متضاربة لأبناء المجتمع الواحد، وتعمق فجوة القدرة على الابتكار بين تلاميذ كل نوع من أنواع التعليم، مما جعل مخرجات التعليم هزيلة لا تسهم في نمو ولا تنمية.

ماذا نحن فاعلون؟ ركائز للإصلاح التعليمي 

التعليم هو جهد مقصود ومنهجي ومستمر لنقل المعرفة والقيم والاتجاهات والمهارات والمشاعر عبر الأجيال. فالمدرسة “بستان” أو “جنة” بتعبير القرآن المجيد بكل معاني الكلمة، فيجب أن تكون كالأرض الممهدة الطيبة الصالحة للزراعة؛ حتى تتلقى البذور الصالحة من الأطفال في سن التعليم، فيغرس فيهم الفلاحون الأكفاء (المعلمون) القيم، ويعلمونهم المهارات والاتجاهات، ويغرسون فيهم المشاعر العالية، وكل ذلك وسط بيئة محيطة تكمل مهمة الزرع في تفاعل مستمر. فيجد الطفل نفسه يحيا في إيقاع من الحركة بين التعلم واللعب الحر، بين الإصغاء الهادئ والإبداع، فتخرج لنا أجيالًا صالحة طيبة بإذن ربها. 

إننا إذا أردنا بناء مجتمع موحد قوي واقتصاد متين ودولة عزيزة، علينا التعلم من نظم التعليم الناجحة في العالم من حولنا، والتي تقوم على قاعدة أساسية هي: مجلس تعليمي حكومي مستقل يبتكر نظام تعليمي واحد ممول من الدولة والمجتمع، يقوم عليه كادر تعليمي متميز يتحقق من خلاله القيم التالية: المساواة، والمضمون الهادف، والثقة، والابتكار، والإنجاز، والهوية، هذه هي الركائز للإصلاح التعليمي.

فبداية الإصلاح إنشاء مجلس تعليمي حكومي مستقل عن الانتماءات السياسية والحكومات المتوالية، يضع منهجًا أساسيًا ويبتكر البرامج التي تغرس القيم في نفوس الأطفال، وتعودهم على تحمل المسؤولية، واحترام سيادة القانون، والمواطنة الفاعلة. 

ولن تتحقق الغاية المنشودة من هذا المجلس دون توفر الموارد المالية أو البنية التحتية التعليمية. وفي ظل الواقع المعيش لن تستطيع الدولة القيام بذلك وحدها، بل نحتاج إلى العمل بالشراكة مع المجتمع لضمان حصول كل طفل على فرصة الدراسة في إطار تعليمي يعزز هويته ويعمق روابطه بإخوانه في الوطن. وهنا يكون بإحياء نظام الوقف التعليمي، وتوفير جزء من أموال الزكاة لصالح التعليم على الدولة والقادرين من أبناء المجتمع.

وبتوافر هذين الشرطين يمكن الاستثمار المكثف في برامج تعليمية مبتكرة، ودعم المعلمين والإداريين، وتوفير الموارد التربوية والاستراتيجية لدعم نظام التعليم. فالكادر التعليمي الكفء بمختلف أفراده وموارده هو  مفتاح التغيير، وضرورة حياة لبستان التعليم.

عند اكتمال هذه الثلاثية يتفرغ الجميع لتحقيق قيم التعليم المطلوبة. فيتم تحقيق التضامن والنقد والثقة والابتكار من خلال التركيز على تنمية حب الوطن والأمة، في ذات الوقت الذي يتم فيه تعميق حاسة النقد باعتباره تعبيرًا مشروعًا عن حب الوطن في نفوس المتعلمين من خلال صياغة آرائهم وقدرتهم على مناقشة قضاياه بكل تعقيداتها الاجتماعية والسياسية دون خوف أو ترهيب، فتتولد الثقة بداخلهم. وتحتضن ذلك كله لغة الأمة الحافظة لتراثها وعقيدتها، فيتعلم الأطفال الحفاظ على قدرتهم على الحديث بلغتهم الأم كأولوية وطنية بدلًا من إهمال هذه القدرة كشيء ينبغي التخلص منه بأسرع ما يمكن في المدرسة كما يحدث اليوم.

ومن اجتماع كل هذا يخرج الابتكار الذي يؤسس لإعادة بناء وتجديد المجتمع، وتطوير اقتصاده وتنميته. 

“البستان” المدرسة و”البذور” الأطفال هم فقراء لدعمنا جميعًا. 

ادعموا الجيل القادم من أجل بعث جديد

عماد الدين عويس

باحث في الشؤون الدينية والسياسية، باحث دكتوراه في السياسية العامة، له مؤلفات عديدة من مقالات… المزيد »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى