
الارتهان للمدرسة: كيف تحطمنا مؤسسة التعليم المقدسة؟
صباحَ الأحد 23 سبتمبر وفي تمام السابعة وقف الطفل المهندم محمد ذو التسعة أعوام متحفزًا أمام بوابة مدرسته المقابلة للبيت والتي لا يفصل بينهما إلا أمتار معدودة، ينتظر وصولَ العم رضا الفرّاش كي يفتح القفل ويدلف الطفل من فوره كالعادة معلنًا نجاحه الباهر في دخول المدرسة أولَ شخص ذلك اليوم، ثم ينتظر مجيء بعض الطلاب ليلعب معهم الكرة إلى أن يبدأ طابور الصباح، فلقد كان شغوفًا بذلك المكان الذي كان يمثّل ما يشبه النادي الموسمي لكل أنشطته الطفولية وقتها .. ذلك الطفل كان أنا قبل عقد ونصف، فلم تَحُلْ تلك الميزة العظيمة بالنسبة لأي طالب في عمري -مجاورة البيت للمدرسة- بيني وبين الاستيقاظ من الفجر والاستعداد للخروج الباكر إلى المدرسة، كانت هناك طقوس تحتفّ باليوم الدراسي تجعل من تلك التجربة شيئًا ممتعًا إلى حد ما، لكن كيف تحول ذلك النادي إلى مصدر للصدمات والمخاوف؟ وهل كنتُ أنا حالة استثنائية في تقييمي الأول أو تحولاتي التالية؟
مع بدء الدراسة في الوقت نفسه من كل عام، وحين أنظر إلى جموع المنتشرين في الشوارع صباحًا من طلبة وذويهم، والسائقين المسرعين بغيةَ الوصول بالأطفال إلى مدارسهم، تغالبني المشاعر المختلطة، وتتراقص أمامي تساؤلات من نوع: هل يستحق الأمر بالفعل كل هذا العناء؟ وهل يدرك هؤلاء حقيقة ما يفعلون؟ هل من سبيل لوقف شلال العمر الضائع؟ ولكن شيئًا فشيئًا تذهب الأخوات “هل” وتحل مكانها أدوات استفهام جديدة.
لننطلقْ من سؤال محدد ثم سنكتشف من خلاله مفارقة تعبر عن عمق الأزمة التي سببها نظام التعليم داخل الدولة الحديثة، كيف نشأ هذا النظام التعليمي أصلًا؟ ولماذا هذا الشكل بالذات؟ وهنا يتضح -على بداهة السؤال- أن جميع الأجيال المتأخرة -بما فيها نحن- لم تسأل سؤالًا كهذا من قبل! ويكمن السبب في طريقة التعليم التي خضعنا لها فشكلت طرائق تفكيرنا ..
«إنَّ التفكير بعمق في ثقافتنا يؤدي بك إلى أن تصبح شخصًا غاضبًا، كما تتسبب في غضب الآخرين، وإذا لم تستطع أن تحتمل ذلك الغضب فإنك تبدد الوقت الذي تفكر فيه بعمق. إن إحدى مكافآت التفكير العميق هي ذلك الاحتدام الشديد للغضب عند اكتشاف الخطأ، أما إذا كان الغضب ممنوعًا فإن الأفكار ستتضور جوعًا حتى تموت.»1
كم مرة سألتَ سؤالًا خارج إطار الدرس فنهرك أستاذك؟ وهل تذكر آخر مرة سألت فيها عن حقيقة معلومة مضمنة في كتاب المادة فرد عليك المعلم ردًّا شافيًا؟ وهل تستطيع أن تعدد المواقف التي سخر منك المعلم فيها علنًا أمام زملائك فأصبت بالإحراج؟ وهكذا تكرار مثل هذه المواقف في سِنيّ التعليم المبكرة تقتل التفكير الجاد عند الطالب وتربيه على الحرفية والاتباع الأعمى والخوف من الهجوم أو السخرية، يترجم العقل تدريجيًّا ما ينبغي عليه فعله للتأقلم مع هذه المنظومة المرسومة بدقة لتكريس قِيَمِها الخاصة والانضباط البارد، وتصهر التلميذَ في قالب النظام كي يعاد إنتاجه ويكون جزءًا من المجتمع الذي تحلم به الدولة، أو بمعنى آخر يصبح “مواطنًا صالحًا حسن السلوك”!
(تقوم المدرسة -بطريقة بطيئة وتدريجية- بغرس ثقافة الخوف من الفشل داخل النفس والذهن، والعمل على تكريس الثقافة الكاملة لكل الأشياء السخيفة المنافية للعقل)2
النظام التعليمي الحديث: البذور الأولى والأهداف الأصلية

وعودًا إلى إجابة السؤال السابق؛ فإن المدارس النظامية بشكل مقارب لشكلها الحالي نشأت في وسط وغرب أوروبا تأثرًا بظهور الدول القومية هناك وملابسات الثورة الصناعية، هذه الثورات في البنيتين السياسية والاقتصادية أثَّرَتا بشكل عميق على الحالة الاجتماعية بطبيعة الحال، وكان لا بد من مواكبة متطلباتهما، فجاءت فكرة المدارس لتحقيق عدة أهداف، منها: غرس القيم القومية وتعزيز روح الهوية الوطنية لكل بلد، ومن تمثلات ذلك: العلم الوطني والنشيد الوطني الذي يغنيه التلاميذُ -رغبةً أو رهبة- في طابور كل صباح، والجزء الأكبر يُتلقى عبر المناهج الدراسية نفسها، وكذلك إعداد شريحة كبيرة من العامة مؤهلين لتولي الوظائف الحكومية الجديدة وقولبتهم في البيروقراطية الإدارية القائمة بالأساس على التعقيدات الشكلية والبطء الشديد في الإجراءات نتيجة مركزية السلطة وتكريس القوة.
وماذا عن تلك المصانع الهائلة، من سيعمل بها؟ لا بد من مواطنين صالحين مطيعين قد تلقوا الحد الأدنى الذي يؤهلهم للتعامل مع هذه الآلات ضمن نظام يحكمه أصحاب رؤوس الأموال؛ يقوم بالطبع على الدقة في المواعيد والصرامة والروتين، فلا تقلق عزيزي العامل فلن تحتاج إلى كثيرِ تفكير ولا قليل!
وإذا كان الأديب التشيكي “فرانز كافكا” الذي عاش قمة حياته الأكاديمية والعملية في العقد الأول والثاني من القرن الماضي قد كرس جُلَّ نتاجه الأدبي لتشريح ظاهرة التسلط الشمولية التي تمارسها مؤسسات الدولة على المواطنين -كرواية القضية- رغم أنه درس 17 عامًا في المدارس والجامعات الألمانية وحصل على الدكتوراه في القانون عام 1906م، وحظي بالمكانة المرموقة والوجاهة الاجتماعية لأصحاب الدرجات العلمية في ذلك الوقت، إلا أنه رغم كل ذلك لم تسعفه طبيعته البشرية في أن يكون ترسًا في آلة لا يدري ما أولها من آخرها ولا ما تهدف إليه! فماذا يفعل أهل زماننا بعد أن ترسخت السلطة أضعاف المرات واعتادها الناس على مختلف الأجيال!
وهكذا تضافرت تلك التغيرات الكبيرة والسريعة في تلك البقعة من أوروبا لتكرس مع الوقت نظامَ التعليم الشمولي هذا وتعممه وتتوسع فيه بكل مراحله العمرية وتخصصاته والفئات المستهدفة، لينتقل إلينا أخيرًا عبر الاستعمار!
حسنًا، وهل كانت بلادنا الإسلامية لا تعرف التعليم مثلًا؟ أو كان أجدادنا يَقيلون ريثما يغزوهم الفرنجة من جديد فينشرون بينهم العلم والتنوير؟! سنمر سريعًا في إشارات خاطفة على أوضاع تاريخية استمرت تؤتي ثمارها قرونًا مديدة قبل أن يتغير كل شيء في القرنين الأخيرين، فالحضارة الإسلامية كانت سيدة الحضارات ورائدة العلم بينها، ومن نِتاجها استقى الغربيون كل المعارف التي هضموها وأعادوا إنتاجها فأخرجتهم من ظلمات العصور الوسطى إلى عصور النهضة والتنوير كما اصطلحوا هم عليها.
إطلالة سريعة على التعليم في العصر الإسلامي

لقد انتشرت الكتاتيب العلمية في كل ربوع الإسلام تُعلِّم القرآنَ والسنة وعلوم الشريعة واللغة والحساب وغيرها، وأقدمُ جامعة للتعليم العالي ما زالت تدرِّس إلى اليوم هي جامعة القرويين في فاس بالمغرب، التي تكفلت ببنائها السيدة فاطمة الفهرية عام 245هـ-859م، وأما الآثار العلمية للجامع الأزهر وجامع الزيتونة فغنية عن التعريف، وانتشرت في العصر السلجوقي المدارسُ النظامية التي أسسها الوزير نظام المُلك الطوسي في مدن العراق وفارس وخراسان وغيرها، وكانت الأمية معدومة في الأندلس، وكان الخلفاء من بني العباس وغيرهم يعطون المترجمين وزن ما ترجموه من علوم الأولين ذهبًا، وأوفر ملوك أوروبا حظَّا وأسعدهم طالعًا هو من يَقبلُ خلفاء بنو أمية في الأندلس أحدَ أولاده طالبًا مبتعثًا عندهم في جامعة قرطبة! وتفوق المسلمون في الطبيعيات، والبصريات، وعلوم الهيئة (الفلك)، والرياضيات فأهدَوا للعالم الصفرَ وعلمَ الجبر، وتضلّع مصلحو عصر النهضة من فلسفة المدرسة الرشدية…
ولما احتل الفرنسيون الجزائر عام 1830م شُدِهوا من نسبة المتعلمين ومستوى الثقافة العالي الذي كانوا يجاهدون للوصول إليه ببلادهم، وكتب الجنرال الفرنسي “فالز” (General Valzé) في إطار التقارير والتحقيقات الرسمية التي أعدتها “اللجنة الإفريقية” (Commission d’Afrique)، وتحديدًا في التقارير العسكرية المرفوعة لوزارة الحرب الفرنسية لتقييم الأوضاع في الجزائر بعد سنوات قليلة من الغزو 1834م: “كل العرب (الجزائريين) تقريبًا يعرفون القراءة والكتابة، إذ توجد مدرستان في كل قرية”. بينما ازدادت نسبة الأمية في الناس بعد الاستقلال واستمرارِ العمل بالمدارس النظامية الحديثة!
آخر مرة كلموك عن الإسلام؟!
في الحلقة التاسعة من السلسلة الشهيرة “تأسيس وعي المسلم المعاصر” للمهندس أيمن عبد الرحيم، قال فيها: “هنا في مصر، كل اللي موجود ما عدا اللي درس في الأزهر: في سنة كام درست نواقض التوحيد؟ طبْ في سنة كام درست التوحيد؟! (أصوات ضحك الحضور)…… طب آخر مرة كلموك عن الإسلام امتى؟ مفيش، أصلًا هذا النظام غير مصمم لاستدامة قول لا إله إلا الله، ويقول لك العيال بتلحد؟ طب ما هو دا الطبيعي!…… أنا أقول: ليس العجب ممن هلك كيف هلك ولكن العجب ممن نجا كيف نجا… عملتها ازاي؟ عايش من لما ولدت في هذه الديار محدش كلمك عن العقيدة ولا الفقه ولا أي شيء ولسا مسلم؟ واللّه مفاجأة!”
هذه الكوميديا السوداء تعبر عن صلب الإشكال، وتطرح تساؤلات طالما غفلنا أو تغافلنا عنها، كيف يمكن لشعب مسلم أن يكون دينه الرسمي مادةً ثانوية يدرِّسها أي أستاذ كيفما اتفق -يسد خانة- وليست أساسيةً ولا تضاف إلى مجموع درجات تقييم الطلاب؟ بل كيف يضع لنا الغربيون الأطر والأهداف التي نؤلف في حدودها مناهجنا الدراسية بل ويتدخلون في تفاصيلها إذا لزم الأمر؟ كيف يمكن للمدرسة أن تكون بلا مسجد؟ وأن تُقَدَّم الحصةُ على الصلاة؟ وأن يكون العثمانيون قساةً محتلين بينما الفرنسيون أتوا بلاد “المشرق” بالفوائد والخيرات! وهذه نفثات للدكتور أحمد سليم سعيدان (1914 – 1991) من كتابه: “مقدمة لتاريخ الفكر العلمي في الإسلام” الصادر عن عالم المعرفة عام 1988م، يقول فيها: (وأمر تعليم الدين الإسلامي اليوم أسوأ وأمرّ، من ذا الذي يقوم على التخصص في الدراسة الدينية إلا من فقد الأمل في أي توجه أو تخصص علمي؟ حتى القرن التاسع عشر كان الأزهر الشريف أعظم معهد لدراسة الفقه والدين وعلم الفلك. ولكن الأزهر الشريف فقد مكانته القيادية، وخريجوه وعلماؤه فقدوا النفوذ وزمام المبادرة. وفي غياب القيادة تصدى للزعامة كل راغب في رئاسة أو راغب في ملك أو تاجر أو منافق. لقد فقد الدين في العالم العربي تأثيره، فخلا الميدان للأدعياء..).
وفي فقرة مكثفة يصف التقسيم العجيب الذي تواضع عليه نظامنا التعليمي بينما هو لا يخدم في الحقيقة إلا أعداء حضارتنا، فيقول رحمه اللّه: (والتفجير العلمي استدعى الحصول على معلمين علميين، فلم تعد اللغة العربية والدراسات الإسلامية في قمة الهرم الثقافي، إذ قد علت فوقها الدراسات العلمية، ولم يعد معلمو العربية في الطليعة؛ إذ دعت الحاجة إلى اجتذاب أنواع أخرى من الثقافة، حتى بالإغراءات المادية. وهذا دعا إلى إقبال أصحاب المواهب على الدراسات العلمية. ثم جاء تقسيم الصفوف إلى علمية وأدبية، فكان أن لحق بالصفوف الأدبية طلاب أكثرهم من غير ذوي المواهب. من هؤلاء أخذ يتخرج المعلمون الجدد، ومنهم أخذ يتولى أصحاب القرارات، سواء في التعليم وفي الإدارة. فلا عجب أن يتدنى مستوى تعليم العربية، ومستوى الكتابة والصحافة والثقافة، وكل إبداع أدبي)3.
هذه إشارات متفرقة بلا تفصيل ولا تطرُّق لمواضيع أخرى مهمة، كدور الاستشراق في إنشاء جامعات بلادنا ووضع مناهجها، ولا عن كارثة التعليم باللغة الأجنبية وتهميش دور العربية الأم، ولا فصّلنا في تعدد الأنظمة والمناهج التعليمية الأجنبية التي تزاحم الحكومية على فسادها! ولا عن الاختلاط بين الجنسين وما يسببه من كوارث نفسية وسلوكية وأكاديمية، وكذلك ظاهرة الابتعاث للدراسة بالخارج وهجرة العقول ومآلاتها على نفس الأفراد ثم على المجتمع، ولم نتكلم عن التناقض الصارخ بين نظام التعليم المعلَّب وبين أسس علم النفس الحديث، كالجمع بين الذكور والإناث في نظام واحد بينما تختلف الخصائص الفسيولوجية لكل منهما بما يقتضي في الأصل أن تكون طرائق التعلم متباينة! وحق كل موضوع منها أن يُفرَد بالبحث والتحرير.
وللتدليل على خطورة التجاهل العجيب لمسألة التسوية في النظام التعليمي بين الذكور والإناث رغم ثبوت قطعية الفارق بينهما، ننقل عن كتاب “الأولاد والبنات يتعلمون بطرق متباينة!”: (يتساوى الذكور والإناث في عضويتهم المشتركة لنفس النوع، وهو الإنسان، لكن كي نحافظ على فكرة تماثلهما في الكفاءة، فسنتمثل مهاراتنا وسلوكنا في بناء مجتمع قائم على كذبة بيولوجية، وعلمية أيضًا)4
–آن مويِر وديفيد جيسيل، جنس العقل
أكذوبة التأهيل لسوق العمل
ولمعترض أن يقول: ما علاقة هذه الموعظة التاريخية بواقع التعليم الحالي؟ فنحن في زمن التقنية والمنظومة تتطور بما يتوافق وسوق العمل!
الناظر لتصريحات المسؤولين حول حقل التعليم وخطط تطويره ثم إلى أعمالهم في الواقع يعرف تمامًا لماذا تسوء الأوضاع، فبينما تتراوح النسبة المتوسطة عالميًّا للإنفاق على قطاع التعليم بين 3.5% إلى 4.5%، نجد نسبة الإنفاق الحكومي على التعليم في العام 2026 في مصر لا تتعدى 1.5% مقارنة بحجم الاقتصاد كله، أي أقل من نصف الحد الأدنى للمتوسط العالمي!
ثم ما علاقة الحديث عن فلسفة نشأة النظام برُمّته بالحديث عن استحداث وسائل أو خطط مرحلية أو ما شابه؟ هل تنحل أزمة التعليم في بلادنا لأجل أن الطالب سيكتب في الحصة على الجهاز اللوحي عوضًا عن الكراسة العتيقة؟؟ لكن سنرى حقًّا إن كانت الوسائل تسهم -على الأقل- في شيء من التطوير الحقيقي.
وفي العقدين الأخيرين ظهر مصطلح “اكتئاب ما بعد التخرج”، وهي حالة نفسية وذهنية تصيب الشاب حديث التخرج من الجامعة، والأسباب متعددة لكن يأتي على رأسها ما يمكن أن نصفه بـ(صدمة الاحتكاك بالواقع وعدم موائمة التعليم السابق لمتطلبات سوق العمل الحقيقية) ويكتشف الشاب أن عالم المدرسة والجامعة المبني على الشهادات واجتياز بعض الاختبارات لم يمكّنه -رغم كل تلك السنين- من امتلاك المهارات الفاعلة المؤهلة للعمل المهني المناسب لمستوى التعليم المفترض، مما يفرض على الخريج المسكين أن يرمي وراءه كل ما تعلمه تقريبًا ويبدأ في رحلة تعلم حقيقية للمهارات العملية الفعالة.
والمخرجات الواقعية لطلاب المدارس والجامعات تخبرنا -في الأعم الأغلب- أن استخدام الأدوات التقنية لا يتجاوز الشكليات والرسميات، لأنها -بالمحصلة- جزء من تلك العملية الشمولية المتسمة بالرتابة البيروقراطية وبكل ما فيها من ترهلٍ وفساد، وأما من حيث المادة العلمية فلا التلميذ يخرج من سنينه الطويلة في المدرسة طليقًا في لغة أي لغة! ولا مثقفًا مطلعًا على آداب أو معارف شرقية ولا غربية، ولا هو بالذي تعلم حرفة أو صنعة فصار فيها “معلمًا”! وإنما نجد العجمة والعي كتابةً وتحدثًا، والأمية الثقافية وفقر الاطلاع وضيق الأفق، هذا فضلًا عن التشوهات النفسية والعقلية التي تسببها نفس المنظومة ثم التطبيق الخطأ فتتضاعف التشوهات تربيعيًّا ..
نظرات في المخرج
ولسائلِ آخرَ غيرِ الأول أن يسأل: لقد اسودت في عينيّ الدنيا واربدّت، فما المخرج من هذه المتاهات؟ تعلم أنه لا يمكنني الوقوف بوجه هذا النظام وحدي!
وكما أن المشكلة مركبةُ معقدة، فينبغي عند محاولة طرح الحلول أن تكون كذلك حلولًا مركبة، ولا يجدي في مثل هذه المسائل تسطيح القضية ولا اتخاذ قرارات سريعة أو ردات فعل عنيفة، وإنما هو الصبر وحسن التعامل بالحكمة والوعي، فما ترسخ في بيئاتنا ومجتمعاتنا على مدار عقود طويلة لن يُقتَلع في أشهر ولا سنوات قليلة.
إن الوعي بحقيقة المشكلة وتأثيراتها السلبية خطوةٌ أولى في طريق البحث عن حل، وبدونه لن تجدي أطروحات جزئية أو خطوات مبتورة، فالذي يدفع باتجاه العلاج أن يكون المريضُ موقنًا بمرضه مدركًا خطره عليه، وإلا فبحثُه عن علاج هو من فضول العمل وتسلية الوقت وخداع للنفس.
ولا يعني التنبه للخلل المتجذر في هذه المنظومة أن نعتزلها فجأة وبشكل تام، لكن التغيير الحقيقي سيأخذ وقته بينما يعمل اليَقِظون على تحجيم مكانتها ونشر الوعي بالفساد الحاصل فيها، ويمكن التوجه نحو مشاريع التعليم المنزلي وتطوير المناهج الدراسية المطبقة فيها، واستحداث بيئات صحية صالحة لتسيير العملية التعليمية لكل جنس بحسب الأعمار والاستعدادات الفطرية وغيرها من المعايير، مع التركيز القوي على المضامين والمحتوى لا على مجرد الوسائل والأدوات المادية، على أن تعطى الهوية الإسلامية والعربية حجمها اللائق بها في جميع خطوات ومراحل التربية والتعليم، وتكون هي الإطار الحاكم والأساس الذي تنبني عليه جميع المناهج والمواد وتخدمه كل الوسائل والأهداف المرحلية، وكل هذا يتطلب جهودًا مضاعفة لشق طريقها في الواقع، جهودٌ حثيثة من قوة بشرية، وعدة مالية، وعتاد معرفي علمي، واعتدادٍ نفسي فكري، كي نصل يومًا إلى الانعتاق من ربقة الدولة الحديثة في مجال التعليم تحديدًا.
وختامًا، ختم الدكتور أحمد سليم سعيدان كتابه الذي أشرنا إليه بفصل سماه: (عتابٌ وأمانيٌّ عِذاب) يقول فيه: “هل من أمل في أن نعود كما كنا: خير أمة أخرجت للناس؟ نعم! هناك أمل في أن نصبح دولة، أو دولًا متقدمة، نسهم مع المساهمين في الخلق والإبداع والابتكار، وتوجيه دفة الفكر العالمي، وإعلاء صرح الحضارة الإنسانية المعاصرة. بل لعلنا نكون نحن الذين نطعم حضارة المستقبل بما ينبغي من إنسانية وروحانية تحدان من طغيان السياسة الدولية الغاشمة.”
المراجع
- جولز هنري، عن كتاب (السير فوق الماء، القراءة والكتابة والثورة) تأليف: ديريك جنسن، ترجمة: سمير عبدربه، المركز القومي للترجمة. ص١٠٩. ↩︎
- المرجع السابق. ص٧. ↩︎
- كتاب: “مقدمة لتاريخ الفكر العلمي في الإسلام” تأليف الدكتور: أحمد سليم سعيدان. عالم المعرفة. ↩︎
- كتاب “الأولاد والبنات يتعلمون بطرق متباينة!” المركز القومي للترجمة ص29: ↩︎




جزاكم الله خيرا احسنت❤️
كما قالها احد المفكرين سابقا: اكبر اكذوبة تم ترويجها في هذا العصر ان الشهادة= الحصول على العمل، من المعيب ان يتم اختزال العلم في شهادة جامعية واختزال الانسان في قابليته للتوظيف. هذه الاكذوبة تبين لنا كيف تم خداع عقول الناس فضلاً عن الافتراء على العلم الذي كان من المفترض ان يكون مستقلاً عن طاحونة المال.
صحيح، كان يفترض أن تكون المؤسسات التعليمية حامية للعلم ومنورة للمجتمع لا أن تظل متأثرة تابعة لسوق العمل
أصبت ما بنفسي، منذ الصغر وأنا لا أحب المدرسة أصلًا ولا أطيق أي شيء فيها، لدرجة تلقيبي في بعض الأحيان بالناقمة المغرورة، ودائمًا يتم دفعي دفعًا لكي أسير مع التيار ولا أترك القطيع _كما كنت أسميه_ وإذا اعترضت على أي شيء أو قلت أني لا أفهم معلومة معينة.. أظن أنه يمكن تخيل ما قد يحدث من ضرب وإهانة وعقاب وغيره، بل وكان الأغرب أنه يتم ترجمة كل هذه القسوة بأنها حب!
لذا كنت أضحك كالمجانين في كثير من الأحيان من هذه الترجمة العبقرية، ويصل الأمر بأن أستهزئ بالكبار وأصف عقولهم بالفارغة، بينما زملائي بالصف كنت أراهم مجموعة من المزعجين الذين لا داعي للاكتراث بهم، ويكفي أن أعاملهم على قدر عقولهم الصغيرة؛ لأنهم كثيرًا ما كانوا يتعرضون لي بسبب قصر قامتي وحبي للجلوس بالمقعد الأخير لأنه المكان الوحيد الذي لن يشاركني أحد فيه، وكان الأساتذة يهملون كذلك أصحاب المقاعد الأخيرة ويصفونهم بالفشل، ولأني كنت ناقمة على أهل هذه الدولة الصغيرة التي اسمها (المدرسة)، كنت أحل نصف ورق الامتحان وأترك النصف الآخر بلا حل لرؤيتي أنه لا داعي لأتعب نفسي في مكان لا يستحق.. يكفي بأن أنجح وكفى _كان طبعًا يتم توبيخي بالبيت على فعلتي هذه كل اختبار_ وقد كنت بمدرسة خاصة بالمناسبة، ومختلطة في المرحلة الإبتدائية، فكان كل يوم تقريبًا صولات وجولات توجع الرأس بين الفتيات والفتيان على من أفضل وأشطر.. إلخ.
وكانت هناك دروس تقوية لأمثالي من الفاشلين من وجهة نظر المدرسة، ولزيادة ازعاج كان الفاشل من الصبيان يوضع في مجموعة فتيات، والفتاة الفاشلة _أنا_ يتم وضعها في مجموعة صبيان 🤣
وكان هناك صبي في مجموعتي مشهود له بالتفوق ومع ذلك أدخله أهله في دروس التقوية التي كانت بعد المدرسة _وكم كنت أكره ذلك الولد_ كانت الفتيات معجبات به _أي والله مدرسة ابتدائية ويكون هناك إعجاب😒_ لشطارته ووسامته.. وللأسف ذلك الولد أخته صديقة لابنة خالتي، ولأني كنت فتاة وحيدة لا تملك أصدقاء كنت ألاعب أطفال روضة المدرسة فتعلق بي أخوه الصغير، فكان عندما ينتهي دوام الروضة يأتي ذلك الصغير ويجلس بجانبي في وقت الحصص، فكان ذلك يسبب لي المشاكل مع الفتيات اللواتي يظنون أن ذلك المزعج يفضلني عنهن بسبب أن أخوه الصغير متعلق بي ولأن ابنة خالتي صديقة أخته ولأني معه في دروس التقوية _لا يعرفون أنه الآخر لا يطيقني، وكم كان يتعمد إزعاجي هو وباقي أولاد المجموعة!_ ..
فكانت الإبتدائية كلها بالنسبة لي عبارة عن مهازل وأيام مزعجة ومثيرة للاشمئزاز والتعب من كل النواحي.
أما في الإعدادية والثانوية تفصل الفتيات عن الفتيان، لذا كانت أكثر هدوء وأقل إزعاجًا، فقد تخلصت من إزعاجات الطلاب ولم يتبقى سوى ازعاجات الأساتذة.
كنت مهندسا وحصلت على خبرة عملية، ثم تحولت للتدريس في الجامعة، وانتقدت المناهج العتيقة، التي تخرج اجيالا تعرف حل معادلات لن يحتاجها طيلة حياته، وبعيدة حتى عن سوق العمل الذي تطور اسرع من المناهج بعقود. حتى كنت اقول (ان الاساتذة يعلمون الطلبة ما يعرفونه لا ما بجب ان يتعلموه)
أشكرك أستاذنا على هذه المكاشفة التي تقرر ما نحن بصدده وتفتح آفاقا أكبر لضرورة الوعي بخطورة الأمر وإيجاد الحلول.
كيف حطمنا و ليس (ت)حطمنا