نتفق جميعا أن الجوع كما تعرِّفه منظمة الصحة والزراعة العالمية التابعة للأمم المتحدة (فاو)،  أنه الحرمان من الطعام وسوء التغذية، الذي يجعل الفرد لا يستطيع الحصول على 1800 سعر حراري، كحد أدنى يوميًّا، لحياة صحية ومُنتجة. ويعتمد مؤشر الجوع العالمي، على عدة معايير لقياس مستوى الجوع للدولة محل الدراسة، تتمثل بشكل أساسي في حساب كلّ من:

  • النسبة المئوية للسكان الذين يُعانون من نقص التغذية.
  • النسبة المئوية لانتشار «الهُزال» بين الأطفال دون سن الخامسة.
  • النسبة المئوية لانتشار التقزم بين الأطفال دون سن الخامسة.
  • النسبة المئوية للأطفال الذين يموتون قبل سن الخامسة.

ويعتمد ترتيب الدولة محل الدراسة في المؤشر، على حساب النسبة الإجمالية المتوسطة للمعايير سالفة الذكر، من صفر إلى 100، وكلما ارتفعت النسبة المئوية التي حصلت عليها الدولة محل الدراسة، دلّ ذلك على ارتفاع نسبة الجوع فيها، والافتقار إلى الطعام، والعكس صحيح، فكلما انخفضت النسبة المئوية التي تحصل عليها الدولة محل الدراسة، دلّ ذلك على تقلص نسبة الجوع فيها.

الجوع أكثر من ثلث العرب يعيشون تحت خط الفقر وهم أغنى الناس! إلى متى؟! 1

تمثيل لدول العالم حسب عدد السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر

وهو بهذا المفهوم بات ظاهرة ملازمة لمجتمعاتنا العربية، بل لا نختلف أبدا في أن أغلب الناس اليوم يعجزون عن توفير حاجياتهم الضرورية لمعيشتهم إلا عن طريق المساعدة، نحن لا نتحدث عن الكماليات وأشكال الرفاهيات، بل نتحدث عن تأمين الطعام والشراب ، عن تأمين الحق الأدنى لكل مسلم  ومسلمة في الحياة!

وكذلك اتفقت إحصائيات نسب الجوع التي بلغتها البلدان العربية ونتائج تقارير المتابعة لمستوى معيشة الفرد في كل مجتمع–اتفقت–في تأكيد  تزايد ارتفاع هذه الأرقام بل والتحذير من أنها لا تتوقع لها انخفاضا.

معطيات ثروات المسلمين

ومع ذلك فإن المعطيات لثروات المسلمين لا زالت تؤكد بأنهم يمتلكون جميع المقومات لإنتاجية كافية وفائضة، وأنهم يقطنون أكثر المناطق ثروة في العالم وغناء إلا أنهم يصنفون كبلدان تسمى “نامية” وهو مصطلح لا يعكس حقيقة وضع هذه الدول،خاصة وأن الخط الزمني لنموها يتراجع بدل أن ينمو وتزداد شعوبها فاقة وتدنيا مع كل يوم.

اقرأ أيضًا: تحويل بلاد المسلمين إلى ميدان لنهب الثروات وسوق لتصريف المنتجات

مقارنة الدول المتقدمة بالدول النامية

وقد أثبتت الدراسات أن 23% من سكان العالم يعيشون في الدول الشمالية التي تصنف بالمتقدمة ولكن رغم قلتهم مقارنة مع عدد سكان العالم إلا أنهم يحصلون على 82 % تقريبا من الدخل العالمي.

في حين يعيش77% من سكان العالم في الدول الجنوبية التي تصنف بالنامية ولا يحصل سكانها إلا على 18% من الدخل العالمي وهذا مشهد صارخ للهيمنة الغربية والسياسة الاستعمارية التي تتخذ لها أنماطا مختلفة ولكن نتيجتها واحدة، نهب وسرقة واستنزاف لموارد الغير.

اقرأ أيضًا: وثائق بنما: حينما كشفت التسريبات عن أن بلاد المسلمين موطنًا لنهب الثروات

الجوع للشعوب والبذخ للحكام

وفي الواقع إن شعوبنا اليوم “فقيرة” بكل ما تعكسها الكلمة من دلالات، وفئات اجتماعية كثيرة منها أضحت أسيرة الجوع بكل ألمه ومرارته بينما حكامها وحاشيتهم ينامون ببطون منتفخة شبعا ويصرفون الأموال الطائلة على شهواتهم وملذاتهم!

الفقر في البلدان العربية

إحصائيات الأمم المتحدة للفقر في البلاد العربية

لا تزال الأرقام صادمة حول مستويات الفقر المدقع في أغلب بلداننا العربية، لقد بلغ عدد من يرزحون تحت خط هذا الفقر إلى نسبة تتراوح بين 34 و38 بالمئة من إجمالي السكان الذين وصل عددهم  إلى ما يزيد عن 300 مليون نسمة، حسبما ورد في تقرير للأمم المتحدة عقب قمة الأمن الغذائي في العاصمة الإيطالية روما، أي أن أكثر من ثلث العرب يعيشون تحت خط الفقر،  أكثر من ثلث العرب لا يجدون ما يأكلونه ويئنّون تحت وطأة الجوع! أكثر من 100 مليون صامتون على جوعهم!!!

الإحصائيات المنفردة للفقر في البلدان العربية

ثم إن الإحصائيات المنفردة مخيفة في بعض البلدان فقد بلغت النسبة السقف في السودان بـ 80% جائع بينما في مصر تشير الأرقام إلى أن أكثر من 46% من الشعب المصري لا يحصل على الطعام الكافي ويعاني من سوء التغذية. ثم  في الجزائر تتحدث الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان عن 10 ملايين جزائري يقبعون تحت خط الفقر! وعن جارتها ذكر تقرير للبنك الدولي نشر في مطلع عام 2014، أن 13 مليون مواطن مغربي يعيشون الفقر، منهم 5 ملايين يعانون العوز الشديد بشتى ألوان غصاصته.

اقرأ أيضًا: 10 أرقام مذهلة لا يمكن تخيلها حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات في مصر

التقصير في تحقيق الأمن الغذائي

وبالنظر لواقع هذه الشعوب فإن تقرير الأمم المتحدة أكد أن الدول العربية تكاد تتوحد بدرجات متفاوتة في التقصير الواضح لتأمين أمن الإنسان وكذلك قالت منظمة (الفاو)  مؤكدة بأن مشكلات الأمن الغذائي عندهم مرشحة للزيادة في المستقبل. وأن الحكومات لم تقم بتغيير حال شعوبها-رغم التحذيرات-بل لا زالت الهوة تتسع بين الأغنياء والفقراء وتختفي مع ذلك الطبقة الوسطى في العديد من مجتمعات تلك الدول لتدخل حيز دائرة الفقر مرغمة. كذلك أبرز البنك الدولي أن البلدان العربية، أكثر من مناطق أخرى، عرضة إلى أبعد الحدود للصدمات في أسعار المواد الغذائية. وبمعنى آخر أن الكابوس لا زال جاثما على صدور المسلمين إلى ما لا نهاية!

إحصائيات دقيقة

ولكن مع بعض التبصّر نجد أن نسبة الفقر المدقع  التي أحصتها الأمم المتحدة وكذلك منظمة (الفاو) غير دقيقة وربما ضئيلة، ذلك أن مصادر منظمة (الفاو) حكومية بحتة،  تتجاهل الكثير من الأرقام الحقيقية على أرض الواقع  التي لو عدّت لأذهلت الأسماع!

ولو أننا اعتمدنا إحصاءات ميدانية أكثر دقة وشفافية ومصداقية، لا شك أن العدد سيفوق المئة مليون جائع في البلدان العربية .

تقارير هذه المنظمات لم تنحصر في إحصاء أرقام الجوعى بل أردفتها بإحصاءات حول نقص التغذية التي تشير إلى أن حوالي 40 مليون عربي يعانون من نقص التغذية أي ما يعادل 13% من السكان تقريبا، بالإضافة إلى إحصاءات البطالة الدائمة أو المؤقتة التي لا تنزل عن تعداد الملايين من البطالين في شتى بلاد المسلمين.

بذخ الحكام العرب

كل هذا يحدث في وقت أنفقت به السعودية المليار للاحتفال بزيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قمة الرياض! وأموال أخرى لا تحصيها حاسبة استنزفت في ما لا ينفع المسلمين بأي حال! فكم كانت هذه الأموال ستسد من مليون بطن جائع  في البلدان العربية؟!

موقف الشعوب العربية

ورغم أن القاعدة الطبيعية لكل كائن حيّ في هذا الوجود تؤكد بأنه في حال فقد حقوقه الطبيعية كالطعام مثلا، فإن غريزة حب البقاء لديه تتفجر في ثورة غاضبة يسترجع بها المسلوب ويكافح للحصول عليه وإن كلّفه ذلك حياته. وهذه الحيوانات–مثال واقعي-لهذه القاعدة، فمن اقترب من حياضها واعتدى على حقوقها، تدافع عنها باستماتة وهي التي تصنف لا عاقلة! وكذلك الشعوب من شتى القوميات، إن زاد سعر مادة في السوق، ضجت الطرقات بالاستنكار وتماوجت عبارات التهديد والوعيد في ثورة الغضب، وخضع الحاكم لطلباتهم بلا استهتار! إلا مع شعوبنا العربية، التي يبدو أنها قد ألفت الذلّة والقمع، واعتادت الخنوع والهوان ورضيت أن تبقى تحت سياط سلاطين الظلم أسيرة أغلال الاستعباد!

ترى الحرمان وترفض التظلم، ترى السرقة والنهب وترفض قطع اليد! ترى التمادي في القهر والعدوان وتؤثر على ذلك الصّمت! أفيعقل أن تصل أمة دينها الإسلام وقدوتها النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأصفياء،  لدرجة ترضى فيها بعيشة إذلال لا نهاية لها؟ في حين كان يقول أبي ذر رضي الله عنه:

عجبت لرجل يبات جائعا ولا يخرج بسيفه على الناس!

ماذا بقي لشعوبنا المسلمة؟ كل هذا الظلم والعسف الذي يحاصرها عقودا من الزمن، نهب لأموال المسلمين واستغلال بشع من قبل أعداء المسلمين ثم لا حياة لمن تنادي؟ بل إن الغرب استفاد من ثروات المسلمين أكثر من المسلمين أنفسهم… ثم نكتفي بملأ مقاعد المشاهدين!

الجوع أكثر من ثلث العرب يعيشون تحت خط الفقر وهم أغنى الناس! إلى متى؟! 3

لقد رأينا بكل ألم صمت شعوبنا المسلمة وهي تشاهد جيوش الكافرين تحط أرتالها وعتادها في ديارنا، متبجحة مستكبرة، وبدل أن تنتفض وترفض وتستنكر رأينا من يرحب ويقدم قرابين المودة والمحبة وتلك التبريرات المذلّة! وتعجبنا حين رأينا في الصورة المقابلة شعوب هذه الدول قلقة! قد أبصرت ظلما واعتداء من حكوماتها وخطرا يحوم بأبنائها، فخرج العاقلون منهم بالملايين ينددون بالتدخل في شؤوننا! رغم ما تجنيه حكوماتهم من فوائد تعود عليهم بالربح.

ثم كم من مسلم خرج يندد يوما بتدخل أمريكي على أراضي المسلمين؟ كم من حر عبّر عن رفضه لتمادي أطماع الكافرين في ديارنا وثرواتنا؟! عُدُّوهم فلن يتجاوز العدد العشرات وفي أفضل حال المئات!

اقرأ أيضًا: نحو فهمٍ أفضل للهيمنة الأمريكية

بل أكثر من ذلك، رأينا  أعراضا تنتهك وبيوتا ومساجد تهدم ومصاحف تهان وتحرق وأطفال رضع يقصفون بأبشع ما يكون! وإخوانا يؤسرون وأخوات تغيبن في زنازين الجور وإنسانية تجلد بكل أنواع العذاب الشيطاني التي لا يقوى على مشاهدتها قلب حيّ، وحضارة إسلامية عريقة تدنس بأقدام نجسة! فما انتفض شعب!

كل هذا وما زال قومنا يتحججون بالمعاذير ويتضرعون بسلامة النفس!

ثم ها نحن نرى اليوم شبح التمادي والظلم قد طرق بطونهم فأوجعهم وأفجعهم ولكنهم لا زالوا ساكنين يصطبرون على آلامهم وهم يتضورون جوعا ولا يتجرأون على الإنكار!  فليت شعري! ماذا بقي يستحق الحياة؟!

هل فقدنا الإحساس ؟! أم فقدنا هويتنا وديننا وأصبحنا من الأموات؟!

لا شك أن الهيمنة الغربية وأخطبوط أطماعها الذي اخترق عمق ممتلكاتنا ومصالحنا وربما بعضا من إنسانيتنا! ونهب منها بما لا يعد ولا يحصى،  كان له دور مباشر في تصعيد جوع شعوبنا، ولكن يبقى الأهم من ذلك هو السلبية النكدة التي تعودت عليها هذه الشعوب في تمرير كل إثم وذنب وكل اعتداء وغصب!

اقرأ أيضًا:  الرأسمالية والإمبريالية العالمية مأساة العصر

نعم قد انتهكت الأعراض وكان الصمت وسرقت الأموال وكان الكبت، واحتلت البلاد وكان الموت! فهل ننتظر أن تحرك آلام الجوع في البطن ضمير إنسان قبل أن توقظ ضمير مسلم! ليتها تفعل لعلنا نطوي صفحة هذا الواقع المظلم في سفر المسلمين في العصر الحديث!


المصادر:

الجُوع و الفقر في عالمنا العربي….الى متــــــى؟

100 مليون عربي تحت خط الفقر.. !!

80% من السودانين على عتبة الفقر

استطلاع للحزب الحاكم: 51% من الشعب المصري لا يكفيهم دخله

10 ملايين جزائري يعيشون تحت خط الفقر

ويكيبديا الموسوعة الحرة

 

446

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفٌة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ستة كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.