الوطنية قيمة أضحت عند جمهور عريض من أبناء الأمّة من قبيل المسلّمات التي لا يخطر على بالهم حتّى مُراجعتها. بل وكثير من العاملين للإسلام يرفعون شعارها باعتزاز ودون أن يطرف لهم جفن الشّكّ في مشروعيّتها لحظة واحدة برغم أنّها لم يأت الوحي في نصوصه مُصرّحا بها ضمن القائمة العريضة من القيم والمسمّيات الكبرى المنصوص عليها في الوحيين، كالعدل والقسط والتّقوى والعبوديّة والإخلاص والحنيفيّة، أو المُجمع عليها علميّا كالتّوحيد والسّنّة والجماعة.

كما أنّ “الدّولة الوطنيّة الحديثة” أصبحت بوعي وبغير وعي تبدو الخيار الوحيد للشكل السياسيّ الذي تكون عليه الدّول – خيار جبريّ في ظلّ نظام عالميّ لا يُفسح المجال لأحد للخروج عن قيود محدّدة في تأسيس العلاقات بين الكيانات السّياسيّة وحتّى داخل المجتمعات.

فنريد هنا – مُستعينين بالله – نفض غبار الغفلة عن سؤال هامّ في صلب تكوين الفهم المستقيم لابن الإسلام الصّادق السّاعي لنصرة أمّة طال زمان غيبتها عن الأمجاد والسّؤدد: الله أم الوطن؟

هذا سؤال فيه ثلاثة عناصر لا اثنان. الثالث هو الإنسان الذي يواجه هذا السّؤال ويطلب له حلّا.

ولابدّ من مقدّمات نُقرّرها حول هذه العناصر الثلاثة لوضع المناقشة في إطارها الواضح، ولكن قبل ذلك نقف على الاستفزاز الذي يُسبّبه هذا التّساؤل:

  1. لماذا الله أم الوطن؟ السّؤال يفترض اختيارًا ولا يفسح مكانا واحدًا للاثنين معًا.
  2. هل يُمكن للإنسان أن يجمع بين الاثنين دون أن يُخسر شيئا ما في حقّ الآخر؟
  3. إلى أي حدٍّ يُمكن الجمع بينهما؟ 

مُستويات الجمع التي يمكن استقصاؤها هي

  • أوّلا، الانتماء والمصير. إلى أيّهما الإنتماء الحقّ؟ وبأيّ منهما يرتبط مصير الإنسان على الحقيقة؟
  • ثانيا، الغاية والمعنى. لماذا خلق الإنسان؟ وما الغاية والمعنى من وجوده؟ أ لعبادة الله أم لبناء الوطن وعمارته؟
  • ثالثا، الفضل والشّرف. أهو في خدمة الوطن أم العبوديّة لله؟ هل يترقّى الإنسان في مراتب الفضل بوطنيّته أم بعبوديّته وتقواه لربّه؟
  • رابعا، الحمد والإنعام. من صاحب النّعمة والفضل الحقيقيّين على الإنسان؟ الله أم الوطن؟
  • خامسا، الوحدة والاعتصام. ما الذي يوحّدنا؟ وبأيّهما نعتصم بحبل الله أم بالوطن المشترك؟

مقدّمات منهجيّة

الوطنية: الله أم الوطن؟ 1

الله

الكلام عن الله سهل واضح يعرفه كلّ مسلم.

الله خلق السّماوات والأرض ومن فيهنّ بالحقّ ولولاه ما وجد شيء قطّ. لولاه ما وُجد وطن ولا إنسان ليناقش هذا السؤال الذي نُحبّر فيه هذه السّطور.

والله كذلك يمسكها أن تزول ويُسيّرها بمشيئته لا يخرج شيء منها عن إرادته… فبيده مصائرها وإليه مرجعها.

والله لم يخلق شيئا عبثا ولم يخلقنا هكذا بلا رسالة ولا غاية في الحياة. بل بيّن لنا سبحانه وهو الحكيم لماذا خلقنا بأوضح عبارة و -برحمته- بعث إلينا بالرّسل أن نضلّ عمّا خلقنا لأجله ونتوه عمّا يرضى منّا.

ثمّ إنّه من تمام رحمته أن جعل الكمال والشّرف في اتباع هدي رسله وبيّن الحقيقة القائمة على وجه الدّهر أنّ هذا الإنسان إنّما هو كريم متميّز عن البهائم الباحثة عن الطّعام بوعيه بأنّ له هدفا يحيى لأجله وهو العبوديّة لله عزّ وجلّ. بل وجاءنا منه سبحانه كتاب فيه ذكرنا إن أخذناه بقوّة.

أ فيماري أحد بعد ذلك أو هل يجرؤ أحد أن يكذّب بآلاء الله: أوجد الإنسان من العدم، وذلّل له سبل العيش بتسخير ما في الكون له، وهداه إلى طريق السّعادة في الدّارين؟

ثمّ أيعقل أن يجادل أحد في أنّه إن كان من شيء مشترك موحّد لا يختلف فيه إنسان عن إنسان، فهو هذا الرّابط الحقّ الذي لا يخرج عنه أحد أبدا في أنّه عبد لله وأنّ مصيره منوط به؟

الإنسان

الوطنية: الله أم الوطن؟ 3

أمّا الإنسان فمخلوق خلقه الله بيديه وكرّمه بأن أسجد له ملائكته.

وأصل بلاده الأمّ الجنّة. ولكن أخرجه عدوّه اللّعين منها إلى أرض الغربة ليشقى فيها عابرَ سبيلٍ إلى حين وهو يسير بين المخاطر والفتن مستهديا بنور الوحي للرّجوع إلى حضنه الأوّل: دار السّعادة الأبديّة.

و إن أبى إلّا أن يضلّ في ظلمات الجاهليّة فسيشقى، ثمّ سيُردّ إلى الله ليلج النّار ويشقى فيها فوق الشّقاء الأوّل إلى الأبد.

فهذا الإنسان في الأرض لمُهمّة إذن ووجوده فيها له أسباب وهو وجود مؤقّت بعده خروج محتوم إلى مُستقرّ معلوم.

والشّرف كلّ الشّرف لحامل المُهمّة في أداءها كما كُلّف بها. والفضل كلّ الفضل في تعفّف عابر السّبيل عن فُتات ديار العبور والحرص على خير البلد الأمّ وجعله نُصب العين ومبلغ المنى. وأنّى للإنسان من كرامة من دون تكريم المُكرم الأوّل الحقّ؟ وأنّى له من عزّ في غير ما ملّكه الله إيّاه من المُلك الحقّ الباقي؟

فخير لهذا الإنسان أن يشكر، ولا يكابر أو يُنكر النّعم أو ينسبها لغير صاحب الفضل، لأنّه مُفتقر إليه ولا غنى له عن التّعلّق بحبائله والاعتصام بنوره ليعينه على إتمام مهمّته ويُعيده بسلام إلى حيث يحيا حقّا.

وإنّ النّاس كلّهم لأمام هذه المهمّة الثقيلة مُتساوون وإنّ لهم عدوّا واحدا يسعى بكلّ سبيل في غربتهم وشقائهم حاقدا حاسدا لهم أن كرّمهم الله عليه. أ فاجتماعهم حول نور الوحي أقرب لنجاتهم؟ أم إقامتهم لفوارق وقوميّات وجزر من الأفكار والمبادئ الزّائفة اخترعتها أهواؤهم التي تعبث بها رياح عدوّهم الشيطان كما تعبث بالسّفن الضالّة في ظلمات بحر لجّيّ؟

الوطن

الوطنية: الله أم الوطن؟ 5

وأمّا الوطن ففيه مذاهب شتّى. مما يصعّب وضع تحديد دقيق محلّ إجماع ما هو؟

أهو التّراب والصّخر والشّجر؟

فإذن لا فضل في القصد إليه بالولاء والأعمال على وثنيّة أصحاب الأوثان.

أم تراه جمهور النّاس المجتمعين على رُقعة ما؟

أفرأيت إن تناحروا واقتتلوا، فأيّ الفريقين هو الوطن؟ وأيّ خير في مقصود ينهار ويتشظّى ذاتيّا مع أوّل اختلاف والحال أنّ هذا الاختلاف هو دأب النّاس وديدنهم. ثمّ أرأيت إن ضلّوا وظلموا، فهل من خير في ولائهم؟ وهل من صلاح في ابتغاء مرضاتهم؟ وهل من شرف في العمل لهم؟

أم أنّ الوطن هو المؤسّسات والأطر الإداريّة التي تسيّر شؤون النّاس على رقعة جغرافيّة ما؟

فنظرة متأمّلة فاحصة في التّاريخ كفيلة بأن يثوب العاقل إلى رُشده من هذه الأضغاث ويقول: “لا أُحبّ الآفلين”! هل بقيت دولة أو دامت مؤسّسة على وجه الدّهر؟

ثمّ إن ما سيق من الاعتراض بالاختلاف أو بالضّلال على من جعل الوطن هو جماعة من الناس يصحّ كذا في الاعتراض على من جعله مؤسّسات وإدارات.

أم لعلّه التّراث وحصيلة التّاريخ والنّتاج الحضاري؟

فالأخذ بهذا النّوع من الوطن على ضربين

أحدهما، أن ينتقي المرء من التّاريخ والنّتاج الحضاري بهواه ما يراه أصدق تمثيل للوطن، ويدافع منه ما يُنكره -بهواه أيضا- على أنّه احتلال حضاري، أو مسخ ثقافي، أو تراث وافد هجين، أو حضارة بدائيّة. ولا يعدو الوطن بهذا سوى فكرة خياليّة تخلّقت أصالة في عقل الوطنيّ المزعوم فقام إلى سوق التّاريخ ينتقي لها ما يغذيها ويُنعشها كما تُنتقى الخضار من سوق البقالة. فمن المتوقّع، أن يكون المنتقى من جنس صنيعة الهوى وفي مستواه. ولقد شهدنا على وطنيّين عرب يرجعون أحقابا سحيقة إلى الفرعونيّة والقرطاجيّة والبربريّة والبابليّة يباهون بانتمائهم إليها واعتزازهم بها ولم يبق لهم ممّا يمتّهم بصلة إليها إلّا الشّرك وظلمات الجاهليّة أو بعض أطلال بين أظهرهم تشهد بعقاب الله لهذه الحضارة التي يفاخرون بها فلا يعتبرون ولا هم يذّكّرون. حتّى اللغة والعادات ذهبت! ولا تسل بعد عمّن يتبجّح مفاخرا بوطنه أنّ له ثلاثة آلاف أو ألفي سنة من الحضارة والتّاريخ، فإذا ذكرت له أنّ نصفها أو يزيد هي نتاج انبساط نور الإسلام على أرضه، اشمأزّ قلبه وأسقط أو كاد أزيد من ألف وأربع مائة من حسابه الذي كان المسكين للتّوّ يستكثر منه.

وأمّا الثاني، فهو على أنّ الوطن هو عادات أبناء الوطن وأعرافهم وقيمهم وتقاليدهم وعقائدهم الحاضرة التي هي نتاج تراث مخصوص وسيرورة تاريخيّة ميّزت الوطن عن غيره. وهذا التعريف يرتطم بسؤال تعارض بعض هذه القيم والتقاليد والعقائد مع الفطرة القويمة وصلاح الإنسان في معاشه ومعاده… والأمثلة أكثر من أن تُحصى: أظهرها ما كان قيام الحسّ الوطنيّ فيها على عقائد شركيّة وإلحاديّة (من طقوس وتقاليد عبادة الجرذان والأبقار، واعتقاد تناسخ الأرواح، واعتقاد رعاية الأجداد الأموات للأحفاد الأحياء، وتجسيم الإلاه، وغيرها الكثير…) ومنها قيام الوطنيّة على تقاليد ضارّة بصحّة الإنسان وعقله ونسله وماله (كتقاليد مصارعة الثيران، وتبذير الأموال الطائلة على صنوف وأشكال من المهرجانات التراثيّة التي اتُّخذت أعيادا وما أنزل الله بها من سلطان، وعادات صناعة النبيذ المعتّق والمفاخرة به، وكثير من العادات الوطنيّة الجنسيّة والزّوجيّة الضّارة والقذرة المنتشرة في افريقيا وغيرها…). ففيم التّعصّب والتّعظيم لوطن يجمع من زبالات التّراث ويقمُّ ما يُدمّر دنيا ابن هذا الوطن نفسه وآخرته؟! أليس هذا هو نفس منطق من قال مدافعا عن الضلال: “بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ” (الشعراء 74)

وقد تزعم طائفة أنّه فكرة معنويّة تتجمجم في صدور أبناء الوطن الواحد، فتوحّدهم ليسيروا بجدّ صفّا واحدا في سبيل الرُّقيّ والازدهار وتحقيق الخير لجُملتهم.

فمالنا إذن نراهم مختلفين، كلٌّ يتصوّر الوطن كما يهواه؟

فمنهم من يذود عن وطن علمانيّ لا دين له فيحاصر أصحاب الدّين ويُكفّرهم بفكرته الوطنيّة المُلحدة. فيزجّ بهم في السّجون ويسومهم سوء العذاب.

وآخر يرفع راية رومانسيّة لوطن مُسلم ولكنّه مع ذلك رحيب الصّدر يتّسع لأهله جميعا مسلمهم وكافرهم  ولا يُفرّق بينهم على تناقضاتهم ونبوّ كلّ طائفة منهم عن الأخرى، فتراه يسارع فيهم يريد إرضاءهم جميعا فلا يزيد كلُّ منهم إلّا سُخطا ولا يتحصّل بذلك من السّعي في توحيدهم حول غير حبل الله إلّا على مزيد فرقة وتمزّق.

وصدق تعالى إذ قال:”مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ”

والآن وقد توضّحت لديك عناصر السّؤال وطُرقت تعريفاتها، فالطّريق الآن ممهّد بعون الله لمناقشة أثر الوطنيّة كقيمة على مركزيّة الله في نفسيّة المسلم من خلال المستويات، المذكورة في مقدّمة المقالة، مستوًى مستوًى. 

131

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.