الليبرالية هي كلمة معربة من الكلمة الإنجليزية (Liberalism) والتي تعني التحررية. والليبرالية مذهب فكري يركز على حرية الفرد واستقلاليته واحترام مساحته وحريته؛ بما في ذلك حرية الفكر والعقيدة والتعبير والملكية الخاصة وغيرها. وقد ظهر مصطلح الليبرالية لأول مرة في إنجلترا في نهاية القرن الثامن عشر، وارتبطت نشأة كل هذه المذاهب التي تقوم على مبدأ الحرية وتدعو له؛ بما في ذلك العلمانية والليبرالية وغيرهما، بنتائج الثورة الفرنسية.

وقد نشأ مصطلح الليبرالية في البداية كمصطلح يعبر عن المذهب الاقتصادي الذي يقوم على مبدأ الملكية الخاصة وحرية العمل والتنقل والمنافسة وغيرهم، ولهذا يسعى هذا المذهب لإعطاء الفرد حرية كاملة مع وضع القيود على السلطة والحكومة وتقليص دورهما إلى أقصى حد، وإبعاد الحكومة عن السوق وتشجيع الحريات المدنية وتوسيعها. والليبرالية ترتبط بالعلمانية ارتباطًا شديدًا، وتقوم على نفس الأساس الذي تقوم عليه؛ وهو مبدأ تعظيم الإنسان والتأكيد على استقلاليته وإدراكه لاحتياجاته وما يمكن أن يضره أو يفيده.

وتقول الموسوعة الأمريكية الأكاديمية إن الليبرالية التي ظهرت ملامحها لأول مرة، فيما يسمى بعصر التنوير هي: “النظام الليبرالي الجديد بدأ يضع الإنسان بدلًا من الإله في وسط الأشياء، فالناس بعقولهم المفكرة يمكنهم أن يفهموا كل شيء، ويمكنهم أن يطوروا أنفسهم ومجتمعاتهم، عبر فعل نظامي وعقلاني”. ونجد أن جميل صليبا يعرف الليبرالية كمذهب من مذاهب الحرية على أنها: “مذهب سياسي فلسفي، يقرر أن وحدة الدين ليست ضرورية للتنظيم الاجتماعي الصالح، وأن القانون يجب أن يكفل حرية الرأي والاعتقاد”.

إن أهم سبب أدى لظهورها هو طغيان الكنيسة (باعتبارها رمز الدين المسيحي في المجتمع هناك) ورجالها، وتفشي الإقطاع، وانتشار الظلم، فإن نشأة الليبرالية أيضًا كان ردة فعل على نفس الأسباب، فظلم الكنيسة والإقطاع في هذا الوقت وحدوث الثورات الكبرى في الجزء الغربي من العالم؛ كالثورة الإنجليزية والفرنسية والأمريكية، هو ما أدى لتشكيل الليبرالية، إلا أنها ظهرت في كل بلد من البلدان بطريقة مختلفة، ولهذا نرى تعدد تياراتها واتجاهاتها.

تقول الموسوعة البريطانية: “نادرًا ما توجد حركة ليبرالية لم يصبها الغموض، بل إن بعضها تنهار بسببه”. وهذا يعني أن الليبرالية حركة غامضة إلى حد كبير، فعلى حد قول رسل حين قال إنها: “تسمية أقرب إلى الغموض، يستطيع المرء أن يدرك في ثناياها عددًا من السمات المتميزة “.

لكن ما الذي يمكن أن يجعل هذا المصطلح غامضًا إلى هذا الحد؟ ببساطة لأن الليبرالية تعتمد في جوهرها على مبدأ الحرية، وهذا مبدأ غامض، لأن كلام الناس فيه كثير، وبهذا لا يمكن تحديده أو ضبطه، فكل شخص ينظر لها من منظوره الحر المختلف، ويعتمد على حريته الشخصية البحتة من أجل توصيل فكرته. والغريب أنه من رحم الحرية ظهرت أفكار مضادة لليبرالية؛ كالفاشية والنازية والشيوعية، وكل مذهب من هذه المذاهب يرى أنه المبدأ الوحيد الذي ينادي بالحرية، وأنه الممثل الشرعي لعصر التنوير، وكل ما عداه من مذاهب ضد الحرية. وهنا بدأ النزاع بين الاتجاهات المختلفة لليبرالية التي تسببت بدورها في ظهور المفهوم السلبي والإيجابي لها.

كيف تطورت الليبرالية؟

الليبرالية

كما قلنا إن الليبرالية هي مذهب الحرية، ولم يمر على تاريخ الفكر مصطلح عام وهلامي وفضفاض مثل الحرية، لذا فمن الطبيعي أن يعطينا هذا المصطلح قائمة طويلة من الفلاسفة والتنظيمات السياسية والاقتصادية التي تختلف إلى حد ما عن بعضها البعض. ومن جانب آخر فإن كل دولة من دول وسط وغرب أوروبا قد مثلت شكلًا مختلفًا من أشكال الليبرالية عبرت به عن حقب معينة من تاريخها، لكن تعد فرنسا الدولة الأكثر دعمًا وحديثًا عن الليبرالية منذ نشأتها، تليها ألمانيا والولايات المتحدة، حيث تعد الأخيرة معقلًا من معاقل الليبرالية على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية، كما أن الثورة الأمريكية؛ مثلها مثل نظيرتها الفرنسية، كانت مجرد رد فعل على تطبيق المبادئ الليبرالية؛ لا سيما السياسية منها. على الرغم من كل هذا فإن الليبرالية في أساسها ذات أصل إنجليزي بحت، حيث كانت إنجلترا أول من استعمل وتداول مصطلح الليبرالية في بداية القرن الثامن عشر الميلادي.

ويمكننا القول إن بداية وبشاير الليبرالية قد لاحت في الأفق منذ أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، بعد أن بدأ العصر الإقطاعي في الانهيار وبدأ مكانه العصر البرجوازي. ويتضح هذا في بعض كتابات مفكري هذا العصر؛ على رأسهم ميكيافيللي الإيطالي وتوماس مور الإنجليزي، وفي العموم لم تتبلور الفلسفة الليبرالية إلا بعد تبلور النظام البرجوازي الرأسمالي، وذلك بعد مرور قرنين تقريبًا منذ ذلك الوقت، أي في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، وحينها ظهر مصطلح الليبرالية في إنجلترا كما أشرنا سلفًا.

وفي هذا الوقت كان المصطلح يعبر عن معنى سياسي بحت، مع ارتباطه بالثورة التي نبذت سطوة المؤسسات الدينية وسيطرتها على كل نواحي الحياة النظرية والعملية في أوروبا حينها، وهذه الثورة التي بدأت منذ بداية عصر النهضة والإصلاح الديني في القرنين الرابع والخامس عشر، اشتدت بشكل كبير منذ القرن السابع عشر؛ لا سيما بعد التقدم العلمي الذي شهده هذا العصر، وازدياد الإيمان بعقل الإنسان وقدراته وعدم حاجته لوصاية عليه، لذا لم يعد هناك خجل أو حرج من الحديث عن حريته والدعوة لها والمطالبة بها ليلًا نهارًا.

الأب الروحي لليبرالية

الليبرلية

في هذه الأجواء كان لابد من ظهور أب روحي للفلسفة الليبرالية؛ وكان الفيلسوف الرائد جون لوك هو ذلك الشخص، وهو فيلسوف إنجليزي عاش بين عامي 1632م إلى عام 1704م، والذي عرف بكونه فيلسوف المعرفة التجريبية، واشتهر بقوله: “الحياة، الحرية، المِلكية”، والتي يلخص بها مبادئ الليبرالية، وهذا ما جعلها شعارًا لها، وتأكيدًا على العلاقة التي تربط بين الحرية الشخصية والملكية الخاصة. وقد أكد لوك أن المِلكية واحدة من أهم الحقوق الطبيعية التي يجب أن تؤمنها الدولة، وأصلها هو ملكية الإنسان لشخصه، ومن ثم امتلاكه لنتاج عمله. كما وضح أن هذه الملكية لا تقتصر على هذا، بل تمتد لتشمل موارد الإنتاج، واختلاف الملكيات وتفاوتها من فرد لفرد في المجتمع، إنما يعود إلى قدرات الأفراد المختلفة على العمل، وتفاوت طاقاتهم وجهودهم المبذولة، واختلاف إمكانياتهم وذكائهم ومواهبهم.

وبالتالي فإن جون لوك قد شكل الليبرالية على أساس فكرة كانت سائدة في القرن الثامن عشر تعرف باسم “القوانين الطبيعية”، والتي تقر أن هناك قوانين طبيعية تحكم البشر وعلاقاتهم وأنشطتهم، والتي يتم تنظيمها بصورة تلقائية، مثل قانون المحافظة على الذات وقانون التعاون مع الآخرين.

وفي الواقع فإن نظريتي العقد الاجتماعي والقوانين الطبيعية هما أساس الفكر الليبرالي، فالعقد الاجتماعي كان أساس الليبرالية السياسية، بينما شكلت القوانين الطبيعية أساس الليبرالية الاقتصادية، وهما معًا يشكلان محور الفكر الاجتماعي لجون لوك. وكانت فكرة القوانين الطبيعية هي الوسيلة التي يعتمد عليها جون لوك للدفاع عن فكرة الملكية الخاصة، إذ إنه وضح أنه لا خوف من هذه الملكية مهما كبرت، لأنها محكومة بقوانين طبيعية وحدود معقولة وعقلانية، أبسطها القدرة المحدودة للبشر على العمل، وعليه فإن لوك أعلن جهرًا أن الدولة لابد أن تؤمن حدود التفاوت في الملكيات بين الناس حتى لا يأخذ شخص نصيب آخر، أو يمتلك ما لم يبذل جهدًا للحصول عليه، فكان يقول إنه إذا زادت ملكية شخص عن ناتج عمله فإن هذه الزيادة ليست من حقه بل إنها جزء من حق الآخرين.

الليبرالية ما بعد جون لوك

في القرن التالي لجون لوك –القرن الثامن عشر– حمل شعلة الليبرالية جماعة من الاقتصاديين الفرنسيين اشتهروا باسم (الفيزيوقراطيون الفرنسيون)، والتي تعني (أنصار الحكومة الطبيعية)، وهم جماعة يعتقدون بشدة بفكرة القوانين الطبيعية، وأنه كما أن هناك قوانين عامة تحكم الطبيعة، فهناك قوانين عامة تحكم المجتمع أيضًا. وأهم قانونين يحكمان المجتمع عندهم هما:

  • قانون المنفعة الخاصة؛ وهو القانون الذي يجعل كل فرد يسعى لتحقيق مصلحته الخاصة.
  • قانون المنافسة الحرة؛ الذي يعني أن كل فرد من حقه منافسة الآخرين ومحاولة التفوق عليهم. وهذا القانون بمثابة الضوابط التي يجب السير عليها لتحقيق القانون الأول؛ أي قانون المنفعة العامة، وبعبارة أخرى فإن المنفعة العامة هو قانون يكفل للفرد تحقيق الصالح الخاص، أما قانون المنافسة فهو الذي يكفل تحقيق الصالح العام، وبالتالي فإنهما معًا يكملان بعضهما البعض للتوفيق بين الصالح العام والخاص.

وبما أن الله هو من وضع القوانين الطبيعية، والله عادل وخيِّر بكل تأكيد، وهو يريد الخير لكل البشر على حد السواء؛ فإن هذه القوانين عادلة وفيها الخير للناس جميعًا، ومن المستحيل أن تصل يد الظلم إليها. وعليه يجب على الدولة أن تتبعها ولا تحاول عرقلتها بأي حال من الأحوال بوضع القوانين البشرية التعسفية، لأن القوانين الطبيعية -باعتبارها قوانين الله على حد قولهم- كفيلة بتحقيق الخير والعدل لكل البشر، ونكرانها يكون كفر بالله -سبحانه وتعالى-. وعليه نادى أصحاب هذا الرأي والفكر بضرورة رفع الدولة يدها عن الاقتصاد تمامًا، تاركة إياه للأفراد، ليتنافسوا فيما بينهم منافسة تكفل لكل واحد منهم تحقيق منفعته الخاصة. ومبدأها يقول: “دَعه يعمل، دَعه يمُر، إن العالم يسير من تِلقاء نفسه”، وهذا هو مبدأ أو شعار الليبرالية الاقتصادية الذي وضعه أحد الاقتصاديين الفرنسيين، يعرف باسم فنسنت دي جورناي.

إلا أن السرعة التي سار بها التقدم العلمي والتكنولوجي في المجتمع، وما رافقهما من تطور في الأوضاع السياسية والاجتماعية المعقدة، أدت إلى تغيير مقتضيات الحياة الاقتصادية وتغيير نظام العمل والإنتاج، وكلها أشياء أفصحت بوضوح عن سذاجة فكرة القوانين الطبيعية أو الاعتماد عليها، وبينت سذاجة فكر جون لوك والفيزيوقراطيين الفرنسيين الذين كانت أفكارهم جميعًا يشوبها الكثير من أوجه القصور، وعليه اكتشف هذا العصر أن نظرية جون لوك لم تعد مناسبة للأوضاع والأحوال الحالية.

الليبرالية عند الاقتصاديين الكلاسيكيين

الليبرالية

بحلول مطلع القرن التاسع عشر؛ ظهرت جماعة إنجليزية استمرت حتى القرن العشرين، اشتهرت باسم جماعة الاقتصاديين الكلاسيكيين، والذين يعتبرون الآباء الشرعيين لعلم الاقتصاد الحديث ككل. وكان أشهر أعضاء الجماعة في القرن التاسع عشر؛ ديفيد ريكاردو وجيرمي بنتام ومالتوس وساي، وكذلك ألفرد مارشال وتشارلز جيد وتشارلز رست في القرن العشرين؛ إلا أن مؤسس ورائد علم الاجتماع ومعلمهم جميعًا هو آدم سميث بكل تأكيد، الذي عاش بين 1723 و 1790م، وهو بمثابة الأب الروحي لا للاقتصاد الليبرالي الحديث فحسب، بل لعلم الاقتصاد ككل؛ حيث وضح في كتابه الشهير “ثروة الأمم” أصول الاقتصاد الليبرالي بما يتماشى مع التغيرات الجذرية الحادة في أوضاع الملكية والعمل والإنتاج، والتي ظهرت جليًا في القرنين التاسع عشر والعشرين.

ويتمثل فكر الاقتصاديين الكلاسيكيين وليبراليتهم أو دعوتهم للحرية الاقتصادية على وجود نوع من التوافق الطبيعي بين المصلحة العامة والخاصة، وهذا التوافق هو الكفيل بتحقيق عملية التوازن الطبيعية، وعليه فإنهم لا يؤمنون في ليبراليتهم بالعناية الإلهية الخيرة وما تحمله من قوانين طبيعية لصالح البشر جميعًا، مثل لوك والفيزيوقراطيين الفرنسيين. ويعطون مثالًا على فكرهم هذا بأن الصانع يبحث عن إمكانية الحصول على أعلى أجر مقابل صنعته كي يحقق مصلحته الخاصة، فيحاول أن يصنعها بأعلى جودة كي يزيد من قيمتها، وبالتالي يحقق المصلحة العامة المتمثلة في وجود سلعة جيدة الصنع، ولنعطِ مثالًا آخر على هذا الفكر؛ الصانع الذي يريد تحقيق أقصى سرعة في دورة رأس المال، مع عملاء يبيع لهم بضائعه لكي يحقق مصلحته الخاصة، فيقوم -كي يجتذبهم- بخفض الأسعار لأقصى حد ممكن، فتتحقق من وراء هذا مصلحة عامة وهكذا.

وعليه فقد نادت هذه الجماعة بضرورة إطلاق حرية الأفراد الاقتصادية، لتحقيق التوازن التلقائي الذي يمثل يدًا خفية تتحكم في السوق وتحكمه، وهذا وحده هو ما يضمن تحقيق الانضباط المرغوب تحقيقه، لذا فلا حاجة لأن تتدخل الدولة على الإطلاق لفرض سيطرتها على وسائل الإنتاج، لكننا نتسائل! ما الفرق بين التوازن التلقائي والقانون الطبيعي؟ هل ثمة اختلاف حقيقي بينهما فعلًا أم أن الأمر مجرد اختلاف في المصطلحات فحسب! على كل حال، استطاع الاقتصاديون الكلاسيكيون تأسيس علم قائم على قوانين التوازن التلقائي، وكان نتاج جهدهم هذا ظهور وميلاد علم الاقتصاد الحديث في مطلع القرن التاسع عشر، الذي تطور وتشعب بشكل كبير في السنوات اللاحقة، لا سيما بعد أن انضمت إليهم جماعة الاقتصاديين الاشتراكيين؛ على رأسهم كارل ماركس، ليصبح علم الاقتصاد الآن علمًا ضخمًا وكبيرًا ومتشعبًا، له الكثير من الأصول والفروع التي تجعله يستوعب الليبرالية والاشتراكية على حد السواء، وما يتوسط بينهما وما يناقضهما وما لا علاقة له بهما.

الليبرالية المعاصرة

في القرن العشرين تعرضت الليبرالية لتغيرات كثيرة، لا سيما في العقود الأخيرة منه، جعلت الليبراليين المعاصرين اليوم يفضلون التنظيم النشط من قبل الحكومة للاقتصاد، من أجل تحقيق المنفعة العامة؛ حيث تراجع الليبراليون عن إصرارهم بألا تتدخل الحكومة والدولة في الأنشطة الاقتصادية، وأقروا بضرورة وضع قوانين من قبل الحكومة من شأنها أن توجه الأنشطة الاقتصادية لتحقيق الصالح العام، وتحفظ حقوق كل الطبقات، لا سيما الطبقة العاملة التي لا تملك شيئًا، وتحفظ كذلك حقوق المستهلكين، وهذا يعني أن الليبرالية المعاصرة قد أصبحت تتخذ موقفًا وسطيًا بعيدًا عن الكلاسيكية وأقرب إلى الاشتراكية.

كما يؤيد الليبراليون المعاصرون برامج الحكومة التي تطلقها من أجل توفير ضمان اقتصادي للتخفيف من معاناة البشر؛ مثل التأمين ضد البطالة وقوانين الحد الأدنى للأجور ومعاشات كبار السن والتأمين الصحي، وعلى الرغم من أنهم يولون الأهمية والأولوية لحرية الفرد، إلا أنهم يؤمنون بأن على الحكومة أن تزيل العقبات التي توجد في الطريق وتعيق تلك الحرية من السير في مسارها الطبيعي، ولهذا يطلقون على أنصار الليبرالية القديمة اسم المحافظين.

الفكر الليبرالي وصدامه مع الإسلام

الإسلام والليبرالية

لنتفق أن كل المذاهب التي ظهرت بحلول العصر الحديث في الغرب (أوروبا)، قد نشأت في الأساس من الفكر العقلاني الذي آمن باستقلالية العقل البشري وقدرته على إدراك مصلحته في كل أمر دون الحاجة للأديان. فحقيقة الليبرالية عمومًا؛ دون التركيز على مجال معين كالسياسة والاقتصاد، تقوم على مبدأ (الحرية الفردية العقلانية)، الذي تعتمد على العقل وحده مع تحييد الدين وتقليص سلطاته بصورة تدريجية منذ ظهور الليبرالية حتى الآن؛ إلا أن هذا الفكر استحكم في عصر التنوير ووضع أقدام راسخة كمصدر وحيد للمعرفة في القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي مثل قمة الهرم الليبرالي. وقد أصبح الاعتماد على العقل وحده وإقصاء الدين والقيم والأخلاق أهم سمات الفكر الأوروبي المعاصر.

وللأسف؛ فإن الليبرالية -مثلها مثل العلمانية- قد تسللت إلى البلاد الإسلامية وتفشت فيها، وقد انتشرت الليبرالية في الدول الإسلامية عن طريق الجمعيات السرية التي قام بتأسيسها أفراد تأثروا بالفكر الغربي وانبهروا بتقدمه وحضارته المادية. وفي الماضي لم تكن الأمة الإسلامية الثابتة على دينها تحتاج لمثل هذه الأفكار والنظم الغربية، وكانت أمة معتزة بدينها واثقة من صحته وصلاحيته للحكم في كل زمان ومكان، لكن مع مرور الوقت ضعفت ثقافة الأمة الإسلامية بدينها، وأصبح المجتمع مهيأ لاستقبال الأفكار الغربية مثل الليبرالية دون مقاومتها. ومن أبرز العوامل التي أدت بصورة غير مباشرة لحدوث هذا؛ الانحراف العقدي، الاستبداد السياسي، الجمود والتقليد الأعمى، أما السبب المباشر في دخول الليبرالية للعالم الإسلامي فيتمثل بكل تأكيد في الاستعمار، الذي أدى لظهور دعاة التغريب المنبهرين بحضارة الغرب، إلا أن دخولها لم يكن ليتم لولا وجود العوامل التي أدت لعدم مواجهتها أو مواجهة أفكارها، وهي تغيير المصطلحات التي سعى الاحتلال للترويج لها لما رأى من المسلمين عدم تقبل لأي فكر غير مرتبط بالإسلام، فسعى لبث أفكار مثل تطوير الإسلام وتحديثه، ومن هذه الأفكار انبثقت فكرة (مشروع الإسلام الليبرالي).

الأفكار والعقائد الليبرالية التي اصطدمت مع العقيدة الإسلامية

الليبرالية

تقوم الأفكار والعقائد الليبرالية على ما يلي:

  • تقديس العقل وإهمال كل النصوص الدينية.
  • تقديم المصلحة على النصوص الدينية، باعتبار أن العقل كامل الصلاحية والأهلية ليدرك المصلحة والأضرار بعيدًا عن الدين.
  • الدعوى إلى تعدد تفاسير النص الواحد، فدعت الفلسفة المعاصرة لتصحيح كل الأديان والمذاهب، ومن بينها النصوص الدينية من القرآن والسنة، فسعى كل شخص لتفسيرها كما يحلو له مستحلًا حرمتها.
  • التشويه المتعمد لمصادر التراث الإسلامي عند المسلمين عقيدةً وشريعة.
  • الدعوة لإحياء التراث الفلسفي والعقلي بدلًا من التراث النقلي.
  • الترويج لفكرة تخلف الإسلام والمسلمين، وبث أفكار مثل استحالة تقدم المسلمين أبدًا، الأمر الذي جعل العالم الإسلامي يشعر بالانهزام النفسي أمام الغرب.
  • الدعوة للانحلال الأخلاقي من خلال طمس معالم الأخلاق الإسلامية.
  • الدعوة لإقصاء الشريعة عن الحياة تمامًا، وحصرها في نطاق المسجد والعبادات الفردية فقط، وهذا ما يسمى بالعلمانية أو اللادينية، وهذا يعني أن الدعوة الليبرالية في حقيقتها ما هي إلا (علمانية)، حتى وإن كان هناك اختلاف بينهما، فهو اختلاف واهٍ رقيق للغاية، يجعلهما وجهين لعملة واحدة أو اسمين لمعنى واحد.

وهذا يعني أن الفرد في الفلسفة الليبرالية له مطلق الحرية في اعتناق أي فكر أو ممارسة أي شعائر أو طقوس من أي نوع! طالما أنه لا يهدد بها السلام الاجتماعي. وهناك مفهوم شاع أن الليبرالية تدعو للشذوذ الجنسي والإلحاد، وهذا غير صحيح، فالليبرالية لا تتخذ أي موقف تجاه الأشياء، بمعنى أنها لا تكون معها ولا ضدها، فهي مع حرية الفرد طالما لم تسبب حريته هذه الإخلال بعملية السلام في المجتمع. وبالتالي فطالما أن الإلحاد والحرية الجنسية (الشذوذ) لا يؤثر على السلام الاجتماعي في المجتمعات الغربية، فلا توجد مشكلة بينه وبينه الليبرالية، بل على العكس إن الليبرالية تحمي ممارساته في هذه الحالة. لكن في المجتمعات الشرقية والإسلامية فإن هذه الممارسات تمثل تهديدًا للسلام الاجتماعي، لذا فإن الليبرالية في هذا الوقت تتدخل لضمان حرية الأفراد دون الجهر الفج بالممارسات التي يمكنها تهديد سلام المجتمع، لكنها مع ذلك لا تجرم هذه الممارسات لمجرد تعارضها مع قيم المجتمع!

ومعنى هذا أن الليبرالية تدعو إلى الحرية المطلقة للأفراد، دون قيود أو شروط، طالما لا يهددون مصالح الآخرين. لكن في هذا المبدأ نفسه قصور شديد يتضح جليًا في المجتمع الغربي، فالفرد هناك له مطلق الحرية في ممارسة ما يريد، سواء شرب الخمر أو الشذوذ الجنسي، وبعيدًا عن النظرة الإسلامية لهذه الأفعال الشاذة غير الأخلاقية، لننظر لها من منظور براجماتي نفعي بحت؛ هل مدمن الخمر الذي وصل به الأمر للإصابة بتلف في الكبد، مما جعله يتوقف عن تأدية عمله في المجتمع، أو الشاذ جنسيًا الذي أصيب بمرض الإيدز ولم يتمكن بسبب هذا من ممارسة عمله؛ بل أصبح عبئًا يحتاج إلى الرعاية الصحية والإعالة المعيشية، والذي يتكفل به دافعي الضرائب، هل حريتهم وصلاحهم هذا -من وجهة نظر الليبرالية- الذي أثر في النهاية على الصالح العام؛ شيء منطقي؟ أم أنها أفعال قد سببت في النهاية فقدان المجتمع لعضو نافع فيه، بل وأصبح عالة على باقي أفراد المجتمع أيضًا، لماذا؟ لمجرد أن هذا الشخص استسلم لغرائزه وشهواته وانحرافاته دون رادع أو ضابط، وهذا قمة التناقض الليبرالي.

كيف ينظر الإسلام إلى الليبرالية كمذهب فكري؟

الليبرالية

انطلاقًا من الأفكار السابقة يتضح لنا أن الليبرالية تعادي الإسلام وتدعو لمخالفته، وقد سُئل الشيخ صالح الفوزان حول رأيه في الدعوة الليبرالية في البلاد الإسلامية، والتي تدعو للحرية التي لا ضابط لها سوى القانون الوضعي، مما يساوي بين المسلم والكافر، ويجعل لكل فرد حريته الشخصية التي لا تخضع لحدود أو قيود الشريعة الإسلامية، وتجادل في بعض الأحكام الشرعية وتناقضها؛ مثل الأحكام المتعلقة بالمرأة والعلاقة مع الكفار والمشركين وأحكام الجهاد وغيرهم، وهل يجوز للمسلم أن يطلق على نفسه (مسلمًا ليبراليًا؟) أم لا؟

أجاب الشيخ صالح الفوزان قائلًا: “المسلم هو المسلم لله بالتوحيد، المنقاد له بالطاعة، المتبرئ من الشرك وأهله، فالذي يريد الحرية التي لا ضابط لها إلا القانون الوضعي: هذا متمرد على شرع الله، يريد حكم الجاهلية وحكم الطاغوت، فلا يكون مسلمًا، والذي ينكر ما علم من الدين بالضرورة، من الفرق بين المسلم والكافر، ويريد الحرية التي لا تخضع لقيود الشريعة، وينكر الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومشروعية الجهاد في سبيل الله: هذا قد ارتكب عدة نواقض من نواقض الإسلام، نسأل الله العافية .والذي يقول: (إنه مسلم ليبرالي): متناقض إذا أريد بالليبرالية ما ذُكر، فعليه أن يتوب إلى الله من هذه الأفكار ليكون مسلمًا حقًا”.

ثم إن النصوص الإسلامية من قرآن كريم وأحاديث شريف فيها الإجابة على السؤال: لماذا يعادي البعض الليبرالية؟ حيث يقول الله -سبحانه وتعالى-: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله) سورة آل عمران: 110، ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”. وقد ورد في صحيح مسلم: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة وفريضة إسلامية، لكنها تمثل في الفكر الليبرالي تعديًا على حرية الفرد المزعومة لديهم.

وبما أن الليبرالية تقدس حرية الفرد حتى في الإيمان بالله، وكذلك تكفل له الحرية في فعل المنكرات والأفعال الشاذة، فإنها تصطدم بشدة مع آيات القرآن والأحاديث النبوية الشريفة، فيقول الله -سبحانه وتعالى-: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) سورة الجاثية: 23، وروى الطبراني عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “ما تحتَ ظلِ السماءِ من إلهٍ يعبدُ من دونِ اللهِ أعظمُ عندَ اللهِ من هوىً متبع”، وهذه ببساطة الإشكالية بين الإسلام والليبرالية.

115

الكاتب

سارة سعد

كاتبة محتوى حصري منذ 2016م. حاصلة على ليسانس الآداب، دبلومة التربية ودورة في اللغة العربية. أقوم بتحضير الماجستير في الفلسفة أحب القراءة، السفر، وألعاب التفكير.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.