في أقصى القارة السمراء تقع جنوب إفريقيا التي اقترن اسمها باسم الداعية الشهير أحمد ديدات؛ فارس مناظرات الأديان. 

دخلها المسلمون أسرى فنشروا الإسلام فيها ليصبح معلمًا بارزًا تتزيّن به كيب تاون (رأس الرجاء الصالح)، والمدن الأخرى بعد النزاع العنصري بين الأقلية أصحاب البشرة البيضاء والأكثرية أصحاب البشرة السوداء والذي شغل أغلب تاريخ البلاد وسياساتها، لنقف في هذه السطور مع رحلة الإسلام في هذا الجزء من إفريقيا والذي يرجع تاريخ وصول الإسلام والمسلمين فيه إلى أكثر من ثلاثمائة سنة.

تأسيس دولة جنوب إفريقيا

جنوب إفريقيا

خضعت منطقة أقصى القارة الإفريقية للاحتلال الهولندي في القرن الحادي عشر الهجري، (السابع عشر الميلادي)، وأسسوا لهم جمهورية مستقلة في منطقة الكاب، ثم غلب عليهم الاحتلال البريطاني في القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) وتحديدًا في عام 1221هـ (1806م) فاستولوا على الكاب، وانتقل الهولنديون أو كما يسمون أنفسهم «أفريكانيّون» (البوير أو أفريكنز) في عام 1252هـ (1836م) من الكاب إلى الترانسفال وولاية الأورانج الحرة. ثم وقعت حرب البوير الأولى ما بين 1297 و1298هـ (1880 و1881م) وهزم البوير بريطانيا.

ثم الثانية وتعرف أيضًا باسم حرب جنوب إفريقيا أو حرب الأنجلو بوير، أو حرب الاستقلال الثانية؛ هي حرب امتدت من 1317هـ إلى 1320هـ (1899م إلى 1902م) وانهزم فيها البوير وضمت بريطانيا إليها جمهوريتي الترانسفال وأورانج الحرة. وكان البريطانيون في ذات الوقت يحتلون شبه القارة الهندية ثم قرروا في عام 1325هـ (1907م) منح جمهورية البوير حكمًا ذاتيًا مع قصر حق الانتخاب على البيض فقط.

حتى تكون ما يعرف باسم اتحاد جنوب إفريقيا المكون من كل من (ترانسفال- الكاب- الناتال- أورانج) وهي الدويلات المستقلة في المنطقة باستثناء مملكتَي سوازِيلَاند ولِيسُوتو، وفي عام 1337هـ (1919م) وضع ما يعرف الآن باسم ناميبيا تحت انتداب جنوب إفريقيا. وفي الحرب العالمية الثانية حاربت جنوب إفريقيا إلى جانب الحلفاء.

الحكم العنصري (الأبارتيد)

في عام 1367هـ (1948م) انتخب البيض الحزب الوطني البويري للحكم وبدأ في تطبيق سياسة التمييز العنصري أو ما يُعرف بـ “الأبارتيد” بشكل رسمي.

وقضى الحكم الجديد بحصر عمل السود في أعمال محددة ومنعوا من حق الانتخاب وحق الملكية، إضافة إلى انعدام المساواة بينهم وبين البيض في تقاضي الأجور وتعمد عزلهم في المساكن وأماكن العمل والمدارس حيث تمت التفرقة بين البيض والسود في كل الميادين بما فيها التعليم والصحة.

وهكذا حكم 4 ملايين من البيض أكثر من 29 مليون من السود بعنصرية فجّة. ثم في عام 1415هـ (1994م) بعد انتقادات دولية حادة لجنوب إفريقيا ومعارضة قوية داخلها، قاد حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحكم على إثر إنشاء حكم الأغلبية.

ويحد جنوب إفريقيا ناميبيا، بوتسوانا، زيمبابوي، موزمبيق واسواتيني. كما أن دولة ليسوتو محاطة بالكامل بأراضي جنوب إفريقيا.

ويعيش في جنوب إفريقيا السكان الأصليّون من الأفارقة والآسيويّين، وأغلبهم من الجالية الهندية، ثمّ الأوروبيّون من أبناء الاحتلال، حيث تعتبر البلاد مركزًا لأكبر تجمع للأوروبيين في القارة الإفريقية، مع غالبية من الهولنديين ثم الإنجليز، ونتيجةً لهذا الاختلاط في الأجناس والعرقيات خرج جيل جديد في جنوب إفريقيا يعرف بالملونين. ويغلب على البلاد النصرانية.

تاريخ وصول المسلمين

عرفت بلاد جنوب إفريقيا العرب من خلال الاحتكاك مع سكان شرق إفريقيا بقرونٍ طويلة قبل أن تستنير منطقة القرن الإفريقي وساحل الصومال إلى غاية ساحل موزمبيق بالإسلام، والملاحظ أن حركة الدعوة الإسلامية رغم ازدهارها في منطقة شرق إفريقيا إلا أنها انقطعت عند الموزمبيق ولم تتوغل لغاية جنوب إفريقيا.

وسجل التاريخ أول وصول للمسلمين مع احتلال الهولنديين بالمنطقة في القرن الحادي عشر الهجري (القرن السابع عشر الميلادي)؛ حيث استجلب الهولنديون المسلمين الأسرى الذين قادوا حركات التمرد والمقاومة والمعارضة ضد الاحتلال في إندونيسيا فحكمت عليهم المحكمة العليا في باتافيا (جزيرة جاوا الإندونيسية حاليًا) بالنفي والجلاء.

وأشار الصحفي والمؤرخ شفيق مورتن إلى أن أول مسلم عُرف في تاريخ جنوب إفريقيا كان إبراهيم باتافيا والذي وصل أسيرًا وسجينًا معارضًا للاحتلال، ثم تتابع دخول المسلمين، وكان أغلبهم أسرى ومعتقلين سياسيين وكانوا ممنوعين من إظهار دينهم أو دعوة الآخرين إليه [1].

ويذكر المؤرخون قصة نفي الشيخ الإندونيسي عابدين يوسف مع عائلته وأصحابه في سنة 1105هـ (1694م) إلى جنوب إفريقيا، وكان هذا الشيخ من جاوا ومن أسرة عريقة، حيث أجبره الاحتلال على الاستقرار في زَندَفِلِيت تحت مراقبتهم، وأبعدوا بذلك خطر تهديده لمشاريعهم الجشعة في بلاده. وبدأ من هناك تشكيل أول نواة للمجتمع الإسلامي في المنطقة.

كما قادت شركة الهند الشرقية الهولندية عملية استجلاب العمال المسلمين إلى المنطقة لتشغيل أعمالها. بالإضافة إلى آسيويين كانوا عبيدًا.

كما وصل المسلمون إلى جنوب إفريقيا من غرب شمال إفريقيا، ومدغشقر، وسيريلانكا، إضافة إلى الهند، حيث تشير بعض التقارير إلى أن نسبة المسلمين الأفارقة خلال النصف الثاني من مرحلة الاحتلال البريطاني وصلت لأكثر من 50%.

واستغل المحتل البريطاني العمالة والعبيد الأفارقة من خارج جنوب إفريقيا واستجلبهم لاستغلالهم في زراعة قصب السكر في ناتال، وكان في أولئك العمّال مسلمون، وشهدت هذه المرحلة من الاحتلال توالي الهجرات من الهند إلى منطقة ناتال لكن أصحابها لم يُسمح لهم بالرجوع فاستوطنوا جنوب إفريقيا.

كما تشير دراسات تاريخية لتأثير التجار المسلمين أو الرحالة المسلمين من آسيا، حيث وصل الإسلام في عصر الممالك الإفريقية كمملكة مالي التي كانت تحكم في منتصف القارة الإفريقية، ودولة المرابطين بسبب خطوط التجارة.

وحمل الوافدون الجدد لجنوب إفريقيا خبراتهم وحرفهم ومهاراتهم بمن فيهم أهل العلم من المسلمين إلى مقر سكنهم الجديد. فتناقلت الأجيال ذلك. ومع كل هجرات جديدة كان عدد المسلمين يتزايد فضلًا عن الحركة الدعوية تزدهر في البلاد.

واشتهر حي “بوكاب” في كيب تاون على أنه حي المسلمين منذ القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، وهو الحي الذي يتميز بجمال ألوان منازله الباهية. ويقع على سفح جبل “الطاولة”. ولا تزال مقابر المسلمين الأوائل تطل على مدينة كيب تاون الساحلية لتشهد على تاريخ وصولهم.

وساهم المسلمون الأوائل في نشر الإسلام في جنوب إفريقيا، كما كان لهم الدور البارز في مرحلة مناهضة الاحتلال وأنظمة الفصل العنصرية التي مرت على البلاد. حيث اشتهر آنذاك قادة من المسلمين في حركة التغيير؛ منهم الإمام عبد الله هارون الذي وُلد عام 1343هـ (1924م)؛ وهو أحد رموز النضال الإسلامي ضدّ نظام التفرقة العنصرية.

عدد المسلمين في جنوب إفريقيا

جنوب إفريقيا

يبلغ عدد السكان بحسب آخر إحصاء في عام 1440هـ (2019م) 58.56 مليون نسمة. وتصل نسبةُ المسلمين إلى نحو 3% من مجموع السكان.

ومع أن وصول المسلمين كان بداية في الساحل إلا أنهم وبحثًا عن أسباب الرزق انتشروا في داخل البلاد فانتشرت معهم الدعوة للإسلام. واليوم يعيش المسلمون في كل مدن جنوب إفريقيا، وقد أنشأوا لهم المساجد والمراكز الإسلامية، وتعتبر مدينة كيب تاون مركزًا لأكبر تجمع للمسلمين في البلاد، تليها شرقًا مدينة دربان في كوازواز ناتال.

ومما يسجله حاضر المسلمين في جنوب إفريقيا النشاط الكبير للمسلمين في التجارة المتوارثة جيلًا بعد جيل، مما جعلهم يديرون شركات كبيرة ومهمة في البلاد سمحت لهم بتمويل نشاطاتهم الدينية والدعوية فحققوا الاكتفاء الذاتي لمشاريعهم الإسلامية.

وجذبت القوة الاقتصادية للمسلمين في جنوب إفريقيا البنوك التي عرضت خدماتها المالية الإسلامية.

ولم يغفل المسلمون في جنوب إفريقيا عن قضايا الأمة الإسلامية، في مقدمتها قضية فلسطين حيث يذكر من ذلك دَوْرهم المؤثّر في «قمّة الأرض»، وتصديهم لمشاركة دولة الاحتلال الإسرائيلي فيها، وتنظيمهم لمظاهرات مناهضة للصهيوصليبية ومؤيدة لفلسطين المحتلة في أثناء القمّة، مما دفع الولايات المتحدة للخروج تضامنًا مع ربيبتها الصهيونية. ومن المألوف خروج المسلمين في مظاهرات مساندة لقضايا الأمة في جنوب إفريقيا.

كما رفضت الجالية المسلمة ممثلة بمنظماتها ومؤسساتها الإسلامية في جنوب إفريقيا قانون ما يسمى مكافحة الإرهاب، مؤكدة على أن هذه التشريعات ليست فقط «غير ضرورية»؛ بل إنها تهدّد الحريات الأساسية التي ناضل من أجلها مناهضو نظام الفصل العنصري طويلًا، وأنها خضوعٌ كاملٌ للضغوط الأمريكية.

حقبة التمييز العنصري

عرفت جنوب إفريقيا تحت نظام حكومة التمييز العنصري حقبة من الظلام انعكست على توزيع التركيبة السكانية، حيث فرضت الحكومة آنذاك توزيع السكان حسب المجموعات العِرْقية، مما تسبب في تشتت الأسر المسلمة وكساد تجارتها؛ وانقسم المسلمون على ألوانهم، فتمزّقت مجتمعاتهم وتلاشت وحدتهم، فالأفارقة في تجمع لوحدهم، والهنود كذلك والمسلمون الملونون أيضًا، واستمرت العنصرية سيدة المشهد في جنوب إفريقيا إلى أن سقطت حكومة التمييز العنصري بفضل كفاح السكان ومن بينهم المسلمون الذين تفانوا في العمل على إسقاطها، وخلفتها حكومة الاتحاد الوطني، في العهد الجديد في عام 1415هـ (1994م)، ومع ذلك بقيت آثار التمييز العنصري إلى اليوم حيث برزت ظاهرة «الإسلاموفوبيا» والعداء الشديد للإسلام يغذيه الغربيون مما يؤجج مشاعر العداوة للمسلمين.

زعماء ضد النظام العنصري

من أبرز العلماء الذين وقفوا في وجه الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؛ الإمام عبد الله هارون، حيث أنشأ «رابطة الشباب المسلم» لدعوة الأفراد والشخصيات العامّة المناهضة لنظام الفصل العنصري. ونشر أفكاره الإصلاحية في جريدة «أخبار المسلمين» الشهرية، ونشط في منابر خطب الجمعة والمحاضرات العامّة خلال الخمسينيّات والستينيّات. واشتهر بانتقاداته الحادة للنظام العنصري.

أيضًا اشتهر في حقبة مناهضة النظام العنصري الدكتور فريد إسحاق و«حركة الإسلام التقدّمي»، من بين العديد من الناشطين المسلمين منهم أحمد كثرادا، وعزيز بهاد، وأحمد تمول، ويوسف دادو الذين سجنوا مع مانديلا في جزيرة روبان، وسمّيت بعض الشوارع العامّة بأسمائهم؛ لدورهم في إسقاط نظام التمييز العنصري.

وتشير الإحصاءات بإعجاب إلى أن نسبة المسلمين في الثمانينيات وصلت إلى أكثر من 10% من السجناء السياسيين بينما كانت نسبتهم تقل عن 2% من إجمالي عدد السكان [2]. في إشارة إلى شجاعتهم وتمسكهم بالحرية والعدالة.

حكومة العهد الجديد

بعد سقوط نظام التمييز العنصري خلفته حكومة العهد الجديد، فبدأت المحاولات الغربية تؤزّها للتضييق على الإسلام والمسلمين تزامنًا مع الحرب العالمية الحالية على الإسلام.

المذاهب والفرق

جنوب إفريقيا

وتشهد الجالية المسلمة في جنوب إفريقيا العديد من المذاهب والفرق مثل الصوفية التي وصلت مع الموجات الأولى من المسلمين من أتباع «الطريقة القادرية» وأتباع «الديوبندية الصوفية»، وقرينتها «البريلوية» الضالة؛ حيث يعبدون القبور ويستغيثون بأصحابها ويتضرّعون إليهم بالدعاء كركن من أركان إيمانهم. ويمتلكون فضائية تبثّ ضلالهم، وكذلك المراكز الدعوية والمساجد وغيره من مؤسسات ونشاطات. وأسس أتباع الديوبندية والبريلوية «مجلس اتحاد علماء جنوب إفريقيا».

كما ينشط في جنوب إفريقيا «الجماعة الغولانية» من صوفية تركيا، نسبةً إلى رئيسهم «فتح الله غولان» المقيم في أمريكا، ولديهم المعاهد المهنية والمدارس النظامية الخاصّة؛ كما شيّدوا أكبر جامع في جنوب القارة الإفريقية في جوهانسبرغ، وسمّوه مَسجِد النظامية.

و”الطريقة التيجانية” وهي صوفية استقطبت الأفارقة الذين لا يريدون اتباع الديوبندية والبريلوية ذواتي الأصل الهندي. هذا إضافة إلى نشاط بارز للشيعة مع حركة الهجرة من لبنان، حيث تزايد عدد حسينياتهم ومراكزهم التي يسعون من خلالها لنشر مذهبهم تحت واجهة الدّعم الثقافي بين جنوب إفريقيا وإيران.

كما انتقلت للبلاد منذ بدأت هجرة المسلمين في القرن الحالي النقشبندية، والإخوان المسلمون، والسلفية، والتيارات وباقي الدعوات والتيارات التي يعرفها العالم الإسلامي.

المؤسسات الإسلامية

جنوب إفريقيا

تأسس مجلس القضاء الإسلامي في عام 1364هـ (1945م) في كيب تاون، ولعب دورًا فعالًا في إسقاط نظام الفصل العنصري، فانعكست جهوده بتحقيق ثقل نسبيّ للمكوّن الإسلامي في الحكومة -ولا سيما الهنود- في أول تشكيلٍ حكوميٍّ في جنوب إفريقيا عام 1415هـ (1994م). مما سمح بإقرار بعض تشريعات الأحوال الشخصية الخاصّة بالمسلمين والمستمدة من الشريعة الإسلامية.

وتوجد في جنوب إفريقيا العديد من المؤسسات والهيئات الدينية لكنها غير مرتبطة بعضها ببعض حيث تنشط كل جالية بحسب مذهبها في الدعوة أو التعليم أو العمل الخيري [3].

ومما يجدر ذكره أن الحركة التعليمية مزدهرة في جنوب إفريقيا من حيث كثرة المراكز التعليمية والمعاهد الدينية والمعاهد المليئة بالطلاب الوافدين من أنحاء العالم، لكنها تنشط ضمن البرنامج الثقافي لا التعليمي المعترف به حكوميًا.

ويسند نشاط المسلمين في البلاد قنوات فضائية وإذاعية، تبثّ على مدار الساعة ومنها ما يصل بثها إلى دول العالم. كما لديهم العديد من الصحف الخاصة بهم؛ مثل جريدة «الأمة» التي تصدر في ديربن، وجريدتي الجمعية والقلم اللتان تصدران في كيب تاون وجوهانسبرغ.

الحركة الدعوية في جنوب إفريقيا

لم تلاق الدعوة الإسلامية انتشارًا في البلاد عند قدوم المسلمين الأوائل تحت ظروف الأسر والاضطهاد، وكان يعرف الإسلام بين السكان الأصليين على أنه دين الهنود والملايو وذلك لفترة طويلة، وتعطلت الحركة الدعوية بشكل كبير خلال فترة الفصل العنصري، لكن مع إقبال الجاليات المسلمة المهاجرة، انتعشت الدعوة للإسلام وترسخ بشكل أكبر.

وكما كان الحال في أستراليا وغير مكان، حمل السكان الأصليون الكثير من التقاليد المشابهة لتعاليم الإسلام مما يشير إلى أسبقية الإسلام لهذه الأرض، فمما تم رصده من قبل الباحثين أن السكان الأصليين لجنوب إفريقيا يحرصون على التيامن عند الأكل والشرب والأخذ والعطاء والمصافحة، إضافة إلى تحريم الزنا وتجريم الزناة، والنهي عن المشي في نَعْلٍ واحدة: كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: “لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا” رواه البخاري.

وتلاشت أغلب الجمعيات الدعوية ولم تبق إلا مؤسّساتٌ معدودة تستهدف السكان الأصليين؛ مثل المركز العالمي لتبليغ الإسلام لمؤسّسه الشيخ الداعية أحمد ديدات رحمه الله، والذي يركز غالبًا على الطائفة النصرانية، لكن نشاطها بقي ضعيفًا بعد وفاة مؤسسها.

الراحل أحمد ديدات الداعية الشهير

لا يزال اسم الداعية الشهير أحمد حسين ديدات يزيّن الجهود الإسلامية في الدعوة في جنوب إفريقيا؛ حيث ترك بصمة استمرت ملهمة للأجيال ولا تزال محاضراته وطريقته اللامعة في الدعوة للإسلام يضرب بها الأمثال.

ولد علمنا عام 1336هـ (1918م) في بلدة تادكيشنار بولاية سوارات الهندية ثم هاجر أبوه إلى جنوب إفريقيا بعد مولد أحمد ديدات مباشرة وتركه في الهند.

في عام 1346هـ (1927م) لحق أحمد بوالده لعدم توفر فرص للدراسة في الهند، وما لبثت أن توفيت والدته بعد فراقه بأشهر معدودة.

حمل أحمد ديدات معه إلى جنوب إفريقيا ذكاءً وتميّزًا حباه الله به، فاجتهد في الدراسة وتعلم الإنجليزية وتفوق على أقرانه، لكن بسبب الظروف المادية الصعبة اضطر إلى قطع الدراسة في الصف السادس.

لم تفتر همة أحمد ديدات الطفل، بل اشتعلت من جديد بسبب المضايقات التي كانت تزعجه من قبل النصارى الذين يهاجمون الإسلام، فعزم على ردها قائلًا: “أريد أن أرد على كلّ ادّعاءات هؤلاء المُبشّرين ضد الإسلام، أريد أن أعطي ردًا مناسبًا لهؤلاء”. وبالفعل حدد أحمد ديدات طريقه وهدفه بعزم من حديد وهمة لا تُبارى وبدأ في الاجتهاد الشخصي في مجال طلب العلم والدعوة، والذي أثمر في بداية الخمسينيات بإصدار كتابه الأول “ماذا يقول الكتاب المقدس عن محمد صلى الله عليه وسلم؟”، ثم كتابه: “هل الكتاب المقدس كلام الله؟” في عام 1379هـ (1959م).

ثم انغمس أحمد ديدات في المناظرات والندوات والمحاضرات وترك خلفه كل الحياة الدنيا ومشاغلها. وفي إطار مهمته الدعوية زار العديد من دول العالم وأقام العديد من المناظرات التي لمع فيها نجمه حيث ناظر كبار رجال النصرانية أمثال: فلوريد كلارك، جيمي سواجارت، أنيس شروش؛ الذين ذاع صيتهم آنذاك. وسجل أحمد ديدات انتصارات مهيبة عليهم لا يزال يتناقلها الناس بفخر إلى اليوم وتسببت في إسلام الآلاف.

وأسس أحمد ديدات المركز الدوليِّ لنشر الإسلام في جنوب إفريقيا “معهد السلام لتخريج الدعاة”، بمدينة ديربن بجنوب إفريقيا وأصبح رئيسًا له.

وأصدر أكثر من عشرين كتابًا ووزع الملايين من النسخ المجانية وبارك الله في جهوده في المناظرات فأسلم تحت يده آلاف البشر. مما جذب الأنظار إليه فمنح الشيخ جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 1406هـ (1986م) وأعطي درجة “أستاذ”.

تميز أحمد ديدات بمعرفة عميقة بنصوص الأناجيل المختلفة، وبقوة الحجة وفصل الخطاب مما جعل المسلمين يطلقون عليه اسم “قاهر المنصِّرين”، و”الرجل ذو المهمَّة”.

واليوم ورث ميراثه تلميذه النجيب؛ الداعية ذاكر نايك، والذي قال عن شيخه: “ما قمتُ به في أربعين سنة، قام به ذاكر في أربع سنوات!”. وقال عنه أيضًا: “أحب أن أعطي مثالًا لرجل كان لديه إمكانيات قليلة ولكنّه وصل للقمة في مجاله، وهو الشخص الذي غيّر حياتي، وحوّلني من طبيب للأجساد إلى طبيب للأرواح، اسم هذا الرجل هو الشيخ أحمد ديدات”.

توفى أحمد ديدات في عام 1426هـ (2005م) بعد مرض عضال أقعده شليلًا منذ عام 1416هـ (1995م). فرحل الداعية البطل وبقي الأثر. تراثًا علميًا لا نظير له يشهد على تفانيه.

مشاكل المسلمين والتحديات في طريقهم في جنوب إفريقيا

جنوب إفريقيا

من أبرز مشاكل المسلمين والتحديات التي تواجههم في جنوب إفريقيا كما هو حال أغلب المسلمين في العالم: الغزو الثقافي الغربي؛ حيث يغلب على البلاد الفكر الغربي الذي يهدد بتدمير الهوية الإسلامية ومبادئها، خاصة مع تنامي دعوات الشذوذ والنسوية والجندرية وغيرها من أمراض الغرب التي تحارب الفطرة.

ومن هذه المشاكل والتحديات الخلط بين التقاليد والدين، وهذا يرجع لضعف المعرفة الدينية التي غلبها موروث الثقافة الشعبية.

هذا دون الحديث عن مشكلة وتحدي القبلية، التي هي من مخلفات النظام العنصري، حيث التعصب للبلدان والقوميات الذي انعكس حتى عند أداء شعائر الإسلام. فضلًا عن ضعف نفوذ المسلمين في سلطة الحكم وارتفاع وتيرة الإسلاموفوبيا والتضييقات بحجة ما يسمى الإرهاب.

كلمة أخيرة

شهدت جنوب إفريقيا هجمات على المحلات التجارية في وقت يعاني الاقتصاد فيه من صعوبات مع ارتفاع البطالة خصوصًا بين الشباب. وبدأ السكان المحليون تشكيل مجموعات أهلية لحماية البنى التحتية في أحيائهم. وتضرر المسلمون كغيرهم من تدمير ونهب ممتلكاتهم، مما يكشف الحاجة إلى تنظيم مجتمعات المسلمين لحماية تجارتهم واقتصادهم في وقت عجزت فيه الحكومة أو تقاعست في صد الهجمات المتكررة التي تستهدف المهاجرين والتي يبدو أنها بدوافع عنصرية.

وسبق أن أشارت بعض التقارير إلى استعمال المهاجمين المناجل والفؤوس لإجبار المهاجرين على الخروج من منازلهم وإلى أن الصوماليين لوحدهم شيعوا جثامين 600 شخص قتلوا في أعمال عنف ضد مهاجرين منذ عام 1423 إلى عام 1429هـ (2002 إلى عام 2008م) في جنوب إفريقيا. ويبقى المهاجرون الزيمبابويون والموزامبيقيون الأكثر تضررًا من هذه الهجمات العنصرية [4].

وإن كانت هدأت هذه الحملات ضد المهاجرين من أعراق مختلفة إلا أنها تقع بين الفينة والأخرى بشكل يهدد مستقبل المسلمين في المنطقة وتجارتهم واقتصادهم.

أما على صعيد الدعوة والتربية الإسلامية فتظهر الحاجة الملحة في جنوب إفريقيا إلى دعاة وقيادات أكفاء، يعملون على تصحيح المفاهيم وتقويم الاعتقادات المنحرفة عن الإسلام، وإرساء السليمة، فضلًا عن إكمال مشوار الشيخ أحمد ديدات بذات الهمة والجدية التي تميّز بها الداعية المسلم الأريب. وهو ما يمكن أن يتحقق بمد الجسور بين مختلف مراكز العالم الإسلامي وجنوب إفريقيا لتبادل الخدمات والمنافع والمساهمة في مشاريع توعوية وتعليمية هادفة.

وفي سبيل ذلك يمكن إنشاء مراكز تعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية، ترسّخ الهوية الإسلامية النظيفة من كل مخلفات القومية والتقاليد الموروثة. ذلك أن المستقبل لدين الإسلام كما قال أحمد ديدات: “إن هذا الدين جاء ليظهر على الدين كله وعلى طرق الحياة جميعها، سواء أكانت اليهودية أو النصرانية أو الشيوعية، ومهما كانت الفلسفة أو الديانة، فقدر الإسلام أن يهيمن عليها جميعها”.

وفي الختام هذه وصية أشهر أعلام جنوب إفريقيا:

ابذلوا قصارى جهودكم في نشر كلمة الله إلى البشرية.. إنها المهمة التي لازمتها في حياتي.

291

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي 10 كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، صفحات من دفتر الالتزام، إليكِ أنتِ، قبس من خاطر، أمريكا التي رأيت، قراءات مختصرات، المختصر في الملاحم والفتن، خربشات على جدار الصمت، القطوف (صيد المقالات) وصناعة الهمة).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.