أستراليا أصغر قارة في العالم وأكبر جزيرة فيه، تقع بين المحيط الهندي وجنوب المحيط الهادي، يبلغ عدد سكانها 25 مليون نسمة بحسب أحدث إحصاء في عام 1440هـ (2019م)، يدين أغلبهم بالنصرانية على الرغم من أن نسبة كبيرة من الأستراليين لا ينتمون لأي دين، كما تنتشر في أستراليا الديانات الأخرى في مقدمتها الإسلام؛ الذي دخلها مبكرًا عن طريق البحر قبل المستكشفين الأوروبيين، ثم الصحراء مع استقرار المستعمرات الأوروبية، ثم عن طريق الهجرات التي توالت من مناطق مختلفة للعالم الإسلامي.

اكتشاف أستراليا

اكتشف المسلمون الإندونيسيون أستراليا قبل اكتشاف الأوروبيين لها بوقت طويل، ثم وصلها الأوروبيون في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) حيث استطاع تسمان الهولندي في سنة 1052هـ (1642م) أن يصل إلى سواحل أستراليا الجنوبية، ثم بعد أكثر من قرن تمكن جيمس كوك أن يكتشف معظم سواحل أستراليا في ثلاث رحلات قام بها بين عامي 1182هـ و1195هـ (1768م و1780م).

بعد ذلك نشط الاحتلال البريطاني في احتلال القارة البكر، لتتحول أستراليا إلى مستعمرة بريطانية اتخذتها الدولة الأوروبية منفى للسجناء.

وفي عام 1319هـ (1901م) اتحدت المستعمرات الست التي كانت تشكل الكومنولث الأسترالي لتتحول إلى ولايات بحكم ذاتي، واتخذت مدينة كانبرا عاصمة لها. ثم دخلت أستراليا الحربين العالميتين إلى جانب بريطانيا لتنتهي بالانضمام إلى الأمم المتحدة التي قبلت عضويتها كدولة مستقلة في عام 1364هـ (1945م).

ولم يكن خروج أستراليا من الحرب العالمية بلا تبعات فقد تأثر اقتصادها بشكل كبير؛ مما دفع حكوماتها المختلفة لانتهاج سياسة تعمير البلاد عن طريق الهجرة، وعن طريق الخطط الاقتصادية المختلفة.

الإسلام في أستراليا قبل مجيء الأوروبيين

عرفت أستراليا الإسلام قبل القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) نتيجة الاتصال المباشر بالتجار المسلمين الذين كانت لهم علاقات مع سكان شمال أستراليا الأصليين، وكان المسلمون أسياد الطرق البحرية آنذاك. وتشير الروايات التاريخية إلى أن أول المسلمين القادمين إلى أستراليا كانوا تجار وصيادين إندونيسيين من ماكاسار والذين بقي أثر اختلاطهم بالسكان الأصليين الأستراليين إلى اليوم؛ حيث استمر التعامل بينهم لقرون طويلة قبل وصول الأوروبيين؛ لذلك بقيت بصمة الإندونيسيين المسلمين على السكان الأصليين لأستراليا في أساليب الحياة والوراثة.[1]

فلا يزال تشابُه اللُّغة بين الإندونيسيين وسكان أستراليا الأصليين إلى اليوم كما لا تزال آثار الرسوم الموجودة على جدران كهوف السكان الأصليين التي تصور القوارب الخاصة بالصيادين المسلمين؛ وهي قوارب إندونيسية تقليدية معروفة باسم براوس لا تزال تشهد على عمق الاتصال، وقد استقر بعض هؤلاء الصيادين بأستراليا وتزوجوا من أستراليات، وتركوا خلفهم إرثًا دينيًا وثقافيًا مستمرًا. ونتيجة الارتباط بالزواج والمصاهرة تحمل اليوم العديد من العائلات شمالي أستراليا أسماء ورثتها من هذه الزيجات بين المسلمين والسكان الأصليين، مثل دولا، وحسن، وخان.

كما لا تزال آثار الإسلام في طقوس السكان الأصليين الدينية؛ كصلاتهم على الجنائز، وسجودهم، وتوجههم إلى الغرب نحو اتجاه الكعبة المشرفة، ويقول “هوارد مورفي”؛ المتخصص في علم الاجتماع من الجامعة الأسترالية الوطنية:

شعب “يولنجو” يؤمن بالوحدانية المطلقة للخالق، كما يؤمن المسلمون بوحدانية الإله الحق، وهذه العقيدة لابدّ أنها نتاج الاتصال بالمسلمين “الماكاساريين”، الذين تعوّدوا على زيارتهم بشكل مستمر، وكانت بينهم علاقات تجارية وثقافية، بل وحتى التزاوج والمصاهرة.[2]

كما سجل التاريخ هجرة العديد من الملايو المسلمين إلى شمال أستراليا عمالًا محترفين في صناعة اللؤلؤ البحري، وتزوجوا أيضًا من نساء السكان الأصليين ونتج عن ذلك عائلات مختلطة تعيش في شمال أستراليا حتى الآن.

ومما يجدر الإشارة إليه أن انتشار الإسلام بين السكان الأصليين كان يسيرًا وبترحيب كبير وقبول بين السكان الأصليين على عكس التنصير القسري الذي فرضه الأوروبيون على هؤلاء السكان.

خلاصات دراسة أسترالية عن الإسلام

استعباد السكان الأصليين في أستراليا من قبل الأوروبيين.

في كتابها “إسلام الحلم” قدمت الباحثة الأسترالية بيتا ستيفنسون دراسة عن التاريخ الطويل للإسلام بين السكان الأصليين في أستراليا، واستهدفت دراستها السكان الأصليين الأستراليين الذين لديهم أسلاف أفغان أو ملايويون لكنهم لا يمارسون الإسلام، وأيضًا الذين ليس لديهم أسلاف مسلمون لكنهم يتبعون الدين الإسلامي.

ولاحظت الكاتبة أن الكثير من السكان الأصليين المسلمين يعتبرون اعتناق الإسلام بمثابة عودة إلى جذورهم الأصلية، ويتفقون في آرائهم مع المسلمين في القضايا المختلفة بما فيها البيئية.

وأشارت إلى أن المسلمين من السكان الأصليين أخبروها بأن اعتناق الإسلام لم يتضمن ممارسات شبيهة بالتبشير الديني القسري الذي فرضه النصارى على السكان الأصليين.

كما أن النساء المسلمات من السكان الأصليين أحببن الإسلام لأنه لا يصورهن باعتبارهن “متاحات جنسيًا”، ولأنه يحفظهن بالحجاب والقيم الإسلامية. وخلصت الدراسة إلى أن الإسلام قدم للسكان الأصليين نظامًا متكاملًا من السلوكيات والقواعد الأخلاقية الصارمة التي ترتبط بتراثهم التقليدي، فتحريم الخمر والمخدرات والقمار أثّر إيجابيًا في حياتهم.

الإسلام في حقبة المستعمرات الأوروبية

مسجد ماري في أستراليا 1883م.

عرفت أستراليا مرة أخرى الإسلام في عام 1256هـ (1840م) وبعض المصادر تشير إلى عام 1266هـ (1850م) وأخرى إلى عام 1276هـ (1860م) مع وصول المستعمرات الغربية للمنطقة، حيث أراد المستعمر الإنجليزي استكشاف الصحراء الأسترالية الشاسعة من أجل استغلال ثرواتها، فاستخدم الإنجليز المسلمين الأفغانيين والباكستانيين لنقل البضائع وتشييد الطرقات، وكان يقدر عددهم في عام 1350هـ (1931م) بنحو 393 رجلًا.

عاد الكثير منهم إلى بلادهم الأصل حيث بقيت عوائلهم، ولم يمكث في أستراليا إلا القليل فتزوجوا من نساء السكان الأصليين ومن الإنجليز وبقيت آثارهم ملموسة إلى اليوم في الجالية المسلمة من حيث المباني والعادات والتقاليد.

وما أن يذكر هؤلاء الأفغان الأوائل حتى يذكر الصدق والأمانة وحسن المعاملة والالتزام بتعاليم الإسلام وأخلاقه التي تأثر بها الأستراليون. ثم تتابعت هجرات المسلمين بعد ذلك منذ عام 1334هـ (1916م) واستمرت حتى بداية الحرب العالمية الثانية، ثم توقفت وبدأت بأعداد كبيرة منذ عام 1373هـ (1954م).

وتشير التقارير إلى مجيء حوالي 2000 جمال و15 ألف جمل من أفغانستان وباكستان إلى أستراليا في منتصف القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي).

وكان الأستراليون يطلقون اسم (الأفغان) على كل من يأتي مع الإبل، ثم اختصر الاسم إلى (غان).

واستمر استقدام الجمال والجمالين فارتفع عدد المسلمين مرحليًا لكنه تقلص لما ضعف استخدام الإبل بالتقدم الذي شهدته وسائل المواصلات ومجيء السيارات في عام 1349هـ (1930م)؛ فرجع من المسلمين من رجع لبلاده وعمل من تبقى منهم في مهن أخرى كالتجارة والتعدين، ولأمانتهم في العمل وثق بهم الأستراليون بشكل كبير.

وتزامن نشاط المسلمين الأفغان مع إنشاء سلسلة المدُن والمساجد التي شيدوها عبر طريق القوافل التي سلكوها داخل أستراليا والتي أطلق عليها “غان تاونز”؛ منها مدن أدليد، وفرينا، ومرى. واتخذ المسلمون الأفغان مدينة أديلايد في جنوب أستراليا مركز تجمع لهم، وأسسوا هناك المساجد الإسلامية المعروفة حتى الآن، ومنها مسجد في مدينة “أولايد” في سنة 1314هـ (1889م)، ومسجد بيرث الذي أسس سنة 1328هـ (1910م).[3]

وقد ساهم المسلمون في سنة 1314هـ بشكل أساسي في مد أول خط حديدي عبر القارة الأسترالية بين أدليد وأليس سيرنج، وأطلق عليه اسم (غان) تخليدًا لذكرى قوافل المسلمين وتكريمًا لهم وعرفانًا بجهودهم، كما كان لوجود المسلمين الأفغان مساهمة عظيمة في تطوير خط التلغراف الواقع بين أديلايد ودارون ما بين عامي 1287هـ و1289هـ (1870م و1872م)، والذي عمل على الربط بين أستراليا ولندن عن طريق الهند.

وقد ترك المسلمون الأثر العظيم في استكشاف أستراليا وربط طرقاتها وكشف أسرار الصحراء ومد خطوط اتصال بين المدن الداخلية والسياحية وبين المستعمرات والمناجم وتأسيس القاعدة الحضارية الأولى التي قامت عليها أستراليا وازدهرت.

توالي الهجرات يرفع من نسبة المسلمين

وفي أوائل القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي) جاءت الموجة الثالثة لهجرة المسلمين إلى أستراليا، لكن في هذه الفترة تغيرت سياسة الحكومة التي ركزت على هجرة مواطني بريطانيا وأيرلندا فقط بحجة أن هجرة غير البيض ستسبب التنافر الاجتماعي؛ لذلك شهدت هذه المرحلة بشكل لافت هجرة مسلمي ألبانيا والبوسنة الذين يتوافقون مع سياسة الحكومة، وكان من آثار هذه الهجرة بناء الألبان أول مسجد في شيبارتون فيكتوريا سنة 1379هـ (1960م).

كما بنى الألبان أيضًا أول مسجد في “ملبورن” في سنة 1383هـ (1963م). وكذلك وصل لأستراليا في هذه المرحلة المسلمون البوسنيون الذين كان لهم نشاط فعال في المجتمع الإسلامي. في حين ضعفت نسبة المهاجرين المسلمين من أصول غير أوروبية.

ثم تغيرت السياسة الأسترالية تدريجيًا تحت ضغط الحاجة إلى النمو السكاني ودفع عجلة التنمية الاقتصادية ففتحت الباب لمزيد من الهجرات من البلقان خاصة البوسنة والهرسك.

ثم تلتها موجة هجرة الأتراك؛ حيث سجلت الفترة منذ عام 1387هـ و1391هـ (1967م و1971م) هجرة ما يقارب الألف تركي إلى أستراليا ضمن اتفاقية موقعة بين حكومتي البلدين.

لكن الموجة الأكبر كانت في السبعينيات والثمانينيات؛ حيث اتجهت أستراليا إلى سياسة التعددية الثقافية والتسامح ففتحت أبواب الهجرة. وكان معظم المهاجرين من لبنان؛ حيث تعتبر الجالية اللبنانية أكبر عرقية عربية مسلمة في أستراليا استقرت في البلاد منذ عام 1395هـ (1975م) بسبب الحرب الأهلية التي عرفتها لبنان. ويتمركز أغلبهم في مدينة سيدني. وقد سجلت في فترات توترات بين المسلمين والنصارى اللبنانيين الذين يفوق عددهم عدد المسلمين.

وتسببت الأزمات الداخلية في بلاد المسلمين في رفع وتيرة الهجرة لأستراليا ومن ذلك حال الصوماليين الذين هاجر عدد منهم فرارًا من الحرب الأهلية التي اندلعت في سنة 1411هـ (1991م) وهم منتشرون في جميع أنحاء أستراليا؛ حيث فتح باب الهجرة إلى أستراليا في التسعينيات للصوماليين ولأبناء القرن الإفريقي.

وتوالت الهجرات بشكل أوسع في بداية القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي) من أقطار عديدة قريبة وبعيدة مثل غينيا الجديدة وإندونيسيا وفيجي، وباكستان والهند، وتركيا، ولبنان، وقبرص، ومصر، وألبانيا، ويوغسلافيا. والبوسنة والهرسك، وماليزيا، وإيران، وألبانيا، والسودان، ومصر، وفلسطين، والعراق، وأفغانستان، وبنغلاديش، وغيرها من البلدان.

عدد المسلمين في أستراليا

أستراليا

بلغ عدد المسلمين في أستراليا نحو 800 ألف مسلم (ما يعادل 3.18%) من السكان عندما كان عدد السكان الإجمالي 20 مليون. يقيم أغلبهم بنسبة 80% في مدينتي سدني وملبورن، لكن البعض يرجح أن يكون العدد مليونًا.

وتتزايد أعداد المسلمين بفضل معدلات المواليد المرتفعة نسبيًا وأنماط الهجرة الحديثة واعتناق الأستراليين للإسلام. ويذكر أن من بين أشهر المعتنقين للإسلام من الأستراليين بطل الملاكمة العالمي “أنتوني موندين” الذي تأثر بمالكوم أكس.

المؤسسات الإسلامية في أستراليا

تأسست أول جمعية إسلامية في أستراليا في الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي في كل من ولاية فكتوريا وعاصمتها مدينة ملبورن، ونيوساوث ويلز، وعاصمتها سدني.

وسجل أول نشاط للجمعية الإسلامية في فكتوريا في عام 1376هـ (1957م)، حيث جمعت المسلمين من مختلف العرقيات العربية والتركية والهندية وغيرها إلى أن استقل الأتراك عنها بتأسيس جمعية خاصة بهم في منطقة كوبرق في عام 1391هـ (1971م).

وبالنسبة للجمعية الإسلامية في ولاية نيوساوث ولز فقد انفصلت عنها الجالية اللبنانية في عام 1381هـ (1961م) وأنشأت جمعية مستقلة أخرى عرفت باسم الجمعية اللبنانية الإسلامية في سدني.

وبتلاحم جهود المهاجرين من مختلف الجنسيات تم تأسيس الاتحاد الأسترالي للجمعيات الإسلامية (أفس) في عام 1365هـ (1946م)، والذي تطور إلى الاتحاد الأسترالي للمجالس الإسلامية (أفيك) في عام 1976م؛ لكن دوره بقي محدودًا ينحصر في إدارة بعض المدارس وأغلبها في ولاية نيو ساوث ولز والتي عاصمتها سدني.

وفي أستراليا مئات المساجد والمصليات والمراكز الإسلامية، لكنها غالبًا ما تخضع للتقسيم العرقي؛ فالأتراك لهم مساجدهم والألبان كذلك وهلم جرا، وتوفر المساجد في أستراليا كما في أمريكا؛ مدارس نهاية الأسبوع ليومي السبت والأحد، حيث يدرس فيها القرآن واللغة العربية للأطفال. كما تتوفر عشرات المدارس الإسلامية في كافة الولايات الأسترالية، إلا أنها لا تزال بحاجة ملحة لتقويم المناهج.

وتنشط في أستراليا محطات راديو أبرزها محطة سدني التي تبث على مدى 24 ساعة؛ لكنها تحت يد طائفة الأحباش التي تنشر عقيدتها عبر أثير هذه الإذاعة؛ لذلك فالتفاعل معها محدود، كما توجد محطات إسلامية أخرى تبث على نطاق محدود من مواقع محدودة.

وأما على الصعيد المقروء؛ فأشهر المجلات الإسلامية في أستراليا مجلة “سلام” التي يصدرها «اتحاد رابطة الطلبة والشباب المسلمين في أستراليا»، ومجلة “نداء الإسلام” التي تصدرها «حركة الشباب الإسلامي».

ويمثل المسلمون إعلاميًا اللجنة الأسترالية للشؤون العامة للمسلمين (أمباك) ومقرها مدينة ملبورن، حيث تعمل على نشر الدعوة ولديها جهود بارزة في هذا المجال.

فضلًا عن لجان وجمعيات إسلامية أخرى تنشط في أستراليا. وعادةً ما يكون لكل جالية أو مجموعة معينة جمعية تنظم شؤونها، ومجموع هذه الجمعيات يكوّن المجلس الإسلامي للولاية ثم مجموع المجالس الإسلامية في الولايات يكون الاتحاد الأسترالي للمجالس الإسلامية، غير أن عددًا لا بأس به من الجمعيات لا ينضوي تحته.

مشاكل المسلمين في أستراليا

أستراليا

يحظى المسلمون في أستراليا باهتمام الحكومة؛ التي تدعم وتؤيد الطوائف والعقائد المختلفة في البلاد. مع ذلك لا يحسن المسلمون الاستفادة من هذا الاهتمام فلا يزال المستوى التعليمي بين المسلمين ضعيفًا مما أضعف من نفوذهم وتأثيرهم في البلاد، ولا تزال البطالة متفشية بين الشباب فضلًا عن نقص العلماء الناطقين باللغة الإنجليزية وافتقاد المرجعية والقدوة المؤثرة.

كما يعاني المسلمون من سياسة فرق تسد العرقية التي تجمع الصفوف بمبدأ العرق لا الإسلام، ويتهدد المسلمين الأخطار الغربية التي تتربص بهم كما هو حال المسلمين في الغرب عمومًا من الانحلال الأخلاقي والرذيلة والشذوذ والأفكار الفاسدة، هذا دون الحديث عن الإسلاموفوبيا وعداء اليمين المتطرف؛ حيث يتربص بالمسلمين في أستراليا هيئة متطرفة تعرف باسم هيئة مكافحة انتشار الإسلام؛ والتي تشن حملات مسعورة ضد المسلمين وشعائرهم، بالتزامن مع عداء اللوبي الصهيوني الذي يملك سطوة على معظم الأحزاب الأسترالية، وخاصة أكبر حزبين، وهما: حزب العمال وحزب المحافظين؛ مما تسبب في تهميش المسلمين سياسيًا وحرمهم فرص الصعود.

وما يزال اتجاه بوصلة العمل الإسلامي في أستراليا ينحرف عن العمل الجماعي المؤسساتي ليقترب أكثر إلى العشوائية في الأداء، وإلى ضعف التخطيط؛ وبالتالي إلى التشاحن في بعض الأحيان بين بعض مؤسساتها وفعالياتها وناشطيها.

وتعاني الجالية الضعف في الجانب الإعلامي سواء من خلال التواصل مع وسائل الإعلام أو من ناحية امتلاك الآلات الإعلامية الداعمة لها، كما تقع الجاليات المسلمة تحت رقابة الإعلام الأسترالي.

ومما يجب التنبيه عليه هو أن الاهتمام والتعاطف الذي تظهره الحكومة الأسترالية مع المسلمين ينحصر بصفة خاصة على أغلب الفرق والجماعات المنحرفة كالصوفية والأحباش والشيعة والأباظية وغيرها لكنه ضعيف بالمقابل مع أهل السنة خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. مع العلم أن هذه الأحداث قد تسببت في ارتفاع نسبة المعتنقين للإسلام كما شهد ذلك العالم؛ حيث اعتنق الإسلام بعد هذا التاريخ أربعة آلاف شخص منهم ألفين في العام الذي تلى أحداث 1422هـ (2001م).

وشهدت أستراليا حادثة مجزرة نيوزيلندا الوحشية التي قتل خلالها متطرف صليبي المصلين أثناء تواجدهم في المسجد، وبقي المسلمون يتوجسون خيفة في تحركاتهم لعدم الشعور بالأمن والسلام في الشارع، وفي البيت، وفي المساجد، خاصة مع تزايد دعوات التحريض والكراهية والعنف ضدهم، والتي صدرت عن منظمات يمينية متطرفة؛ رغم تطمينات الحكومة.

جزء لا يتجزأ من أمة الإسلام

أستراليا

على الرغم من مجزرة نيوزيلندا الإجرامية وما حملته من إشارات واضحة للعداء الصليبي للإسلام، وعلى الرغم من الحالات المنفردة التي يضطهد فيها المسلمون، وتلك الدعاية والحملات التي تستهدفهم وانتشار الإسلاموفوبيا، إلا أن أستراليا لم تشهد موجات تصادم واضحة على طول امتداد التاريخ الطويل لوجود المسلمين في هذه البلاد؛ ويرجع ذلك بشكل كبير لعدم تورط أستراليا بتاريخ احتلال في العالم الإسلامي.

إلا أن انضمام أستراليا لأحلاف الغرب ودعايتهم الإعلامية في حربهم ضد الإسلام في العصر الحديث تسبب في هجرة العديد من أبناء المسلمين من أستراليا إلى ساحات الصراع في العالم الإسلامي فضلًا عن تنديد المسلمين الأستراليين المتواصل بسياسات الحكومة التي طالبوها بعدم التدخل في الصراعات الغربية المستنزفة.

والمسلمون في أستراليا جزء لا يتجزأ من هذه الأمة المسلمة، يتعرضون لنفس الأخطار ويعيشون نفس الآلام وتجمعهم ذات المشاكل التي تواجه المسلمين في الغرب. ولا يمكن التصدي للتحديات التي تهدد الوجود الإسلامي في أستراليا إلا بمد جسور الإخاء القوية مع المسلمين في العالم الإسلامي، وتطوير أساليب الدعوة وأدواتها والدفاع عن أصول الدين ورد الشبهات والانحرافات والبدع، والبحث عن سبل النجاة من الأمراض التي أنتجتها الحداثة في الغرب والتي تعد اليوم من أشد الأخطار التي تهدد النشء المسلم في أستراليا.

دون أن يؤثر ذلك في نشاط الدعوة لله خاصة مع توفر الاستجابة المبشرة بسرعة اعتناق الأستراليين للإسلام، فهذه الدعوة رسالة هذه الأمة إلى آخر الزمان لتخرجهم من الظلمات إلى النور، وهي التي تقدم الحل الوحيد ضد أمراض الغرب البهيمية المزمنة من نشر للشذوذ والجندرية والنسوية وما يهدد البشرية.

وإلى ذلك اليوم الذي سيجتمع فيه المسلمون تحت سلطان واحد يحفظ حقوقهم ويحتضن طاقاتهم ويمثلهم التمثيل الأمثل، يبقى التواصي بالحق والتواصي بالصبر والتواصي بالعمل استراتيجية المسلمين في هذه المرحلة.

177

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي 10 كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، صفحات من دفتر الالتزام، إليكِ أنتِ، قبس من خاطر، أمريكا التي رأيت، قراءات مختصرات، المختصر في الملاحم والفتن، خربشات على جدار الصمت، القطوف (صيد المقالات) وصناعة الهمة).

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.