<link rel="stylesheet" href="//fonts.googleapis.com/css?family=Noto+Sans:400,700"> تعرّف على اعترافات القاتل الاقتصادي جون بيركنز - الجزء الأول - تبيان

تعرّف على اعترافات القاتل الاقتصادي جون بيركنز – الجزء الأول

لكي تصنع عالمك الخاص المنبثق من قيم دينك يجب عليك أن تُحلل الواقع الذي نحياه جيداً ونفهم ما وراء الكواليس في ذلك الواقع ونُدرك حجم المؤامرات والخطط التي دُبرت لنا على مدار عقود طويلة حتى ترسم لنفسك الخطة الواضحة التي ينبغي أن نتبعها للتحرر من هيمنة النظام العالمي على مقدراتنا.
اعترافات القاتل الاقتصادي جون بيركنز أو الاغتيال الاقتصادي للأمم كما يُطلق عليه البعض هو واحد من عشرات الكتب والأبحاث التي تُبين لنا طرفًا من تلك الحقائق المخفية.
جولة سريعة مع الكتاب وبعدها قل لي ما الذي تغير في وعيك بالأمور وتقيمك لما هو وراء الأحداث؟!

أولاً: قراصنة الاقتصاد

الرأسمالية
هم خبراء محترفون، مهمتهم أن يسلبوا ملايين الدولارات من دول كثيرة في سائر أنحاء العالم. يحوِّلون المال من المنظمات الدولية التي تقدم القروض والمساعدات؛ ليصبوه في خزائن الشركات الكبرى، وجيوب حفنة من العائلات الثرية التي تسيطر على الموارد الطبيعية للكرة الأرضية.

وسائلهم لتحقيق ذلك تشمل اصطناع التقارير المالية وتزوير الانتخابات والرشوة والابتزاز والجنس والقتل. يلعبون لعبة قديمة قدم الإمبراطوريات لكنها تأخذ أبعادًا جديدة ومخيفة في هذا الزمن… زمن العولمة

حول الكتاب

يقدم الكاتب اعترافاته باعتباره قرصان اقتصادي يقوم برسم خطط لمشروعات اقتصادية في دول العالم الثالث لبناء بنية تحتية تتضمن بناء محطات كهربية وبناء سدود وتوسيع الطرق وصيانة الموانئ ويقوم بتمويلها مؤسسات اقتصادية دولية. ويصبح كل هدف القرصان إقناع حكومات دول العالم الثالث بقبول قروض لبناء تلك المشروعات المبالغ في قدراتها وإمكانياتها؛ لينتقل القرض من البنك الدولي إلى البنوك الأمريكية ولتتحمل حكومات دول العالم النامي دفع أعباء خدمة الدين الذي لم يدخل منه دوﻻرًا واحد أرض الدولة المدينة.

وتستغل الوﻻيات المتحدة الأمريكية عجز الدولة عن دفع الديون و فوائد الديون لتدفع بتلك الدول إلى مدار الهيمنة الأمريكية والتبعية الصريحة لسياساتها. وكلما نجح القرصان في إقناع الدول بالاقتراض من أجل بناء المشروعات كلما تم تصعيد القرصان في سلمه الوظيفي. ويعرض الكاتب في كتابه نماذج لقرصنة اقتصادية قام بها هو وزملائه على دول شتى منها الإكوادور وأفغانستان والعراق وبنما والسعودية وإيران.

كيف أصبح بيركنز قرصان اقتصاد؟

اُختير “جون بيركنز” سنة 1971 للعمل في شركة MAIN المختصة بالأعمال الهندسية، التي أصرَّ عميلها الأكبر وهو البنك الدولي على وجود رجال اقتصاد ضمن العاملين تكون مهمتهم تقديم توقعات اقتصادية يمكن استخدامها في تقويم الإمكانيات وحجم المشروعات الهندسية. المهمة التي فشل فيها ثلاث خبراء اقتصاديين سابقين، حيث لم يستطيعوا إعطاء توقعات اقتصادية في بلاد ليس فيها إحصائيات من الممكن الاعتماد عليها.

بالإضافة أن الخبراء السابقين وجدوا صعوبة في السفر إلى أماكن بعيدة كإندونيسيا والإكوادور وإيران ومصر، لإعداد تقارير عن النمو الاقتصادي في هذه البلاد. خلال فترة تدريبه في الشركة وقبل أن يذهب لأولى مهماته التقى “كلودين”، وظيفتها مستشار خاص في الشركة وقد أُوكلت لها مهمة تدريب بيركنز ليصبح قرصان اقتصادEconomic Hit Man (EHM)

القاتل الاقتصادي جون بيركنز

أهداف العمل تتلخص في اثنين

هكذا أخبرت كلودين “جون بركينز” -وبدون مواربة-أن أهداف العمل تتلخص في نقطتين:

أولًا:

اختلاق مبررات للقروض الدولية الكبيرة التي ستعيد ضخ المال إلى MAIN وشركات هندسية أخرى من خلال مشروعات هندسية وإنشائية ضخمة.

ثانيا:

العمل على إفلاس تلك الدول التي أخذت القروض (بعد أن تكون سددت ديونها للشركة وباقي المتعاقدين الأمريكيين بالطبع). بحيث تبقى هذه لبلاد مدينة إلى الأبد. وتصبح أهدافًا سهلة عندما تدعو الحاجة إلى خدمات كأنشاء قواعد عسكرية، تصويت في الأمم المتحدة، أو اتخاذها منفذًا إلى البترول وباقي الموارد الطبيعية.

كيف تتم الخدعة

أما عن طبيعة تلك التقارير فعليك أن تبرهن أن هذا القرض والمشاريع المُنفَّذه من خلاله ستسهم في نمو اقتصادي، يتمثل من خلال النمو في الناتج الإجمالي القومي. وللناتج الإجمالي القومي طبيعة مخادعه، فإن نموه قد يتحقق حتى لو صب في مصلحة شخص واحد، شخص واحد أو حفنة من الأشخاص يزدادون غنًا حتى لو أغلبية السكان تقع تحت خط الفقر.

لكن من الناحية الإحصائية البحتة فذلك يعد نموا اقتصاديا حيث زاد الناتج الإجمالي المحلي بثراء الأغنياء.

مهمة القاتل الاقتصادي أو قرصان الاقتصاد

أيضا مهمة القرصان الاقتصادي هي تشجيع زعماء العالم ليصبحوا جزءًا من شبكة اتصالات واسعه، تروج لمصالح الولايات المتحدة التجارية. وفي النهاية يقع هؤلاء القادة في شراك الديون لضمان خضوعهم، ليتم الاعتماد عليهم اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا. أما هم في المقابل فيدْعَمون مكانتهم السياسية بإنشاء محطات توليد كهرباء ومنشئات صناعية ومطارات لمواطنيهم؛ مما يعود على شركات الإنشاءات الهندية الأمريكية بالثراء الفاحش.

الإكوادور:

مدينة “شل” تم اقتطاعها من غابات الأمازون وبنيت لتخدم شركة البترول التي تحمل اسمها ويوجد بها قاعدة عسكرية اغلب سكانها من الجنود وعمال البترول إضافة إلى السكان الأصليين الذين يعملون لخدمة عمال البترول بالأشغال الشاقة والبغاء.

الإكوادور ملوثة من تسريبات ما يتم سرقته

كانت أول زياره لبيركنز سنة 1968 حيث تم اكتشاف البترول لأول مرة من قبل شركة تكساسو في منطقة الأمازون في الإكوادور-وكان أول انطباع له عن البلد بانها مسالمة ونقية-. أما اليوم فيمثل البترول ما يقرب من نصف صادرات هذه البلاد، فعقب زيارته مباشرة مدت الأنابيب والتي تسببت في تسريب نصف مليون برميل من البترول إلى الغابات المطيرة؛ أدت إلى اختفاء مساحات كبيرة من هذه الغابات وانقراض الحيوانات واختفاء وشيك لثلاث حضارات وتحولت الأنهار القديمة إلى حفر متوهجة.

وذلك مما أدى ببعض الأهالي في الإكوادور إلى رفع شكوى سنه 2003 ضد شركة تكاساسو مطالبين بمليار دولار تعويضًا عما لحق بأراضيهم من مخلفات البترول والمعادن التي قدرت بحوالي أربعه مليون جالون يوميا كانت تدفن في حفر تحت الأرض وذلك ما بين عامي 71-92 وتسببت في مقتل البشر والحيوانات على حد سواء.

ما فعله تسريب البترول بالغابات المطيرة بالإكوادور

ما فعله تسريب البترول بالغابات المطيرة بالإكوادور

ما فعله بيركنز بالإكوادور

ويعترف بيركنز بتأثيره على هذا البلد الجميل: فبسبب ما فعله ساءت أحوال البلد كثيرًا عما كانت عليه. ففي الحقبة من 1970 وخلال ما عرف بمرحلة الازدهار البترولي ارتفعت نسبة الفقر من 50 إلى 70%. وازدادت البطالة من 15إلى 70 % وزادت الديون العامة من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار. وتدنت حصة الطبقات الفقيرة من المصادر القومية من 20 إلى 6 % وليست الإكوادور استثناءً !!!

فبحلول عام 2004 بلغت ديون العالم الثالث 2.5 ترليون دولار، بينما يبلغ عبء خدمة هذه الديون إلى 375 مليار دولار سنويًا وهو أكثر مما ينفقه العالم الثالث على الصحة والتعليم، و20 ضعف مما تتلقاه البلاد النامية من معونات أجنبية !!! يعيش اكثر من نصف سكان العالم على اقل من دولارين في اليوم، في الوقت الذي تعيش فيه 1% من الأسر في نفس العالم الثالث على 70-90% من الثروات والممتلكات الخاصة في بلادهم.

تبعات مشاريع قراصنة الاقتصاد

أسهمت مشاريع قراصنة الاقتصاد، والتي تكفلت بها شركات من داخل الكوربوقراطية ليعود المال إلى الحظيرة الأمريكية، في زيادة مديونيات الإكوادور الخارجية. وأصبح عليها أن تخصص جزءً من ميزانيتها لتسديد هذه الديون بدلًا من استخدام رأسمالها لمساعدة الملايين من المواطنين المصنفين تحت خط الفقر المدقع.

أما سبيلها الوحيد لسداد هذه الديون فهو ببيع غاباتها لشركات البترول.

ويعترف القرصان الاقتصادي بأن هدفهم من إغراق الإكوادور بالديون كان لأنها تسبح فوق بحر من البترول متمثلًا في غابات الأمازون، فكان من الواجب حلبها حتى أخر قطرة بترول. أما ما تتحصل عليه الإكوادور من بيع بترولها: فمن بيع كل 100 دولار من عائد المواد الخام تتحصل شركات البترول على 75 دولارًا، والـ 25 دولارًا المتبقية يذهب ثلاث أرباعها لسداد الديون الخارجية، ومعظم ما يتبقى يذهب لتغطية شؤون الجيش وغيره من النفقات الحكومية.

أما المواطنون المحتاجون الذين تؤثر السدود والأنفاق وخطوط الأنابيب وتسريباتها على حياتهم بشدة ويموتون من نقص الطعام والماء الصالح للشرب فلا ينالون منها إلا الأقل من 3 دولار.

Ecuador-Oil_OCo

عانت الإكوادور طويلًا من الحكم الدكتاتوري وحكومة الأقليات من الجناح اليميني الخاضع لمصالح الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية، وواجهت غزوة كبرى للكوربورقراطية، سُرق فيها بترول الإكوادور. وفي المقابل بُنيت الطرق والمنشئات الصناعية بالإضافة إلى السد المقامة عليه محطات توليد الكهرباء، والتي ساهمت في إثراء شركات الهندسة الأمريكية.

خايمي رولدوس:

خايمي رولدوس، شخصية قيادية قوية وفاتنة، قائد شعبي ووطني لمع نجمه في سماء الإكوادور، فقد كان استثناءً من قاعدة فساد الساسة واقترافهم للجرائم مشاركة مع الكوربوقراطية. يؤمن بحقوق الفقراء ودور رجال السياسة في الاستغلال الأمثل لثروات البلاد الطبيعية في تأمين عيش راغد لفقراء بلده. بدأ حملته الانتخابية للرئاسة في عام 1978، واشرأبت أعناق فقراء شعبه راجين فيه الخلاص لما تعانيه أمتهم من استغلال وظلم وقهر، كان من رجال السياسة الذين لا يخشون الصدام مع الوضع القائم، بل سعى لكشف ما وراء شركات البترول والنظام المراوغ الذي يدعمها.

رولدوس الإكوادور

خايمي رولدوس – رئيس الإكوادور

تاريخ SIL في الإكوادور

من الأشياء التي سلط رولدوس عليها الضوء واتهمها بالتواطؤ مع شركات البترول كان معهد اللغويات الصيفي SIL وهو مجموعة تبشيرية إنجيلية، عملت هذه المجموعة بتوسع مع قبيلة هيوارني في منطقة حوض الأمازون، وما إن أعلن الجيولوجيون احتمالية وجود بترول في منطقة معينة، أسرعت مجموعة SIL وشجعت أهل هذه المنطقة على الانتقال إلى مكان آخر تحت حماية الإرسالية على وعد بأن تمنحهم الطعام والشراب والملبس والرعاية الصحية والتعليم مجاناً، مما يضطر أهل المنطقة لتسليمها لشركات البترول، ولم يكتفوا بهذا فقط، فقد كانوا يقدمون لهم طعامًا ممزوجًا بمواد تسبب الإسهال، ثم يقدمون لهم الأدوية التي تعالج هذا الإسهال.

الرد المحلي على الإرسالية

ولكن السكان المحليون كان لهم ردهم الخاص، فقد عثر على خمسة أفراد من الإرسالية مقتولين طعنا بحراب قبائل الهيوارني في رسالة صريحة إلى أفراد الإرسالية ليخرجوا من بلادهم، ولكن أحدًا لم يكترث بتلك الرسالة، بل لقد طافت شقيقة أحد القتلى تجمع التبرعات في مدن الولايات المتحدة لدعم الإرسالية كداعية أنهم يساعدون أولئك الهمج ليتحضروا ويتثقفوا!!

نضال رولدوس في سبيل حقوق شعبه

لقد وقف رولدوس في وجه الكوربوقراطية رافضا استغلال ثروات بلده من قبل شركات البترول باحثا عن حقوق شعبه وتنبأ المثقفون من كلا البلدين بأن أصحاب المصالح الاقتصادية لن يسمحوا أبدا لرولدوس أن يصبح رئيسًا. أما إذا انتخب فقد يواجه مصيراً كمصير آربنز في جواتيمالا (وهو الاغتيال).

دعائم الكوربوقراطية ثلاثاً:- الشركات الكبرى والبنوك الدولية والحكومات المتواطئة

أما في حالة رولدوس فقد سعي لمحو العنصر الأخير من المعادلة. وبالفعل أنتخب رولدوس رئيسا للإكوادور في أغسطس سنة 1979 وفي خطاب توليه للرئاسة حدد الخطوط العريضة للسياسة التي ستتبعها بلده تحت إمرته فقال:

“علينا أن نراجع أنفسنا للحفاظ على مصادر أمتنا من الطاقة. وعلى الدولة أن تحافظ على تنوع الاستثمارات في صادراتها وألا تفقد استقلالها الاقتصادي. إن قراراتنا ستنبع فقط من المصلحة القومية والدفاع بلا حدود عن استقلالنا وحقنا في تقرير المصير”

تبعات الخروج على المنظومة

الوضع في أمريكا

في ذلك الوقت كان كارتر رئيس الولايات المتحدة، وقد كان رئيسًا هدفه الأكبر سلام العالم ويكرس نفسه لتقليص اعتماد الولايات المتحدة على البترول، ولكن ذلك مما لم يكن ليعجب صناع القرار في أمريكا ولذلك لم يحظ بفترة انتخابية أخرى واستبدل في نوفمبر 1980 برونالد ريجان الذي كان يرى أمريكا في قمة الهرم العالمي محرزة مكانتها بالقوة العسكرية، ويرى السيطرة على الحقول البترولية أينما وجدت جزءاً من سياسة أمريكا التوسعية.

Embed from Getty Images

رولدوس يبدأ تنفيذ وعوده

في بدايات عام 1981 قدمت حكومة رولدوس قانون الهيدروكربون الجديد (قانون منظم لاستكشاف وبيع البترول ومشتقاته والغاز الطبيعي) إلى مجلس تشريع الإكوادور والذي إذا نفذ سيعمل على إعادة تشكيل علاقات الدولة بشركات البترول، ويعد على عدة أصعدة خطوة ثورية وراديكالية وكان تأثيره سيمتد إلى كثير من بلاد أمريكا اللاتينية وحول العالم.

وتصرفت شركات البترول كعادتها وطفقوا يشوهون في سمعة رولدوس وانطلق اللوبي المناصر لهم إلى واشنطن بجعبة من التهديدات والرشاوي، ولكن رولدوس لم يكن ليتراجع أمام هذه التهديدات، وأمر بطرد SIL من بلاده متهما إياها بالتآمر مع شركات البترول، بعد بضعة أسابيع على صدور التشريعات ويومين على طرد الإرسالية، ألقى رولدوس خطابا مهما حذر فيه أصحاب المصالح الأجانب إن لم يضعوا خططا لمساعدة شعب الإكوادور فسيرغموا على مغادرة بلاده.

رولدوس يدفع ثمن وطنيته

وتوجه بعد الخطاب إلى قرية صغيرة في جنوب الإكوادور وهناك لقي مصرعه في حادث تحطم طائرة مروع صدم العالم اجمع في مايو1981. تصاعدت الشكوك واتجهت أصابع الاتهام إلى رجال المخابرات الأمريكيةCIA حتى لقد أعلنتها بعض الصحف صراحة، خاصة مع وضوح كراهية واشنطن وشركات البترول له، إضافة إلى ظهور كثير من الشكوك تدعم هذه المزاعم.

وهذا هو مصير كل من يفكر في معارضة مصالح النظام العالمي وصُناع القرار .. خلافة نحيا فيها مكتملة الأركان كل من يخرج عن طوعها يلقى مصير القتل أو الاعتقال .. صندوق ليس لك سواء كنت رئيساً أو سياسياً أو حتى من عموم الشعب أن تخرج عنه !!

وذا يُنبأك أن الحل في معالجة ذلك الواقع هو القوة ولغة القوة فقط هي ما تُجدي نفعاً مع النظام العالمي لنتحرر من قبضته.

هكذا وتولى “اوزفالدو أورتادو” رئاسة الإكوادور فأعاد SIL ومنحهم فيزا خاصة، كما أطلق بنهاية العام برنامجًا طموحًا لزيادة التنقيب عن البترول أعطاه لشركة تكساسو للبترول، أحد الشركات الأمريكية في حوض الأمازون.

إندونيسيا محطة جديدة لـ “القاتل الاقتصادي”

أول مهمة أمام بيركنز كانت في إندونيسيا وكانت مهمة فريق العمل المتوجه إلى هناك هو وضع خطة شاملة للطاقة في جزيرة جواه والتي ستسهم في ازدهار اقتصاد الجزيرة, إندونيسيا كما اسمتها “كلودين” فهي قطعة الدومينو التالية لفيتنام, وقد أتمها على أكمل وجه ونال بسببها ترقية ولقب كبير اقتصاديين. رضخت إندونيسيا على أثرها تحت طائلة الديون واستفادت الشركات الهندسية الأمريكية بعقود بناء وتعمير.

بنما وبطلها عمر توريخوس:

كانت بنما جزءًا من كولومبيا، عندما قرر المهندس الفرنسي “فرديناند ديليسبس” الذي اشرف على بناء قناة السويس، بناء قناة عبر برزخ أمريكا الوسطى ليربط المحيطين الأطلسي والهادي. محاولات عديدة ومجهود خارق قام به الفرنسيون ما بين عامي 1881 – 1889 انتهى بكارثة مالية وفشل، غير أن هذا الفشل كان قد ألهم تيودور روزلفت حلمًا (رئيس أمريكا في الفترة من (1901-1909).

الهيمنة الأمريكية على بنما

في أوائل التسعينات طالبت الولايات المتحدة من كولومبيا التوقيع على معاهدة تحويل البرزخ لإشراف اتحاد شركات “أمريكا الشمالية” لكن كولومبيا رفضت، ولم يكن هذا الرفض لتتقبله أمريكا، فقام الرئيس الأمريكي روزلفت بإرسال أسطول ناشفيل الحربي الذي هبط جنوده وقبضوا على قواد الميليشيا وقتلوهم وأعلنوا بنما دولة مستقلة ونصبوا حكومة محلية شكلية عميلة.

Embed from Getty Images

وتم التوقيع على معاهدة القناة الأولى والتي منحت الحق لتواجد منطقة أمريكية على جانبي القناة مستقبلًا، بالإضافة للتدخل الأمريكي العسكري وسيطرة أمريكا على تلك الدولة المشكلة حديثة والتي يقال أنها مستقلة. المثير للسخرية أن من وقع على هذه المعاهدة هما وزير الخارجية الأمريكي والمهندس الفرنسي فيليب بونو فاريللا الذي كان عضوًا في فريق عمل شق القناة إبان المحاولة الفرنسية ولم يوقع على تلك المعاهدة بنمي واحد!!

بنما تحت حكم العملاء

لنصف قرن ظلت بنما تحكم من قبل حكومة أقلية مكونة من العائلات الثرية التي تربطها علاقات وثيقة مع واشنطن وتعمل وفق مصالح الولايات المتحدة. بالإضافة لمكافحتها للاشتراكية من خلال دعم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA ووكالة الأمن الأمريكي NSA في مكافحتهما ضد الشيوعية، ومساعدات أخرى لشركات التجارة الأمريكية الضخمة. واستمرت هذه الحكومات العميلة في الخيانة حتى عام 1968 حيث تغير مسار التاريخ البنمي بحدوث انقلاب بالحاكم الديكتاتوري آرلونفو أرياس.

عمر توريخوس يُغرد خارج السرب

وتولى عمر توريخوس الحكم على الرغم من عدم مشاركته فعليًا في هذا الانقلاب. كان توريخوس يتمتع باحترام وتأييد من كلا الطبقتين المتوسطة والفقيرة في شعبه، فقد كان يهتم بالفقراء والمهمشين ويساعد العاطلين ويتبرع من أمواله الخاصة للعائلات المنكوبة. تجاوز حبه وتعاطفه مع الناس حدود بنما فأصبحت بلاده مأوى للمضطهدين وللجوء السياسي للسياسيين بمختلف انتماءاتهم، وكان الناس يرون فيه رسول سلام.

كان توريخوس لا يتخلى عن مبادئه، ففي عهده لم تصبح بنما دمية في يد واشنطن ولا أي يد أخرى، كان يؤمن بالإصلاح الاجتماعي وحقوق الفقراء لكنه لم يؤيد الشيوعية ولم يستجب لإغراءات بكين وموسكو. لقد كان مصممًا على كسب حرية بنما من الولايات المتحدة دون تحالف مع أعدائها.

عمر توريخوس يطل بنما

عمر توريخوس يطل بنما

كما اعترض توريخوس أيضا على وجود مدرسة الأميركتين والقيادة الجنوبية لمركز تدريب عمليات المناطق الحارة التابعة للجيش الأمريكي وكلاهما موجود في منطقة القناة. كانت هذه الأماكن يرتادها أبناء القواد العسكريين لديكتاتوري أمريكا اللاتينية ورؤسائها بتشجيع من أمريكا وقواتها المسلحة، حيث تعلموا هناك مهارات التحقيقات الرسمية، والمناورات العسكرية، والعمليات الحربية السرية التي قد يحتاجونها في مواجهة الشيوعية وحماية مواردهم الخاصة وموارد شركات البترول وغيرها.

بيركنز يتولى مهامه بنما

كانت هذه المؤسسات محل كراهية شعوب أمريكا اللاتينية ما عدا القلة الثرية التي تنتفع منها، فقد كان معروفًا انهم يدربون فرق الموت المتطرفة والجلادين، ولذلك اعلنها توريخوس صريحة بأن هذه المعسكرات ليست مرحبًا بها على أرضه. وهنا يأتي دور القراصنة الاقتصاديون ولذلك أٌرسل بيركنز عام 1972 إلى بنما، لإنهاء مفاوضات لوضع خطة تنمية حقيقية في بنما. تلك الخطة التي ستفتح المجال للبنك الدولي، وبنك التنمية الأمريكي، وهيئة المعونة الأمريكية لاستثمارات بمليارات الدولارات في مجال الطاقة، والمواصلات، والزراعة في هذا البلد الصغير ذو الأهمية الفائقة.

وبالطبع كان الأمر برمته خدعة فالهدف الخبيث كان بأن ترضخ بنما تحت الديون وبذلك ترجع صائغة للحظيرة الأمريكية.

توريخوس يكشف المؤامرة

في جلسة مصارحة جمعت الزعيم عمر توريخوس مع جون بيركنز، طلب الأول مقابلته، كاشفه فيها توريخوس عن أهداف الأخير في بنما وأنه لا يستبعد أن يكون مصيره كمصير أربينز في جواتيمالا على يد الولايات المتحدة وجهاز CIA خاصةً إذا ما قرر التمرد عليهم. طلب توريخوس مساعدة بيركنز للنهوض ببلده، قائلا إنه: سيستعيد القناة ولكن هذا ليس كافيا. وتابع:

“نريد أن نثبت للعالم أن هدفنا من كسب استقلالنا هو أن نهتم بمصالح فقرائنا وأن نقف في صفهم، ولإتمام ذلك نحتاج أن نبني قاعدة اقتصادية لا مثيل لها.”

مؤكدًا أنه: إذا تعلق الأمر بالكهرباء فنعم هي الكهرباء التي تصل إلى أفقر فقرائنا وبسعر مدعم والأمر ذاته ينطبق على المواصلات والطرق والاتصالات وينطبق خاصة على الزراعة. وكل هذا يتطلب أموالًا وهي بالطبع أموالكم: مال البنك الدولي وبنك التنمية الأمريكي. وأكمل:

“أُدرك أن شركتكم تريد المزيد من العمل من خلال تضخيم حجم المشروعات، إلا أن هذه المرة الأمر مختلف، قدموا أفضل ما عندكم لشعبي وسأقدم لكم كل العمل الذي تريدونه.”

التمرد على القواعد

كان توريخوس يدرك ماهية المساعدات الأجنبية والتي من المفترض أن تجعله ثريًا بينما تثقل كاهل شعبه بالديون، وهذه العملية مبنية على فرضية أن أصحاب النفوذ فاسدين. ولكنه عند اتخاذه لقراره فلم يكن يعمل لمصلحته الشخصية، بل الأحرى أنه سيستخدم المساعدات الأجنبية لمساعدة شعبه بالفعل، مما يهدد بالإطاحة بالنظام كله.

بعد انصرافهما كان كل منهما يفهم جيدا أن MAIN ستوقع عقد الخطة الرئيسة وعلى بيركنز أن يتأكد من مسايرة ذلك للعرض الذي عرضه توريخوس. ارتبط بيركنز بكلمة شرف مع الزعيم توريخوس آخذًا بعين الاعتبار مصالح الفقراء في الحسبان بنزاهة الحسابات وعند تنفيذ الاقتراحات، بالرغم من أنه سمع تذمرًا بان توقعاته في بنما لم تصل لحد مستويات التضخم المعتادة، وأن بلادهم بدأت تتحرك حركة ملتوية نحو الاشتراكية. بالرغم من أن MAIN ما زالت تكسب عقودا من حكومة توريخوس والتي شملت خططًا رئيسية جديدة تشمل الزراعة بجانب قطاعات أخرى من البنية التحتية التقليدية.

توريخوس يُعيد القناة إلى السيادة البنمية

وتم مجددًا وضع اتفاقية القناة على طاولة المفاوضات بين جيمي كارتر (رئيس أمريكا من 1977- 1981) وتوريخوس. جذبت المفاوضات اهتمام وتعاطف كبير في أنحاء العالم الذي كانت تتطلع أنظاره نحو الولايات المتحدة بأن تفعل الصواب وتسمح للبنميين بالسيطرة على القناة، وبالفعل استعاد توريخوس القناة عام 1977 وأتم مفاوضات ناجحة مع الرئيس كارتر الذي نقل ملكية منطقة القناة والقناة ذاتها إلى السيادة البنمية. واصبح على البيت الأبيض حينها أقناع الكونجرس بقبول الأمر ونشبت معركة ضارية في التصويت الأخير وتم التصديق على اتفاق القناة بفارق صوت واحد وأقسم المحافظون على الانتقام!!

مصير رولدوس بانتظار توريخوس

انتهت فترة ولاية كارتر وجاء بعده ريجان الذي طالبت إدارته بإعادة النظر في معاهدة القناة الأمر الذي رفضه توريخوس بصلابة. ولم يمر شهرين على اغتيال رولدوس زعيم الإكوادور حتى لحقه توريخوس أيضا في حادث صدام طائرة في يوليو 1981 متهمة فيه أيضا المخابرات الأمريكية. عمَّ الحزن في كل مكان لموت هذا الرجل النبيل الذي حاز سمعة طيبة بوصفه مدافعًا عن الفقراء والمهمشين. مات توريخوس وحل محله مانويل نورويجا الذي تحميه أمريكا وهو رجل تنقصه فطنة توريخوس ويشك الكثيرون بقدرته على الوقوف في وجه ريجان وحكومته وفخ الكوربورقراطية.

على خطى المُعلم

خلفًا للتوقعات فقد سار نورويجا على خطى سلفه ومعلمه توريخوس وبدا مهتمًا بقضايا الفقراء والاضطهاد اللتين تعانيهما أمريكا اللاتينية، وأحد مشروعاته كان استكمالًا لإمكانية شق قناة جديدة يمولها اليابانيون وبالطبع لقي معارضة كبيرة من قبل واشنطن والشركات الأمريكية، غير أنه كان مفتقدًا لكاريزمية سلفه ونزاهته، فبمُضي الوقت اكتسب سمعة سيئة مع اتهامه بالفساد وتجارة المخدرات. اتخذ رئيس أمريكا جورج بوش-والذي كان يعاني مشاكل بشأن شعبيته- نورويجا مطية لتحسين وضعه خاصة بعدما أعلن الأخير رفضه تمديد عمل مدرسة الأمريكيتين لـ 15 سنة أخرى متذعرا أنه لا يريد على أرضه معسكرات لتدريب فرق الموت وقوات القمع المتطرفة.

أمريكا تعاقب بنما على خطواتها نحو التحرر

غير أن الولايات المتحدة صدمت العالم بأسره حيث قامت في ديسمبر عام 1989 بالإغارة على بنما في هجوم جوي صنف كأعنف قصف جوي على مدينة منذ الحرب العالمية الثانية، كان هجوما غير مبرر على سكان عزل في انتهاك صارخ للقانون الدولي. كانت كل جريمتها أنها بالكاد تجرأت ورفضت الانصياع لثلة من الساسة والمسؤولين في الشركات الكبرى فجاءت النتائج مدمرة. وجاء تبرير واشنطن لهجومها على بنما وإيقاع الضحايا من الأبرياء والأطفال وتدمير أحياء ضخمة من العاصمة:

“إنه كان للإطاحة بنورويجا ذلك الشيطان عدو الشعب تاجر المخدرات”

مجزرة مكتملة الأركان، والجميع ممنوع من التدخل

فقتلت بذلك الشعب ذاته!! ولمدة ثلاثة أيام منع الجيش الأمريكي الأعلام والصليب الأحمر وغيرهم من المراقبين الأجانب من الدخول إلى المناطق التي طالها القصف المدمر، بينما كان الجنود يضرمون النيران ويدكون البيوت على ساكنيها. لم يتمكن أحد من حصر عدد الضحايا الحقيقي للمذبحة التي أقامها الأمريكيون في بنما.

الغزو الأمريكي لبنما

الغزو الأمريكي لبنما

وقدرت منظمات حقوق الإنسان عدد القتلى من 3-5 الأف قتيل فضلا عن 25 ألف مشرد، وأعتقل نورويجا وأرسل إلى الولايات المتحدة وحكم عليه بالسجن 40 سنة. كان العالم يموج عضبًا للانتهاك الصارخ للقانون الدولي والتدمير غير المبرر لشعب أعزل بينما كان شعب الولايات المتحدة في سبات لا يدري باستياء العالم ولا بالجرائم التي ارتكبتها حكومته حيث غضَّت وسائل الإعلام الطرف عن هذه الجرائم بتوجيه من البيت الأبيض إضافة لعدة عوامل أخرى. وأعاد الأمريكيون تنصيب الحكومات الصورية وعادت أجواء الحكم لما كانت عليه.

وعادت واشنطن من جديد للسيطرة على الممر المائي متجاهلة المضمون القانوني للمعاهدة.

بقلم: طارق دعبس

3677

الكاتب

ضيوف تبيان

يمكن للكتّاب والمدونين الضيوف إرسال مقالاتهم إلى موقع تبيان ليتم نشرها باسمهم في حال موافقة شروط النشر، راسلنا على البريد: tipyanmedia@gmail.com ،مقالات الرأي تُعبر عن رأي الكتاب ولا تُعبر بالضرورة عن تبيان.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.