اختيارات المحرر

في مكة، محادثات حول معركةٍ في أدنى الأرض!

في إحدى الأيام، وأنت تتجول في قرية نائية، سألت أحد السكان عن رأيه في النزاع بين الصين وأمريكا أو الحرب بين روسيا وأوكرانيا. هل تتوقع أن يكون لديه إجابة؟ قد يبدو السؤال غريبًا، لكن إذا عدنا بالزمن إلى مكة في زمن النبي محمد ﷺ، سنجد أنّ المجتمع القبلي البسيط كان مهتمًا بأحداث العالم الكبرى.

كيف كانت أوضاع مكة وما حولها؟

كيف كانت أوضاع مكة وما حولها؟

في تلك الصحراء الحارة، حيث لا توجد وسائل اتصالات أو مواصلات سوى القوافل التجارية والدواب، كان العرب حينها لا يُمثلون شيئا في موازين القوى العالمية، ولا تعبأ بهم الإمبراطوريات الكبرى المهيمنة مثل: فارس والروم، فإما كانوا كيانات تابعة لهم مُستغَلة من قِبلهم مثل: الغساسنة والمناذرة، أو أماكن استراتيجية مهيمنة على ممرات تجارية مهمة مثل: اليمن، فكانت تعتبرها منطقة يجب السيطرة عليها بذرائع مختلفة.

أما مكة، فبعدما أسس هاشم بن عبد مناف الإيلاف التجاري مع كيانات مختلفة، ونظّم رحلتي الشتاء والصيف، دخلت أم القرى في مرحلة جديدة من الازدهار الاقتصادي، والذي كان يبلغ أوجَه عندما يحتدم الصراع بين فارس والروم فتتعطل طرق التجارة العالمية، وبالتالي ينشط طريق التجارة الجنوبي الواصل بين اليمن والشام، فتصبح السلع أكثر وفرة وأقل ثمنًا لتجار مكة، ولكن ظلّت منطقة الحجاز تحديدًا بعيدة عن الصراعات المباشرة خصوصًا أنّ سادتها تمسكوا بسياسة عدم الانحياز سواء لمعسكر فارس أو الروم لا سيما بعدما عاينوا نِتاج انحياز نصارى نجران في اليمن للروم، وكانت اليمن حينها تحت الهيمنة الفارسية، فشرد الفرس بهم، فتدخل الروم لحماية الأقلية المسيحية واتخذتها ذريعة للهيمنة على اليمن، فتلقف سادة مكة العبرة.

محادثات مكيّة..

على الرغم من التوجه السياسي غير المنحاز الذي اتبعه سادة مكة، وبالتالي لم تكن هناك أهمية للانشغال بصراع القطبين، نجد أنّهم يتحدثون عن انتصار الفرس على الروم. وقد نزل القرآن الكريم ليعزز هذه المحادثات ويبرز أهمية وعي المسلم بالواقع المحيط وتفاعله معه، وذلك في آياتٍ محكمات آمن بها كل مسلم، فلم يقتصر ذلك الوعي على كبار الصحابة، وإنما امتد ليعمَّ سائر المجتمع المسلم مهما بلغت بساطته، فعن ابن عباس، قال: كان المسلمون يُحبون أن تَغلب الرومُ أهل الكتاب، وكان المشركون يحبون أن يَغلب أهل فارس؛ لأنهم أهل أوثان، قال: فذكروا ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر للنبيّ ﷺ فقال: “أَمَا إنَّهُمْ سَيُهْزَمُونَ” -أي الفرس- قال: فذكر ذلك أبو بكر للمشركين، قال: فقالوا: أفنجعل بيننا وبينكم أجلًا فإن غَلبوا -أي الروم- كان لك كذا وكذا، وإن غَلبنا كان لنا كذا وكذا، وقال: فجعلوا بينهم وبينه أجلًا خمس سنين، قال: فمضت فلم يُغلَبوا -أي الفرس-، قال: فذكر ذلك أبو بكر للنبيّ ﷺ، فقال له: “أَفَلا جَعَلْتَهُ دُونَ العَشْرِ”، قال سعيد: والبضْع ما دون العشر، قال: فَغُلِبَ الروم، ثم غَلبت، قال: فذلك قوله: {الم *غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ..}[الروم ١-٣] قال: البضع: ما دون العشر، {لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم- ٤] قال سفيان: فبلغني أنهم غَلبوا يوم بدر”1.

إنها قضية ولاءٍ وبراء

عندما ننظر إلى الكثير من الآراء الرائجة حول صراعات واقعة اليوم –فلسطين نموذجًا- نجد أنّ الكثيرين يقّدمون أسبابًا كثيرة حول أصل الصراع سواء كانت حقوقية، اجتماعية، فكرية، اقتصادية أو سياسية، ويهملون العامل الديني، وبالرغم من تشابك هذه العوامل وتأثيرها في نشوب حروب متعددة، إلا أنَّ جل الحروب عبر التاريخ كانت ذات بُعد ديني، فمن العجب أن يتم التنكر لأحد أهم أسباب الحروب، ولعل المزاج العلماني فضَّل تلك السرديات اللادينية، لكننا سنلاحظ وضوح غايات الاصطفاف والمناصرة في المجتمع المكّي عند كلٍ من المسلمين والمشركين، فالتقارب العقدي كان المعيار الذي على أساسه انحاز كل فريقٍ لصاحبه.

حرب الفرس والروم

روى أسباط، عن السُدي، عن أصحابه، قال: اقتتلت فارس والروم، فغلبتهم فارس، ففخر أبو سفيان بن حرب على المسلمين، وقال: الذين ليس لهم كتاب غَلبوا على الذين لهم كتاب” [تفسير السمرقندي]، وعن عكرِمة، أنّ الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض، قالوا: وأدنى الأرض يومئذ أَذْرعات، بها التقَوا، فهُزِمت الروم، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ وأصحابه وهم بمكة، فشقَّ ذلك عليهم، وكان النبيّ ﷺ يكره أن يظهر الأميُّون من المجوس على أهل الكتاب من الروم، ففرح الكفار بمكة وشمتوا، فلقوا أصحاب النبيّ ﷺ، فقالوا: إنكم أهل الكتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أمِّيُّون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرنّ عليكم، فأنزل الله {الم *غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ… } [الروم ١-٤]2.

ومن الملفت للانتباه حماسة المشركين لانتصار الفرس وشماتتهم في المسلمين على الرغم من احتقار الفرس للعرب جميعًا، يقول ابن حزم رحمه الله: (إنّ الفرس كانوا من سعة الملك وعلو اليد على جميع الأمم وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى إنهم كان يسمون أنفسهم الأحرار والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتُحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، وكان العرب أقل الأمم عند الفرس خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى)3.

وقد بدا هذا جليًّا في انفعال كسرى عندما أرسل له النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا يدعوه إلى الإسلام، فمزقه وقال في غطرسة: (عبدٌ حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي). ويزداد العجب عندما نجد حديثهم مقتصرًا على الجانب العقدي، معرضًا عن غيره لا سيما الجانب الاقتصادي، حيث كان بإمكانهم تبرير هذا التأييد للفرس بانفتاح الفرصة أمام فارس لإحكام الهيمنة على اليمن، وبالتالي نشاط الطريق التجاري الصحراوي، مما يؤول إلى انتعاش تجارتهم، بسبب ركود التجارة البحرية التي يسيطر عليها الروم، لكن يبدو أنّ العامل العقدي عند الشدائد أشد وطئًا وأقوم قيلا!

نصرٌ من الله وفتحٌ قريب

تحقق وعد الله بنصره الروم على الفرس في يومٍ أظهرَ فيه المسلمين على المشركين، حيث رُوي أَنَّ إِيقَاعَ الرُّومِ بِالْفُرْسِ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، وَرَوَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّ الْخَبَرَ وَصَلَ يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفِي كِلَا الْيَوْمَيْنِ كَانَ نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ”4، وبعدها انفتح الأفق للمسلمين للتوجه نحو “أدنى الأرض” وهي أَقْرَبِ أَرْضِ الشَّامِ إِلَى أَرْضِ فَارِسَ، قَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ أَذَرِعَاتُ وَكَسْكَرُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَرْضُ الْجَزِيرَةِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْأُرْدُنُ وَفِلَسْطِينُ”5. وقد وافق السُدِّي مقاتل في تفسيره ويبدو أنها الأردن وفلسطين حيث بيت المقدس وبلاد الشام، فكانت سَريّة مؤتة أولى المواجهات بين المسلمين والروم، ثم تبعتها غزوة تبوك والتي كانت المعركة الاستراتيجية التي وجّه النبي -صلى الله عليه وسلم- أنظار المسلمين من خلالها إلى الوجهة التي عليهم استئناف الفتوح فيها من بعده لتنبيههم إلى تلك البقعة المباركة، ولكسر شوكة القوة العظمى في الأرض، وقد نصرهم الله بالرعب، وأخضع لهم قبائل عربية من النصارى، فتمهد طريق الفتوح الكبرى للمسلمين بعد ذلك.

ماذا عن واقعنا المعاصر؟

إذا نظرنا إلى المجتمع المسلم اليوم، بعد اطلاعنا على نموذج المجتمع النبوي في وعيه السياسي، سندرك حجم الفجوة الموجودة عند عامة المسلمين، فثمة جهلٌ كبيرٌ بما يدور حولهم، وإن علم أحدهم شيئا؛ تلقاه -غالبًا- بلا مبالاة. طاحونة الحياة، وكدر العيش، وانسداد الأفق المتوارث منذ عقود، وضمور الثقافة والوعي، من الأسباب التي آلت إلى تلك الحالة من الأميّة السياسية الملفتة للانتباه. ومع أننا قارنّا حالة المجتمع المكي بحالة مجتمعاتنا الحالية، إلا أنّ الأمية السياسية في عصرنا أنكى. ففي الماضي، لم تكن نتائج الحرب بين الفرس والروم لتؤثر على العرب -لا سيما أهل الحجاز- تأثيرًا ذا بال لولا العبقرية الاستراتيجية النبوية. أما الآن، فهذه الأحداث العالمية لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على بلادنا وأمتنا على أصعدة متعددة.

وهناك فئات أخرى -ليست بالقليلة- تجمدت على أحوالٍ عالمية سابقة، فأعرضت عن كل جديدٍ ومتغيِّر في العالم، فتراه اليوم رغم التحولات الكبرى التي حصلت في موازين القوى العالمية، لا يزال يرى أمريكا كما كانت قبل عشرين عامًا مثلا، أي أنها السيدة الأولى التي لا تُناطَح، رغم تصادم هذه الآراء مع رؤية أبناء تلك الأقطاب، فنجد وزير الدفاع في فترة ترامب الأولى، مارك إسبر يقول: “إنّ الولايات المتحدة دخلت حقبة جديدة في منافسة القوى العظمى مثل الصين وروسيا، وقد وجدنا أنفسنا خلال عام ٢٠١٧ في وضع “ضمور إستراتيجي” بعد ما يقرب من عقدين من التركيز على صراع منخفض الحدة في العراق وأفغانستان”، ونجد منهم من يبني على ذلك تصورات مستقبلية بل وأحيانًا رؤى إصلاحية، وهذا ليس من هدي النبوة ولا من طباع المؤمن الكَّيّس الفطن.

وماذا عسانا أن نفعل؟

 يجب على أبناء الأمة أن يكترثوا بالصراعات الواقعة في الأرض، وموازين القوى التي تحكمها، وبتغيُّرات العالم والإزاحة التي تحصل في أقطابه، حتى يكونوا على نورٍ وهدى وعلم في تصوراتهم، وبالتالي تحركاتهم. وكذا عليهم أن يؤسسوا أنفسهم فكريًا وعقديًا ونفسيًا، وأن يسعوا للتعلُّم المستمر لفهم التحولات الكبرى والقوى الجديدة التي تتشكل في العالم، حتى يعلموا موضعهم في العالم الجديد، بل ويصنعوه.

أسأل الله أن يبلِّغ هذه الأمة رشدها.

مصادر للاستزادة

كتاب الربيع الأول، أستاذ وضاح خنفر

المراجع

  1. تفسير الطبري. ↩︎
  2. المصدر السابق. ↩︎
  3. كتاب: الفصل في الملل والأهواء والنحل. ↩︎
  4. تفسير الطبري. ↩︎
  5. تفسير البغوي. ↩︎

شيماء مصطفى

مهتمة بالفكر وقضايا الأمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى