شمس الدين الذهبي، أو كما يعرف باسم الإمام الذهبي. واحد من أشهر علماء الحديث والتأريخ الإسلامي. طلب الحديث وهو ابن ثمانية عشرة عامًا فقط، ويشتهر بأنه شيخ المحدثين ومؤرخ الإسلام؛ فقد استطاع برجاحة عقله وسعة أفقه أن يجمع بين أكبر قدر ممكن من حوادث التاريخ الإسلامي ورجاله، مع معرفة وإلمام كبير بعلم الجرح والتعديل (وهو من العلوم المتعلقة برواة الحديث)، واهتمام فائق بالتراجم التي استحوذت على جزء كبير من كتبه ومؤلفاته. وقد ترك الإمام الذهبي إرثًا ضخمًا للمكتبة العربية الإسلامية، حيث إن مؤلفاته قد جاوزت مائتَيْ كتاب.

اسمه ونسبه

الإمام الذهبي، هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي الفارقي الدمشقي الشافعي. ولد لأسرة كريمة تركمانية الأصل تعود أصولها إلى بني تميم، والتي سكنت دمشق، ثم مدينة ميافارقين بديار بكر؛ حيث يقال إن جد أبيه قايماز قد قضى حياته وتوفي هناك عام 661هـ، عن عمر يناهز المائة. وقد قال الإمام الذهبي: “قايماز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي جد أبي”.

أما والده فهو شهاب الدين أحمد، الذي ولد عام 641هـ تقريبًا. وكان يعمل في صناعة الذهب المدقوق، ولبراعته في عمله أطلق عليه اسم الذهبي، ويقال إنه كان من الرجال الصالحين المحبين للعلم؛ لذا فقد ربى ابنه على حب العلم وطلب المعرفة. وبسبب اللقب الذي أطلق عليه فقد عرف إمامنا بابن الذهبي، ويؤكد البعض أنه قد امتهن مهنة أبيه في بداية حياته، ولهذا أطلق عليه معاصروه مثل الصلاح الصفدي والحسيني وعماد الدين ابن كثير وتاج الدين السبكي اسم الذهبي. أما عمته فهي ست الأهل بنت عثمان، والتي كانت راوية في الحديث، وكان خاله علي بن سنجر من أهل الحديث كذلك.

ميلاده ونشأته

الإمام الذهبي

ولد الإمام الذهبي في كفر بطنا، وهو مكان قريب من دمشق، في الثالث من ربيع الآخر عام 673هـ، الموافق الخامس من أكتوبر عام 1274م. وانضم إلى حلقات تحفيظ القرآن الكريم في سن مبكرة، فحفظه جيدًا وأتقن تلاوته. وحين وصل إلى الثامنة عشرة من العمر اتجه إلى تعلم القراءات، وتتلمذ حينها على يد عدد من شيوخ الإقراء الثقال، مثل العسقلاني وجمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن غال، وتعلم على أيديهم القراءات السبع، ثم تتلمذ على يد شيوخ آخرين حتى أصبح متقنًا للقراءات وأصولها، وما يتعلق بها من مسائل؛ حتى أن شيخه محمد بن عبد العزيز الدمياطي لما رأى ما وصل إليه من إتقان لهذا الفرع وهو في هذا السن الصغير، تنازل له عن حلقته التي كان يلقيها في الجامع الأموي حين اشتد عليه المرض وأصبح من الصعب عليه أن يحضرها.

وفي هذا الوقت مال الإمام الذهبي لسماع الحديث، فاتجه لدراسته وبدأ رحلته الطويلة في طلبه من شيوخه المعروفين ولازمهم حتى أتقنه. كما درس الإمام الذهبي علومًا أخرى كاللغة العربية والنحو على يد الشيخ ابن أبي العلاء النصيبي وبهاء الدين بن النحاس، كما أنه درس المغازي والسير والتراجم والتاريخ. وكان يتواصل مع ثلاثة من أهم شيوخ عصره وهم: ابن تيمية، جمال الدين أبي الحجاج المزي، والقاسم البرازلي المزداد.

رحلاته في طلب العلم وإنجازاته

بدأ الإمام الذهبي أولى رحلاته في طلب العلم ببلاد الشام، فسافر إلى بعلبك عام 693هـ / 1293م، ثم ذهب لحلب وحماة وطرابلس، والكرك ونابلس والرملة والقدس. بعدها اتجه لطلب العلم في مصر سنة 695هـ / 1295م؛ حيث بدأ بالقاهرة ثم الإسكندرية ودمياط. والتقى وتعلم على يد أكبر الشيوخ هناك، على رأسهم ابن دقيق العيد وبدر الدين ابن جماعة وشرف الدين الدمياطي. وبحلول عام 698هـ / 1298م ذهب لأداء فريضة الحج مع مجموعة من أصدقائه الشيوخ، كالشيخ ابن الخراط الحنبلي، وذهب لمكة والمدينة وعرفة ومنى، والتقى العديد من الشيوخ فيها قبل أن يعود لدمشق مرة أخرى.

وفي عام 703هـ الموافق 1303م تولى الإمام الذهبي الخطابة في مسجد كفر بطنا، وظل هناك حتى عام 718هـ / 1318م. وفيها ألف مجموعة من أفضل وأهم كتبه، وفي نفس العام تولى مشيخة الحديث في دار حديث تربة أم صالح التي كانت من أكبر دور الحديث بدمشق، وظل هناك حتى وفاته. كما أنه تولى مشيخة دار الحديث الظاهرية عام 729هـ / 1228م، ومشيخة المدرسة النفيسية ودار القرآن والحديث التنكزية عام 739هـ الموافق 1338م.

مؤلفاته

الإمام الذهبي

ألف الإمام الذهبي العديد من الكتب التي تخطت مائتي كتاب، والتي كانت في كل مجالات الثقافة الإسلامية؛ كالقراءات والحديث والفقه والعقائد والرقائق وعلوم التاريخ وفروعه كالسير. ومن أهم هذه المؤلفات ما يأتي:

  • تاريخ الإسلام.
  • سير أعلام النبلاء.
  • العبر في خبر من غبر.
  • ميزان الاعتدال في نقد الرجال.
  • اختصار تاريخ بغداد.
  • اختصار تاريخ دمشق.
  • ديوان الضعفاء والمتروكين وخلق من المجهولين وثقات فيهم لين.
  • الرسالة الذهبية إلى ابن تيمية.
  • دول الإسلام.

تلاميذه

تتلمذ على يد الإمام الذهبي العديد من طلاب العلم طوال حياته. ومن أبرز تلاميذه: صلاح الدين الصفدي، الحافظ ابن كثير، الحافظ شمس الدين الحسيني، تقي الدين بن رافع السلامي، تاج الدين السبكي، أبو الطيب المكي الحسني الفاسي وغيرهم.

انتقادات وُجهت للإمام الذهبي، وآراء العلماء الآخرين فيه

إن أبرز انتقاد ومديح وُجه للإمام الذهبي كان من قبل أحد تلاميذه؛ وهو تاج الدين السبكي. حيث نجد أنه امتدحه فقال: “أما أستاذنا أبو عبد الله، فبصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظًا، وذهب العصر معنى ولفظًا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل؛ كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد، فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها. وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عداد الجماعة”.

لكنه انتقده في طبقات الشافعية الكبرى في الجزء الثاني فقال: “وأما تاريخ شيخنا الذهبي فإنه على حسنه وجمعه مشحون بالتعصب بالتفريط -لا وَاخَذَه اللهُ-؛ فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين -أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق-، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين. ومال فأفرط على الأشاعرة، ومدح فزاد في المجسمة. هذا وهو الحافظ الدرة والإمام المبجل فما ظنك بعوام المؤرخين”. وقد رأى العديد من العلماء أن حديث السبكي هذا كان زلة قلم.

ومن جانب آخر نجد العديد من العلماء الآخرين الذين أبدوا رأيهم في الإمام الذهبي؛ كالشوكاني الذي قال عن مصنفات الذهبي في البدر الطالع: “جميع مصنفاته مقبولة، مرغوب فيها، رحل الناس لأجلها، وأخذوها عنه، وتداولوها، وقرؤوها، وكتبوها في حياته، وطارت في جميع بقاع الأرض. وله فيها تعبيرات رائقة، وألفاظ رشيقة غالبًا، لم يسلك مسلكه فيها أهل عصره، ولا من قبلهم، ولا من بعدهم. وبالجملة: فالناس في التاريخ من أهل عصره فمن بعدهم عيال عليه، ولم يجمع أحد في هذا الفن كجمعه، ولا حرره كتحريره”. وقال عنه الدكتور بشار عواد في كتاب “الذهبي ومنهجه في تاريخ الإسلام”: “ولم يكن الذهبي متعصبًا للحنابلة، بالمعنى الذي صوّره السبكي، فالرجل كان محَدِّثًا، يُحب أهل الحديث ويحترمهم”.

وفاته

ظل الإمام الذهبي يمارس نشاطه العلمي والديني، ويقوم بالتدريس لطلاب العلم في مدارس الحديث بدمشق ويؤلف الكتب، حتى ضعف بصره وفقده تمامًا في أواخر أيامه. إلى أن توفي ليلة الاثنين الموافق 3 ذي القعدة عام 748هـ / الرابع من فبراير عام 1348م. ودفن بمقابر باب الصغير، وحضر جنازته الكثير من العلماء من بينهم تاج الدين السبكي، وقد رثاه العديد من تلامذته على رأسهم الصفدي والسبكي.

124

المصادر
الكاتب

سارة سعد

كاتبة محتوى حصري منذ 2016م. حاصلة على ليسانس الآداب، دبلومة التربية ودورة في اللغة العربية. أقوم بتحضير الماجستير في الفلسفة أحب القراءة، السفر، وألعاب التفكير.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.