الحافظ ابن حجر العسقلاني… أمير المؤمنين في الحديث

«أمير المؤمنين في الحديث» لقبٌ قد بلغه ابن حجر العسقلاني في علمه واتساع فهمه، وهو ليس لقب مدح يمدح به في كل حين، وإنما هو لقب لا يظفر به إلا الأفذاذ النوادر، الذين هم أئمة الحديث والموجع إليهم به، فمن هو ابن حجر العسقلاني؟ وكيف بلغ بعمله هذه المرتبة؟  

اسمه ومولده

ابن حجر العسقلاني هو أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن على بن محمود بن حجر، الكناني، العسقلاني، الشافعي، وكان لقبه رحمه الله شهاب الدين، وقد كني بأبي الفضل، ولد في الثاني والعشرين من شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة 773هـ على شاطئ النيل بمصر.

نشأته

نشأ رحمه الله يتيمًا، حيث توفيت أمه وهو طفل، فقام والده برعايته وتربيته، وكان قد اصطحبه معه إلى الحج وزيارة البيت المقدس، فقدّر الله أن يتوفى أبوه وهو ابن أربع سنين، فيصبح بذلك يتيمًا يتربى تحت كنف أحد أوصيائه، زكي الدين الخروبي.

دخل ابن حجر إلى الكتّاب وهو ابن خمس سنين، وقد أتم حفظ كتاب الله وهو ابن تسع سنين، وصلى بالناس التراويح في الحرم المكي سنة 785هـ، وله من العمر اثنا عشر عامًا، وكان ما زال تحت وصاية زكي الدين.

أوصافه الخَلقية

كان ابن حجر رحمه الله متوسط القامة، أبيض اللون، كثيف اللحية، حَسَن الشَّيبة، سليم الحواس، ثابت الأسنان نقيَّها، صغير الفم، قويَّ البُنْيَةِ، عالي الهِمَّة، حسن الشكل، خفيف المشي، رشيق الحركة.

سيرة ابن حجر العسقلاني العلمية

ابن حجر العسقلاني

امتاز رحمه الله بعلو همته في طلب العلم، فها هو يفوق أقرانه في الأدب ونظم الشعر وكتابة النثر ولم يبلغ من العمر العشرين، وقد أظهر في صغره الاهتمام الشديد بالتاريخ وعلومه.

وعندما بلغ الحافظ ابن حجر العشرين من عمره أذن المولى إن يُسكب حب علم الحديث في قلبه، فلا يُرى بعدها إلى مقبلًا على الحديث وأهله، متوجهًا إلى علومه بكل حواسه، قراءةً وسماعًا وكتابة، حتى أنه لم يقتصر في طلبه للحديث على علماء مصر، إذ قد عزم أمره على السفر إلى شتى البقاع، فبلغ الشام والحجاز واليمن وغيرها، غايته في ذلك أخذ العلم عن أهله. 

شيوخ ابن حجر العسقلاني

قد بلغ عدد شيوخ ابن حجر رحمه الله الشيء الكثير، فقد ذُكر أن عددهم فاق الخمس مئة، وكان رحمه الله قد أخذ على أيديهم جميع علمه، من الأدب والحديث والفقه وغيره…، وقد أحصى العلماء أسماء شيوخ الإمام جميعهم.

فها هو تلميذ الشيخ، شمس الدين السخاوي، في كتابه الجواهر والدرر، قد قسم شيوخ الإمام ابن حجر إلى ثلاثة أقسام، أولها من أخذ عنه سمعًا، وثانيها من أخذ عنه إجازًة، وثالثها من أخذ عنه مذاكرًة، ثم أخذ السخاوي يذكر تحت كل قسم شيوخه الواحد تلو الأخر.

وفي هذا المقام سنقتصر على ما ذكره العلماء من أهم الشيوخ الذين أثروا على الإمام رحمه الله، فنذكر منهم:

  • عفيف الدين النشاوري، المتوفى سنة 790هـ.
  • محمد بن عبد الله بن ظهير المكي، المتوفى سنة 817هـ.
  • أبو الحسن الهيثمي، المتوفى سنة 807هـ.
  • ابن الملقن، المتوفى سنة 804هـ.
  • سراج الدين البلقيني، المتوفى سنة 805هـ، وهو أول من أذن له بالتدريس والإفتاء.
  • أبو الفضل العراقي، المتوفى سنة 806هـ، وهو الذي لقبه بالحافظ، وعظم شأنه، وفخم أمره، وشهد له بأنه أعلم أصحابه بالحديث، وغيرهم الكثير.

تلاميذ ابن حجر العسقلاني

عندما اشتد علم الشيخ واشتهر اسمه، إذ بطلبة العلم يتوافدون إليه من كل حدب وصوب، وكيف لا ومن ذاق علم العلماء لم يشبع منه حتى ينغمس فيه، وكذا حال طلبة العلم الذين ذاقوا طعم علم الإمام بقلوبهم، فأقبلوا عليه راجين من الله أن ينفعهم بعلمه، فاجتمع في مجلسه من الطلبة ما ضاقت به المجالس وامتلأت به المدارس.

ولأن المقام لا يسمح بذكر جميع طلبة الحافظ ابن الحجر، سنقتصر على ذكر أبرزهم وأشهرهم:

  • الإمام شمس الدين السخاوي رحمه الله، خريج الإمام ابن حجر، وخصيصه، وناشر علمه، المتوفى سنة 902هـ.
  • برهان الدين البقاعي، المتوفى سنة 885هـ.
  • زكريا الأنصاري، المتوفى سنة 926هـ.
  • ابن قاضي شهبة، المتوفى سنة 874هـ.
  • ابن تغري بردي، المتوفى سنة 874هـ.
  • ابن فهد المكي، المتوفى سنة 871هـ.

وغيرهم الكثير نفع الله بهم وجزاهم خيرًا على ما نشروا من العلم.

مصنفات ابن حجر العسقلاني

ابن حجر العسقلاني

قد همّ الحافظ ابن الحجر على تصنيف الكتب وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، واستمر على ذلك إلى قبيل وفاته، وقد ذكر السخاوي أن مصنفات الحافظ ابن حجر قد فاقت 270 مصنفًا، نذكر منها:

  • فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
  • تهذيب التهذيب.
  • لسان الميزان.
  • التلخيص الحبير.
  • الدرر الكامنة.
  • تغليق التعليق.
  • إنباء الغمر بأبناء العمر.

أعماله

عمل الحافظ ابن حجر في تدريس شتى العلوم، كالتفسير والفقه والحديث وغيرها، في العديد من المدارس، قيل أنها بلغت عشرين مدرسة، وقد شرع رحمه الله في الإملاء سنة 808هـ، واستمر بذلك إلى أن مات، فكان محصلة الأمر ما يزيد على ألف مجلس.

كما تولى رحمه الله القضاء سنة 827هـ، وقد مكث في ذلك أحد عشر عامًا، وقد خطب في جامع الأزهر، وجامع عمرو بن العاص، وتولى منصب الإفتاء أكثر من ثلاثين سنة.

وفاة ابن حجر العسقلاني

من أهم ما يروى في هذا المقام أنه رحمه الله، وهو في أحد مجالس الإملاء في ربيع الأول سنة 852هـ، قد روى لحاضريه رؤية رأها في منامه، أنه رأى أحد رواة الحديث يقدم له مائدة عليها عشرة أرغفة، عاشرها مكسور منه جزء، فأوّلها الحاضرون على أنها عشرة سنين يعيشها الشيخ، لكن الله كتب أن تكون عشرة شهور، إذ قد مرض الشيخ رحمه الله في ذي القعدة من سنة 852هـ، واشتد عليه المرض إلى أن توفاه الله في ذي الحجة سنة 852هـ، فرحمه الله وجزاه خير الجزاء.

ورحم الله برهان الدين البقاعي عندما قال في حق شيخه، ابن حجر:

إن قلتَ نهرٌ فهو للحَجَر انتمى… ومِنَ الحجارةِ مَنبعُ الأنهارِ
أو قلتَ بحر فعسقلانُ أصلُه … والناسُ عالةُ بحرِها الزَّخارِ
يا شيخَ الإسلام الجليلُ مقامُهُ … فالغَيرُ لا يدنُو مِنَ الآثارِ
كم قد رحلتَ وقد جمعتَ مصنَّفا … فالدِّينَ قد أحييت بالأسفارِ
وسكنتَ في العليا تُقَى وفضائلًا … أنتَ الشِّهابُ بك اهتداءُ السَّاري
رحَلَتْ إليك الطالبون ليقتدوا … وتتابعوا سُبقًا مِنَ الأقطارِ

تراجم ابن حجر العسقلاني

ابن حجر العسقلاني

وقد ترجمه عدد كبير من العلماء والمصنفين، نذكر منهم:

  • الضوء اللامع للسخاوي.
  • التبر المسبوك للسخاوي.
  • نظم العقيان للسيوطي.
  • حسن المحاضرة للسيوطي.
  • شذرات الذهب لابن العماد.
  • البدر الطالع للشوكاني.
  • رفع الإصر له رحمه مترجمًا نفسه.
  • الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي.

الخاتمة

رحمك الله يا ابن حجر العسقلاني، فأنت أمير المؤمنين في الحديث، فريد زمانك وحامل لواء السنة في أوانك، الحافظ الكبير والشهير، صاحب فتح الباري في شرح البخاري، الذي أوضحت به المُشكل وأنرت به الخفي، فرحمك الله وجزاك عن أمة المصطفى خير الجزاء.

المصادر:

  • الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي.
  • علوم الحديث وتراجم أعلامه وفرسانه تأليف الدكتور مأمون حموش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى