كيف تبدّلت مفاهيم الأمة ودخلنا في حالة من التيه؟

كنا قد بدأنا حديثاً-ما زال متواصلا-عن منظومة النظام العالمي التي ترسخ لهيمنته وقلنا أنها في فكرتها أشبه ما تكون بعالم وهمى من الأكاذيب والأباطيل التي تحاصر العقول والإرادات، وتبقيها داخل حدود الأطر المراد لها، حتى لا تحاول الشعوب عامة -والمسلمين منهم خاصة-الخروج عن تلك الأطر، فتبقى داعمة لهيمنة وتغول ذلك النظام على العالم.

وذكرنا أن تلك المصفوفة إنما تعمل على ثلاثة محاور، كان أولها هو طمس مفاهيم الأمة والطعن فيها وتجريمها، وهو المحور الذي أفردنا له مقالا بعنوان: كيف ألقت الأمة بجوهرتها الثمينة على قارعة الطريق؟!

وهذه المرة سيكون حديثنا عن المحور الثاني، وهو: إيجاد مفاهيم بديلة لشغل الفراغ الذي تركه الطعن على مفاهيم الأمة وتفريغها من معانيها والطعن فيها.

فمثلاً…

لو أن الأمر توقف على حدود الطعن على وحدة المسلمين تحت راية الخلافة وتسفيه عقيدة الولاء والبراء، ورمى المستمسكين بذلك بالتطرف والإرهاب، فلربما ظلت تلك المفاهيم تداعب عقول المسلمين وتوقظها من قريب، ولكن إن فتحت أبواب التيه الفكري، فهو ادعى أن يتخبطون فيه عقوداً من الزمن على غير هدى.

فالطعن على دولة الخلافة يجب أن يتبعه رمى العقول في تيه الدولة الوطنية، والقومية والعروبة والديمقراطية والطعن على عقيدة الولاء والبراء للدين، يجب أن يتبعه رمى العقول في تيه المواطنة وحدود سايكس بيكو، والوطنية الشوفينية، ومصالح الوطن والحرب على الإرهاب.

والطعن على فريضة الجهاد دفعا عن بيضة الدين، لابد وأن يتبعه الرمي في تيه الدفاع عن الحدود والأرض والمصالح الوطنية.

وهكذا…

يحدث ذلك على كل المستويات، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية والشرعية، ولو أردنا التفصيل في كل مستوى من تلك المستويات لطال بنا الحديث، ولكن نشير إشارات سريعة، يقاس عليها ما لم نذكره.

اقرأ أيضا: الإحتلال عبر المصطلح واللفظ !

فعلى المستوى الاجتماعي مثلاً

تجد أن المجتمعات المسلمة صارت اجنح للبناء الكاثوليكي الاجتماعي منها إلى الإسلامي، فالمجتمعات المسلمة صارت تجرم التعدد وتستقبحه، وتستهجن الطلاق، وصار حرمان المطلقة أو الأرملة من الزواج مرة ثانية عرفا مستقراً فيها، فقد تم استبدال شرائع الإسلام -بالطعن عليها وتسفيهها-على مستوى عرف المجتمع بشرائع الكاثوليكية. فالتعدد خيانة زوجية، وزواج المطلقة أو الأرملة إغراق في الشهوات، فلندع كل ذلك إذن لقبحه، ولكن…لا مانع من (المصاحبة) مثلاً بغير زواج فذلك أهون من زواج على زواج، ولا مانع من الإقرار بحقوق الشواذ، بدلاً من النزول على حق المطلقة أو الأرملة في الزواج ثانية. وهكذا…

أما على المستوى السياسي

فقد ذكرنا تقديم الولاء للحدود كبديل للولاء للعقيدة، وتقديم فكرة التحاكم لرأى الأغلبية -الديمقراطية-كبديل للتحاكم للشريعة الربانية.

وعلى المستوى الاقتصادي

تخبطت المجتمعات المسلمة بين الرأسمالية المتوحشة، والاشتراكية السالبة لحق الملكية إبعادا لها عن النظام الإسلامي الذي يحترم ملكية الفرد ويحفظ حق الفقير. لا للزكاة لأنها تؤخذ بوازع الإيمان والدين قبل وازع السلطان، ولا مانع من الضرائب والمكوث التي تؤخذ باسم النظم الوضعية البشرية. أهلا بالربا الذي لا غنى عنه في ظل نظام عالمي يقره، وبعدا للصكوك الإسلامية وعقود المضاربة التي تقرها الشريعة.

فقط اطمس كل ما مصدره الشريعة والق بعقولهم في تيه البدائل البشرية ليتخبطوا فيه.

وعلى المستوى العسكري

استبدلت وزارات (الجهادية) في بلاد المسلمين بوزارات (الدفاع)، وياليتها تدافع عن بيضة الدين أو حرمات المسلمين أو دولهم، بل صارت عقائد الجيوش هي الدفاع عن حدود وضعها لهم أعدائهم لا يتجاوزون عنها. بل حتى تلك الحدود لم يدافعوا عنها، فشاهدنا جيوشا سلمت سلاحها مع الغزو الخارجي، وشاهدنا جيوشا انحازت لنظم مجرمة على حساب الدين والشعب والحدود. وشاهدنا جيوشا ضحت بكل شيء من أجل مصالحها الاقتصادية الخاصة وطاعة الفراعين من حكامها.

إقرأ أيضا: المصطلحات الملغّمة في خطاب الجماهير.

فلا مانع من استخدام السلاح من أجل الحدود الأرضية، أو الأنظمة العلمانية الفاسدة أو حتى المصالح الخاصة، ولكن لا للجهاد من أجل إسقاط تسلط الطواغيت على الناس أو دفع الظلم عن المستضعفين أو التخلية بين الناس وبين دعوة الإسلام، فذلك هو التطرف والإرهاب بعينه.

وبذلك كان يتم في كل مرة طمس مفهوم من مفاهيم الأمة والطعن عليه بكل مسلبة ونقيصة، ثم إيجاد مفهوم أو عدد من المفاهيم البديلة شغلا للأمة عن مرجعتيها الحقيقية والتي يمثل مجرد التمسك بها تقويضا وهدما في أساسات هيمنة النظام العالمي وتغوله.

إيهاب السعيد

مسلم مهتم بشأن أمته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى