عرفت الإنسانية الفقر والفقراء منذ أزمنة ضاربة في أغوار التاريخ، وحاولت الأديان والفلسفات منذ القدم أن تحل مشكلة الفقر، وتخفف من عذابات الفقراء، حينًا عن طريق الوصايا والمواعظ والترغيب والترهيب وتارة عن طريق النظريات في عالم مثالي لا تفاضل فيه ولا طبقات ولا فقر ولا حرمان.

عالم مرسوم على صفحات الكتب لا في واقع الناس وأبرز مثال لذلك جمهورية أفلاطون، قبل بضعة قرون من ميلاد المسيح عليه السلام، وطورًا عن طريق حركات متطرفة تريد معالجة الانحراف الواقع بانحراف أشد منه، وبين هذا وذاك ظل الفقر مشكلة متجذرة في المجتمعات. 

الفقر في عصر المادية

الفقر

رغم سعي الإنسان في هذا العصر إلى توفير الماديات والركض نحو الرفاهية بأنواعها المختلفة، ما يخيل إليك أن البشر قد تحسنت أحوالهم! إلا أننا نجد الهوّة تزيد كل يوم بين طبقات المجتمع، والفقر يستشري بين فئة كبيرة من الناس في مختلف الشعوب، وقد بلغت إحصائيات الفقراء في العالم اليوم حوالي 689 مليون إنسان. 

مع تمكّن الفلسفة العلمانية من تفاصيل الحياة، وترسيخها للرأسمالية التي جعلت البشر تروس خادمة للمؤسسات والشركات عابرة القارات، أصبح إفقار بعض الشعوب وحرمانها أحد أهم الأدوات لصناعة الفقر الذي يخدم فئة على حساب البشر عامة والمسلمين بصورة خاصة.

كما أنّ الاستعمار له عظيم الأثر في إفقار الشعوب رغم غِنى أرضها، فما زالت 14 دولة في إفريقيا تدفع الضرائب لفرنسا بسبب اتفاق استعماري، كما ترك الاستعمار خلفه الحكام المستبدين لينتشر الفساد في مفاصل الدول، وتُحتكر الأموال عند فئة معينة تضم الحكام وعوائلهم أو المقربين من السلطة. 

ورغم أن مشكلة الفقر احتلت مكانًا في برامج السياسيين حول العالم بمختلف أحزابهم ومرجعياتهم، والاقتصاديين بشتى نظرياتهم، والفلاسفة بشتّى فلسفاتهم، فبين كُل غثاء الماضي والحاضر كان منهج الإسلام دومًا هو النور البازغ في ظلام الفقر. 

جاء بمنهجه القويم ليفتح الطريق الشاملة المتكاملة أمام البشرية، ويُقدم الحلول الجذرية للقضاء على الفقر، حتى بلغ في عهد من عهود دولة الإسلام وقت إمامة “عمر بن عبد العزيز” أن لم يبق في بلاد المسلمين فقير أو محتاج. 

أثر الفقر على النفس المسلمة

لا شك أن الفقر لاسيما المدقع منه قد يولد في النفس الإنسانية شكًا في حكمة التنظيم الإلهي وتقديرات الله عز وجل، خاصة فيما نراه من أمثلة اليوم أو في سابق التاريخ، إذ يكون الفقير ساعيًا كادحًا والغنيّ متبطّلًا قاعدًا. 

كما قد يؤدي إلى سير الإنسان في دروب لا يرضاها الله عز وجل، في سبيل الحصول على لقمة عيشه؛ فتفسد نفسه وتفسد أخلاقه ويتعاظم الأثر ليمتد للمجتمع. 

فالفقر آفة سعى الإسلام للقضاء عليها، ولأن يحصل الفرد مسلمًا وكافرًا تحت ظل الإسلام على ما يعيش به نفسه من أساسيات الحياة التي لا تتحقق الإنسانية بها، وقد جاء في الأثر عن عمر بن الخطاب قوله: “لو كان الفقر رجلًا لقتلته”. 

فالإسلام يسير بمنهجه الوسطي العادل بعيدًا عن تطرف المقدسين للفقر والفقراء، ونظرة القائلين بأن الفقر قدر محتوم لا فكاك منه، وبعيدًا عن مناهج الشيوعيين والرأسماليين وكُل الأنظمة التي ما زادت الفقراء إلا جوعًا، ليشدد على الفقر الحصار، فيدرأ الخطر على العقيدة ومفاسد السلوك والأخلاق، ويحفظ الأسرة ويصون الأمة والمجتمع. 

كيف عالج الإسلام الفقر؟

الفقر

لا ينفصل الفرد المؤمن في تعامله مع حالته المالية عن أصل أن الدنيا دار بلاء وأنه مأمور بإعمار الأرض وإصلاح حاله وحال الأمة المادي، وقد استخدم الإسلام وسائل عديدة، شاملة، وجذرية لمعالجة الفقر تشمل الآتي: 

العمل

تختص الوسيلة الأولى بالفقير نفسه؛ إذ أمر الإسلام الفرد المسلم بالسعي والعمل والاجتهاد، وأن يلتمس الرزق في كُل أرض وكُل عمل، إلا أن يكون فيما لا يرضي الله، فعندما يعمل الفرد المسلم يغني نفسه ويسد حاجتها وحاجة أسرته ويفتقر إلى معونة الناس وسؤالهم ويساهم في غنى المجتمع بغنى نفسه وأهل بيته. 

وردت الآيات والأحاديث في حث الإنسان على السعي في رزقه، يقول سبحانه وتعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، كما جاء الأمر للسلاطين وأولياء الأمور بتسيير سبل العمل للرعية، وعلى أبناء المجتمع المسلم كافة العمل متضامنين للتغلب على الفقر وتوفير فرص العمل وتيسير سبل المعيشة على بعضهم البعض.  

كفالة الأقارب 

كان لا بد من وجود فئة لا طاقة لها للعمل والضرب في الأرض، وهؤلاء لم يتركهم الإسلام ليواجهوا العوز والحرمان، بل كفل لهم حقوقهم واضحة بائنة مأمور بها من وسّع الله عليه أو من أُمِر بكفالتهم من المسلمين. 

فكان أولِي القربى أولى الناس بالكفالة، سواء كان من باب الوجوب والفرض كإنفاق الرجل على زوجته وأبنائه، أو من باب الصدقات والمعروف كالأولوية للمعوزين من ذوي القربى، وغيرها من الأنصاب والفروض والشرائع التي يعزز الإسلام فيها التكافل الاجتماعي بين الناس بدءًا من الأقارب. 

الزكاة 

تُعدُّ الزكاة أوّل تشريع مُنظّم في سبيل الوصول للضمان الاجتماعي، ولا تعتمد على الصدقات الفردية التطوعية، بل هي ركن أساسي من أركان الإسلام، لا تكتمل أركان الإسلام لدى المستطيع إن لم يقم بها، وهي مساعدات منتظمة دورية يوزعها أولياء الأمر والقائمون على الزكاة لمستحقيها؛ لمساعدتهم على تحقيق الكفاية وإعفافهم بل والسعي لتمليكهم وسائل الرزق وتقريب الشقة بينهم وبين الأغنياء.  

كفالة الخزانة الإسلامية 

جعل الله لبيت مال المسلمين وما يرِد في خزانتهم دور كبير في علاج الفقر، فكان من أولى واجبات الدولة في الإسلام تحقيق العدل والدعوة للخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس من العدل ولا من الخير أن يجوع الضعفاء ويُحرم الفقراء. 

فعلى الدولة أن تتخذ الأساليب والوسائل للعلاج، التي تختلف باختلاف الأعصار والبيئات والأحوال، ففي عصر سيدنا “عمر بن الخطاب” حمى رضي الله عنه أرضًا قرب المدنية يقال لها “الربذة” لترعى فيها دواب المسلمين، وجعلها لمصلحة الطبقة الفقيرة؛ ليكون هذا المرعى المجاني وسيلة لزيادة دخلهم وإعفافهم وليستغنوا به عن طلب المعونة. 

إيجاب حقوق غير الزكاة 

فرض الإسلام حقوقًا مالية على المجتمع المسلم من باب الإنفاق مثل: حق الجوار، فتجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به”. 

وهناك الكفارات التي تُخرج في شكل أطعمة للمساكين مثل كفّارة الظِهار، والصيام للمرضى والشيخ الكبير والمرأة العجوز، والهدي في الحج وحق الزرع عند حصاده وما إلى ذلك. 

الصدقات الاختيارية والإحسان الفردي 

بعد فرض الحقوق والقوانين الملزمة عمل الإسلام على تكوين نفس خيرة، معطاءة وباذلة، تنفق أكثر مما وجب عليها، وتعطي أكثر مما فرض عليها، بل إن الإسلام أوجد النفس التي تؤثر على نفسها ولو كان بها خصاصة لتنفق على من هو أكثر حوجة منها، لتصبح حقيقة المال لدى هذه النفس المعطاءة -على حب الإنسان له- وسيلة لا غاية، فتنفق النفس ابتغاء مرضاة الله، لا لحق مكرهة عليه ولا لخوف عقوبة من ولي أمر. 

كان من أهم ما رغّب فيه الإسلام في باب الصدقات هو الصدقة الجارية أو الوقف الذي يوقفه الإنسان في حياته فيستمر أثره ودوام نفعه للأمة إلى ما شاء الله، وقد بلغت هذه الأوقاف من السعة والضخامة والتنوع ما بات مفخرة للنظام الإسلامي، وأصبح الفقراء يجدون فيها المأكل والمشرب والمأوى والملبس والشفاء والدواء، بل امتد أثرها ليبلغ الحيوانات. 

ذم الإسراف

الفقر

أمر الله سبحانه وتعالى العباد بكسب الرزق الحلال، وبين لهم مصارف أموالهم الواجبة والمستحبة والمُباحة، وكذلك نهى عن بذل المال فيما حرم الله وفي إسرافه وإضاعته وإعطائه للسفهاء. 

يعد الإسراف أحد أمراض عصرنا، فالحياة المادية المليئة بالمُتع والملذات لا تترك قرشًا إلا أخذته، لدرجة أصبح الاستهلاك والشراء شرهًا فاق حده، فأصبح المال ينفق على أمور لا حاجة للإنسان بها فقط بسبب ضغط السوق وثقافة الشراء. 

لا يشكل الإسراف مرضًا للأغنياء والميسورين فقط، بل يضغط على الفقراء كي يسعوا لشراء ما لا يملكونه مهما كلفهم الأمر، ما يجعل منهم الغارمين والمديونين ويزيد لفقرهم فقرًا، وقد نهى الإسلام عن الإسراف وذمّه في مواضع كثيرة، يقول صلى الله عليه وسلم: “كلوا واشربوا وتصدقوا من غير سرف ولا مخيلة”، وامتدح الله عز وجل ذمّ الإسراف، يقول تبارك وتعالى:

(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً)

لم يترك الإسلام ثغرًا دون أن يعمل على سدِّه ولا وسيلة إلا وفعّلها، إذ تدور هذه الوسائل المتنوعة حول علاج الجذور المختلفة لمشكلة الفقر، فتشمل نفس الفقير أولًا بإيجاب العمل والسعي في الأرض، وعلى المجتمع وولي الأمر تيسير أموره ليجد العمل الذي يلائمه. 

ثم ينتقل الإسلام من واجب الفرد نفسه إلى واجب الجماعة التي عليها كفالة الفقير سواء من باب الوجوب أو الاستحباب، بل كفالة المجتمع المسلم لكل من يعيش في كنفه حتى من غير المسلمين، ولنخرج من دوامة الفقر علينا تفعيل هذه الوسائل جميعها ولو في دوائر صغيرة في المجتمع، حتى يمتد الأثر ونستطيع القضاء على الفقر وسوء الحال الذي بات يعاني منه الكثيرون في عالمنا الإسلامي.

355

المصادر
الكاتب

د. إيلاف بدر الدين عثمان

إيلاف بدر الدين عثمان، خريجة صيدلة، باحثة في الدراسات الإسلامية والتاريخ وعلم الاجتماع.

التعليقات

  • مصطفى كن جمهورية مالي منذ أسبوعين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كيف الحال بارك فينا وفيكم نتمنى لكم التوفيق

    رد
  • مصطفى كن جمهورية مالي منذ أسبوعين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كيف الحال بارك فينا وفيكم نتمنى لكم التوفيق كيف هل يمكن أن أحصل على الكتاب أعني ملف pdf

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.