قضية الإلحاد ليست من المستجدات على الساحة الإسلامية، بل من القضايا الأزلية! والمواظب على قراءة التاريخ من صفحات القرآن الكريم سيجد تلك الآيات من سورة الأنعام:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (74) وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

تعريف الإلحاد

ليس بالضرورة أن يُلحِد الإنسان عن طريق الكفر بوجود الله فحسب! بل للإلحاد أنواع تكاد تخفى على من لم يتوغل في أعماق عقيدته ابتداءً، وقراءة كتب التاريخ انتهاء.

الإلحاد لغة

قال الكفوي: الإلحاد هو الميل عن الحق [2] ، وهذا أقرب إلى أن يكون تعريفا لغويا، ومن الممكن أن نقتبس مما ذكره المفسرون تعريفا اصطلاحيا.

الإلحاد اصطلاحًا

هو الميل عن الحق والعدول عنه فيما يتعلق بأسماء الله تعالى أو بيته الحرام أو بآياته الكرام في دلالتها أو فيمن تنزلت عليه.

صور الإلحاد

وتأتي صور الإلحاد إما بالكفر بالمُنعِم، أو بنعمهِ، أو بإنعامهِ، وقد يُتَطَرَّقُ إلىٰ الكفر بالأسماء والصفات، حتى يصل الأمر عند بعضهم والعياذ بالله إلى تخيُّلها، وهناك درجات أخرىٰ مثل الكفر بالنبوة، والأنبياء، والقرآن، وقد تأتِ مجتمعةً في مفهوم واحد “الإلحاد العصري” كما هو مسمىٰ في دول الغرب.

سيدنا إبراهيم يعلمنا كيف تكون المناظرة

نعود في سياق الحديث إلىٰ إبراهيم عليه السلام، نستنبط أن هناك بحثاً عن الحقيقة، نستنبط أن هناك تفكراً في ملكوت السماوات والأرض، نستنبط أن هناك قلقاً يجب أن نعرف من هو الله ؟ من هو الذي خلقني ؟ من هو الذي يطعمني ويسقيني ؟ من هو الذي يشفيني ؟

﴿ قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ } الشمس في النهار، ﴿ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾، -أفلت أي غابت- كله شرك في شرك.

هذا يسمونه أن تُجَاري الخصم ثم تضع الخصم في محنة كبيرة فكرية، أسلوب من أساليب الحوار، فسيدنا إبراهيم يعلمنا أساليب الحوار، أنت أحياناً تجاري خصمك حتى يرتاح، أنا أسلم لك أن هذا الذي تقوله صحيح، فكيف نفسر هذه المشكلة؟ وهذه المشكلة؟ وكيف نحل هذه المشكلة؟

ثم يعطي هذا النبي الكريم الكلمة الفاصلة: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)﴾
أنا لا أعبد شمساً، ولا قمراً، ولا نجماً، ولا حجراً، ولا مدراً، ولا بقرةً، ولا شخصاً أظنه أنه يعطي أو يمنع، يرفع أو يخفض، يعز أو يذل، وما أكثر من يعبد أشخاصاً من دون الله، وما أكثر من يعامل أشخاصاً كأنهم آلهة، يطيعهم ويعصي الله، يرضيهم ويغضب الله عز وجل.

وإذا كانت عبادة الأصنام غير موجودة في العالم الإسلامي فعبادة الأشخاص موجودة دون أن تقول: إله، لكنك تعامله كإله، ترى أن طاعته أكبر من طاعة الله، ترى أن رضاه أعظم من رضى الله.

مرتكزات الملاحدة

فإذا ناظرت ملحداً ستجد كامل حديثهِ يرتكز على محورين:

  • الأول: التهكم على الأديان، بلغة ساخرة، والهجوم على الثوابت والمعتقدات، ثم التشكيك في وجود إلٰه.
  • الثاني: التحدث بلغة الداروينيةِ واللاأدريةِ وتعميمها، ليضعها في قالبٍ ليس مخصصاً لها، وكأنهم قد وصلوا بأنفسهم إلى حالة من حالات العبودية اللاإرادية.

ببساطة شديدة يقول الأستاذ نعوم تشوميسكي أستاذ الليسانيات واصفاً الملحدين “إنهم ببساطة متدينون متعصبون”… ويا للعجب؛ بل الذي تفرونَ منه هو ملاقيكم!!

وبالتالي ترى معظم الشباب العربي يؤمن بالإلحادِ كصبغةٍ تتماشىٰ مع تفكيرهِ المُستقىٰ من الانفتاح المعرفي السطحيّ الهائل في ملفات متعددة، يحصل عليها بكل سهولةٍ ويسر عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، مقدمة على هيئة جرعاتٍ معلوماتيةٍ مخففة ومبعثرة.

وذاك الانفتاح الواهي أدى إلى تشكيل فجوة موسعة، بين الشباب والطلبة العلم والمشايخ، وصار الصراخ بأن الخطاب الديني لابد أن يتغير.

اقرأ أيضًا: كيف نتعامل مع الشبهات الفكرية المعاصرة؟

أين وصلت موجة الإلحاد؟

لكن وبتسارع الأحداث، والمُضيّ قُدُماً يوماً بعد يومٍ إلىٰ نهاية العالم، نجد أن التفلُّتَ والإلحاد عرفَ طريقهُ إلى طلبة العلم، والمشايخ أنفسهم… ودينُ الأحياءِ لا يُؤتمنُ عليه!

استيقظت من يومين على خبرٍ يقول بأن مصرَ أصبحت الأولى في مؤشرات الإلحاد، لا أعلم مدى صحة ذلك الخبر، لأن الشعب المصريُ شعب مسلم، وبالتالي إن عاش فيه ملحدٌ سيعيش بقلبينِ في جوفهِ، لذلك لن نجد إحصائية صادقة ترصد تلك الحالة بشكل دقيق.

مع العلم أن الدعاة في الغرب لتلك الظاهرة يعملون بكامل جهدهم، ليصل مفهوم الإلحاد إلى كافة أنحاء العالم، فأصبح التلفاز أداة قوية لنشر تلك المفاهيم، من خلال الأفلام الوثائقية، وأفلام الكرتون، والمسلسلات المترجمة، بل صارت الكتب الإلحادية الأجنبية تترجم وتعرض في المعارض الدولية في الدول العربية… ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل.

كيف نتصدى لتلك الظاهرة؟

فلنرجع خطوة إلى الوراء نستلهم منها كيف نعالج ذلك الوضع المتأزم، فمن رحم المشكلة يكمن الحل: أولاً وقبل كل شيء فليعطي المشايخ وطلبة العلم أولوية لتعريف الأمة بدينها، وتاريخها، ومواجهة ظاهرة الإلحاد بضراوة، كتلك التي يولونها للخلاف في الفرعيات

ولنوسع الدائرة قليلاً، فليس المشايخ وحدهم مَنْ مِنْ واجبهِ صدُّ تلك الهجمات الخبيثة، بل يقف إلى جانبهم العلماء في كل المجالات، وأن يدرسوا الواقع من خلال تصوُّرِهم العلميّ، ويتم عقد المناظرات، وكتابة الكتب، وإنشاء شبكات تواصل متينة بين الشباب وبين الدين الصحيح، والعلم الراقي.

كذلك حيال النشء الجديد، الذين نتركهم أمام الشاشات الذكية لِتُعبِّأ خيالاتهم، وأفكارهم بكل ما هو ضار ليس بالعقيدةِ فحسب! بل بالفطرة أيضاً، ثم نأتِ للبكاء على اللبن المسكوب!

أولادنا أمانة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلنحسن غراسهم، كى يحسُنَ الإسلامُ بهم، فبدلاً من ترك الطفل فى ساحة من الخيالات على الشاشات الذكية، فلنعلمه “السباحة والرماية وركوب الخيل” كما أوصينا.

الأمر جد خطير، لذلك أتمنى من كل الناس أن تقرأ وتتثقف لتتجنب وقوعها في أي نوع من أنواع الإلحاد، أوصيكم بمحاضرات الشيخ محمد العوضي، سهلة وميسرة بشكل مبدع، تعلموا العلم وعلموه فإنه حجة لكم يوم القيامة، واتقوا الله إن الله كان غفوراً رحيماً.


المراجع

١) كتاب ميليشيا الإلحاد
٢ ) موسوعة النابلسي الإسلامية
٣ ) الحلقة الرابعة من برنامج بعد الصلاة للمهندس فاضل سليمان حلقة الرد على الملحدين
٤ ) الموسوعة الإسلامية الموثقة

676

الكاتب

بشرى جلال

طالبة علم، مهتمة بقضايا الأمة والشأن السياسي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.