كان من خلق الله قوم فيهم نبي وليس فيهم قائد، فلم يكن كل الأنبياء قادة، وقد سلَّط الله عليهم قومًا آخرين هزموهم وأذلوهم وانتزعوا منهم مقدساتهم! أولئك قوم من بني إسرائيل من بعد موسى، الذين قصَّ الله علينا قصتهم في كتابه الكريم!

وهذه القصة فيها من فوائد غزيرة وعجيبة يجدر أن نتأملها:

1. إن الله سلط قومًا كافرين على قوم مؤمنين فأذلوهم وانتزعوا منهم مقدساتهم، ولم ينفعهم “مجرد” الإيمان “وحده” لما لم يأخذوا بسنن الكون.

2. لقد كانت أبرز مشكلاتهم افتقادهم لقائد، فقياداتهم أعجز من أن تخوض صراعًا يعيد لهم عزتهم وكرامتهم ومقدساتهم.. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) سنكتشف بعد قليل أن القائد كان موجودًا بينهم، لكن قناعاتهم وأسلوب تفكيرهم ومقاييس حكمهم على الأمور جعلتهم يغفلون عنه ولا يفكرون فيه.

3. المدهش هنا أن النبي -وهو أتقاهم لله وأخشاهم لله وأرفعهم مكانة عند الله- لم يكن يصلح قائدًا، إن مجرد الورع والتقوى والخشية والقرب من الله لا تصنع قائدًا يخوض معارك الدنيا، إذ لا بد أن يجتمع مع هذا أمور أخرى.. بل سنكتشف بعد قليل أن القائد المنتظر لم يكن الأخشى ولا الأتقى ولا الأكثر علمًا.. بل كان الأكثر قدرة وتأهلًا، مع وفور حد من التقوى والخشية بلا شك.

4. المدهش كذلك أن عدم صلاحية هذا النبي للقيادة كان أمرًا معترفًا به لدى الجميع، الملأ والنبي نفسه، ولم نجد -مثلًا وفرضاً وتخيلًا- من يقول: وهل يصلح لها إلا هذا النبي وهو من هو؟ وكيف تتوقعون أن ينصركم الله وأنتم تطلبون قائدًا غير نبيكم؟ ولم يقل هو -وحاشاه، عليه السلام- فمن أولى مني بالقيادة وأنا أعلمكم وأتقاكم وأفضلكم؟!.. كان الجميع معترفًا بالمشكلة ساعيًا في إيجاد حل لها.

5. مما يثير الاحترام هنا أنهم عرفوا مكانة النبي وفضله فتوجهوا إليه أن يختار لهم بعلمه وفضله وقربه من الله أنسب قائد لهم، وهنا نلمح مشهدًا من التجرد، إذ هم ألزموا أنفسهم أن يتبعوا هذا القائد ولن ينازعوه قيادته.

6. كذلك فإننا نجد شعورًا قويًا بالأزمة والمذلة، ولم يتصوروا أنهم يمكن أن يتخلفوا عن المعركة إذا جاءت، حتى لو بفعل الضرورة وألم الذل (قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا).

7. لكنهم، ما إن كُتِب عليهم القتال، حتى تخلخلت الصفوف، والتمس كل منهم لنفسه عذرًا وأعذارًا، وجبنوا عن خوض المعركة المنتظرة (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).. وهنا ينبغي أن يخشى كل امرئ على نفسه أن يكون صاحب دعوى فارغة، وأن يكون في نفسه من الظلم والفساد ما يحرمه من أجر الطاعة التي تشوق لها لما جاء وقتها!

8. (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا) لقد اتضح أن من بينهم من يصلح للقيادة لكنهم صُدِموا وصاحوا (قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) فانظر إلى مقاييس القيادة التي كانت راسخة في قلوبهم وأذهانهم! كانوا يرجون أن يكون القائد من ذوي المال! وهذا بحد ذاته يشرح لك لماذا هُزِموا ولماذا عقموا عن أن يكتشفوا المؤهلين للقيادة من بينهم.. كان مقياسهم فاسدًا!

وهنا أزمة الأفكار التي تضيع بسببها البلاد والعباد والمقدسات، ويأتي بسببها الذل والعار والهزيمة..

فساد الأفكار في أنها لم تكن منضبطة على أوامر الله بل هي أفكار “وضعية” جاءت من عالم الدنيا ومقاييس الأرض.

9. ولقد كانت من مهمة النبي -عليه السلام- خوض معركة الوعي، معركة الفكر، معركة الفهم هذه، ليقول لهم (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ).. وبديهي أن العلم هنا لم يكن علم الشرع فالنبي أعلم منه بالشرع، ولكنه كان علم الحرب، وكذلك الجسم.. فتلك هي مقاييس القيادة في الحروب!

10. لكن فساد الأفكار والقناعات بلغ حدًّا بعيدًا من العمق والرسوخ والقوة حتى إنهم احتاجوا إلى معجزة ربانية كي يصدِّقوا أن هذا الرجل يصلح أن يكون قائدًا عليهم.. فلم يكفهم قول النبي الذي هو صدق لا كذب فيه، والذي يعرفون اتصاله بالله وصدقه فيما يبلغ عن الله (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

وهذا يعلمنا أن فساد الأفكار لا يكون مجرد فساد فكرة، بل هو يؤثر في النفسية والذهنية والعاطفة، حتى لا يعود ممكنًا تصحيحه بمجرد التوضيح والبيان فحسب، بل بمجهود عاطفي ونفسي وتربوي.. وهو يعلمنا أن نتعلم رحمة الله ورفقه إذ بعث لهم معجزة تعالج ما رسخ في نفوسهم من فساد، فينبغي أن نكون أرفق في التوضيح والبيان بمن طال عليهم الأمد وتحول فساد أفكارهم إلى فساد شامل.

11. انتظم الجيش خلف قائده جالوت بعد أن تخلف عنه من تخلف، وهنا يصف القرآن الكريم لأول مرة هؤلاء القوم بأنهم “جنود”، مما نفهم منه أنهم كانوا قبل ذلك فوضى لا سراة لهم، لا يجتمعون على أمر ولو كانوا في الذل والعار والهزيمة، ولو كان بينهم نبي، ولو كان لهم ملأ.. قال تعالى (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ)!

12. ثم جاء الاختبار المهول، والذي يزداد المرء رعبًا كلما تصوره، إن القوم ساروا في الصحراء حتى عطشوا ثم ابتلاهم الله بنهر، لكن قائدهم طالوت لم يسمح بالشرب منه إلا غرفة واحدة فقط! (قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ).

مبلغ الهول في هذا الاختبار أن الشرب حاجة إنسانية فطرية وغريزية، ليست علامة فساد، وليست دليل انحراف وليس مطلبًا ترفيهيًا أو ترفًا.. إنه حاجة غريزية، ولكن لوازم الجهاد تتطلب من المجاهد أن ينتصر على نفسه حتى في حاجاته الفطرية الغريزية، وأن يملكها ويحكمها ويسيطر عليها مهما تاقت إلى شيء هو من صميم حاجاتها الأساسية.. وهذا أمر ما أحسب أن أحدًا يستطيع أن يحكم على نفسه فيه، فهي أمور لا تظهر إلا في الشدائد والابتلاءات والمواقف الهائلة.. نسأل الله أن يثبتنا وأن ينصرنا على أنفسنا.

ولقد سقط في الاختبار أكثر الذين كانوا مع طالوت (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ).

13. ثم جاء اختبار هو الأكبر والأصعب! لقد وجد القوم أنفسهم صاروا قلة مع من تساقط منهم في المراحل السابقة.. وهم مقبلون على مواجهة جيش ضخم يمثل بالنسبة لهم “قوة عالمية” بألفاظ زماننا هذا! فقالوا (لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ).

إنه من المدهش حقًا أن هؤلاء القوم الذين اجتازوا اختبارات فساد الفكر وغرور النفس واختبار الغريزة نفسه.. أصيبوا في لحظة من اللحظات باليأس! واستحضروا المقاييس المادية رغم رصيدهم الكبير من الإيمان!

فيا الله! كيف يمكن للمرء أن يعبر كل هذه الاختبارات ثم لا يضمن نفسه أيضًا! إن من انتصر على غرائز الجسد قد هزمته قلة قوته المعنوية.. إن القلب الذي استطاع أن يقهر العطش لم يستطع أن يقهر الخوف أو أن يواجه اليأس!

وهنا نتعلم أن السيف لا بد له من قلب، وأن المرء لا بسيفه وإنما بقلبه أولًا، بإيمانه وصلابته ورسوخ اليقين في نفسه!

14. هذا الصنف هو من كان عنده الحل (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) وهنا نرى كيف يفعل الإيمان مع انهيار العوامل المادية، وكيف يظل اليقين ثابتًا مهما جاءت الحوادث بعكسه!

هذا يعلمنا أن الناجون قلة.. والهالكون كثرة! فلا ينبغي أن نتعلق بالعدد والعدة. ويعلمنا كذلك أن المعركة الكبرى تدور في القلب، في ساحة الإيمان واليقين! فلا ينبغي أن ننفق الطاقات في استرضاء أو استجلاب من لا دين لهم ولا إيمان يحركهم.

ويعلمنا كذلك أن القلة القليلة هي القادرة على تثبيت الكثرة.. فلا يستقل أحدنا أي عمل، وكم نقرأ في السير والقصص والمذكرات أن أبطالًا كثيرين ثبتهم موقف من طفل أو امرأة أو عجوز أو جندي عادي.. ولذا فلا بد من أن نتجلد ونصبر ونظهر القوة مهما بلغ الحال، فلعل هذا الثبات والتجلد يثبت من كان في موضع القرار أو في من يملك إنفاق أموال وتحريك طاقات!

إن الفرد الواحد، والقلة القليلة، هي التي تغير مسار التاريخ وتصنع الأحداث.. وما الكثرة إلا أتباع!

15. وهنا تنزل نصر الله.. وانتصر جيش القلة المؤمنة على جيش الكثرة الكافرة.. بقائد يفهم علم الحرب ومؤهل لها وبجنود ثبتوا بعد الزلازل.. بل لقد أسفرت الحرب عن مفاجأة أخرى! عن الفتى الصغير الذي استطاع قتل قائد الكافرين جالوت.. هذا الفتى الصغير هو الذي سيؤسس أعظم دولة لبني إسرائيل بل سيبلغ ابنه من الملك ما لم يبغه ملك في كل تاريخ البشر.. ذلك هو نبي الله داود الذي سيرثه ابنه نبي الله سليمان والذي سيؤتيه الله ما لم يؤته أحدًا من العالمين.. ليجتمع في شخصيهما: النبوة والقيادة معا. (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ).

16. ثم تختم الآية بختام عجيب مبهر (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) إنها قيمة تغفل عنها الأمم المهزومة، الأمم التي ارتضت بالذل وبالدنيا، الأمم التي هانت على الله وعلى أعدائها فذلت!

إن الله يقول بأن “الاستبداد هو فساد الأرض” وبأن “الحروب هي وسيلة إنقاذها”!

وهي قيمة إنسانية عامة، إن كل الأمم -بما فيها حتى اليهود وهم أحرص الناس على حياة وأبخلهم بما في أيديهم- تقدم التضحية بالأبناء للنجاة من الذل والقهر والوصول إلى العز والمجد! ومن المثير للتأمل أن الأمم تقدس محاربيها أكثر من تقديسها لمهندسيها ومعمارييها وفنانيها!

إن فساد الأرض هو في سيادة الاستبداد.. ونجاة الأرض هو في المقاومة والدفع والجهاد.. وإن بدا لأصحاب المقاييس المادية أن العكس هو الصحيح، وأن الأمن خير من الحرية وأن الملك الغشوم خير من فتنة تدوم، ولو تأملوا لعلموا أن من ضحى بالحرية لم يحصل الأمن وأن الفتنة الحقيقية التي تدوم هي دوام الملك الغشوم.

699

الكاتب

محمد إلهامي

باحث ومؤرّخ في التاريخ والحضارة الإسلامية، كاتب بعدد من الدوريات العربية ومهتم بالشأن الإسلامي.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.