اختيارات المحرر

من الذُل إلى العزّة: مائة عام من الإهانة… ودروس النهضة من التجربة الصينية

في تاريخ الأمم لحظات فارقة، تُحفر في ذاكرة الشعوب كما تُنقش الجراح على الجسد، تذكّرهم بما مضى وتوقظهم لما ينبغي أن يأتي. ولعلّ من أبلغ هذه اللحظات في التاريخ المعاصر ما عُرف في الصين بـ”قرن الإهانة”؛ مرحلة ممتدة من الانكسار والهوان، بدأت بحرب الأفيون الأولى عام 1839 م، حين أَجبرت بريطانيا الصين على فتح موانئها لتجارة الأفيون، وفرضت عليها معاهدة نانجينغ المهينة عام 1842 م، والتي سمحت للبريطانيين ببيع سمومهم في الأسواق الصينية، بل وانتزعت منهم هونغ كونغ كمستعمرة.

وصل عدد المدمنين آنذاك إلى نحو مئة مليون صيني، وسقطت البلاد تحت وطأة التدخلات الأجنبية، والانقسامات الداخلية، والفساد السياسي، والتنازلات المهينة التي حوّلتها من إمبراطورية ضاربة في الحضارة، إلى كيان مستباح الإرادة.

لكنّ العبرة ليست في السقوط، بل في النهوض بعده. فالصين التي انهارت تحت وقع الإهانة، عادت في أقل من قرن، لتقف على قدميها كقوة عالمية كبرى، تبني، وتنتج، وتصدر، وتنافس.

وفي ظل هذا التحول التاريخي، يحق لنا أن نسأل: 

هل في التجربة الصينية ما يفيد الأمة الإسلامية اليوم، التي عاشت قرنها الخاص من الإهانة والتمزق بعد سقوط الخلافة عام 1924 م؟ 

وهل بالإمكان استلهام بعض الأدوات من التجربة الصينية، دون أن نُخِلّ بثوابتنا أو نتنازل عن رسالتنا؟ 

بل كيف نُفعّل هويتنا الإسلامية لتقود مشروع النهوض، كما قادتنا من قبل حين كنّا خير أمة أخرجت للناس؟

أولًا: تشابه الأقدار بين أُمّتين

ما عاشته الصين من إذلال واحتلال وتفكك، يشبه كثيرًا ما عاشه العالم الإسلامي منذ مطلع القرن العشرين: احتلال مباشر، ثم تبعية سياسية واقتصادية، وتجارب تغريبية هدفت إلى قطع المسلم عن مصادر قوته التاريخية والثقافية.

وكما حُوربت الصين بالأفيون لإفساد شعبها من الداخل، فقد حوربت أمتنا بأفيون من نوع آخر: أفيون الفكر المادي، والاستهلاك الثقافي، والتبعية في النموذج والمصطلح والتصور. ولم تكن النخب التي تولّت الأمر بعد الاستعمار إلا امتدادًا ناعمًا للهيمنة القديمة؛ حكومات تدير باسم السيادة، وتُنَفِّذ باسم الوطنية، وتخضع من حيث لا تدري ولا تريد.

ثانيًا: نهضة الصين… الدرس والحدّ

النهضة الصينية

نهضت الصين بجهود تراكمية بدأت منذ انتصار الثورة الشيوعية عام 1949 م، وقادها زعماء لم يكن لهم من الميراث الحضاري ما نمتلكه نحن، ولا من المرجعية الدينية ما نستلهمه نحن. ومع ذلك، صنعوا مشروعًا حضاريًا متماسكًا، كان له من السمات ما يستحق التأمل:

  • التخطيط المركزي طويل الأمد: وضعت الصين خططًا خمسية واضحة، جعلت من التنمية مشروعًا وطنيًا، لا مجرد شعارات سياسية.
  • الإنتاج والتصنيع: انتقلت من الزراعة الريعية إلى قاطرة التصنيع المتنوع، حتى غدت “مصنع العالم” في زمنٍ وجيز.
  • إعادة صياغة الوعي: رغم الجدل حول “الثورة الثقافية”، إلا أنها هدفت -على طريقتها- إلى كسر الهيمنة الثقافية الغربية وإحياء الحسّ القومي.
  • البراغماتية المُنضبطة: فتحت أبوابها للاستثمار والتكنولوجيا الغربية دون أن تسمح بتفكك هويتها.

لكن مع ذلك، فإن هذه التجربة ليست بلا كلفة. فقد تمّ فيها سحق الحريات، وتغوّلت الدولة على الأفراد، وسُحق الإنسان أحيانًا باسم الأُمّة. من هنا، يجب أن تكون استفادتنا من تجربتهم “جزئية” و”وظيفية” لا “كلية” أو “انبهارية”.

ثالثًا: الاختلاف الجوهري… في البوصلة

نهضة الصين كانت مادية قومية؛ بلا رسالة تتجاوز الجغرافيا، ولا قيم تتصل بالسماء. أما الإسلام، فحضارته ليست نتاج قوة اقتصادية أو عنصرية قومية، بل ثمرة رسالة ربّانية.

إنّ الفرق الأعمق بين المشروعين، هو أنّ الأمة الإسلامية تملك بوصلة واضحة لا تحتاج إلى صراع طويل لإعادة تعريفها: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].

هذه البوصلة ليست فكرة مثالية، بل هي أساس واقعي لصناعة المشروع الحضاري الإسلامي الذي يجمع بين الروح والعقل، بين الفرد والمجتمع، بين الدولة والرسالة.

رابعًا: ماذا ينقص الأمة الإسلامية؟

رغم أننا نمتلك العقيدة، والتاريخ، والموارد، إلا أنّ افتقارنا للإرادة السياسية الجامعة، والانقسام بين النخب، والتخلف في التعليم والإعلام، والتبعية الاقتصادية للغرب… كلها عوامل جعلت النهوض أمرًا عسيرًا.

والأدهى من ذلك أنّ بعض التجارب النهضوية في عالمنا الإسلامي تُحارب أو تُشوّه لأنها تُذكّر الناس بأنّ البديل الحضاري ممكن، وأنه ليس قدرًا أن نظل تحت وصاية الحضارات الأخرى.

خامسًا: كيف نبني مشروعنا نحن؟

الأزهر الشريف
الأزهر الشريف

المسلمون لا يحتاجون لاستنساخ التجربة الصينية، بل لصناعة مشروع نهضوي يستلهم منها بعض الأدوات، دون أن يتخلى عن خصائصه وهويته. ويمكن أن نبدأ بـ:

  • إصلاح التعليم: على غرار ما فعلته الصين، ولكن بإحياء دور الأزهر، والقيروان، والزيتونة، وإعادة ربط العلم بالرسالة.
  • نهضة اقتصادية مستقلة: عبر تكتلات مالية إسلامية، وبنوك وقفية، ومؤسسات إنتاجية تُحارب الاستهلاك وتُعزز الإنتاج.
  • إعلام الوعي لا الإثارة: يُعيد الثقة للمواطن المسلم برسالته، ويُخرج الخطاب من التبعية إلى الأصالة.
  • تحرير المفاهيم: من مُثل “التقدم” و”التنوير” و”الديمقراطية”، و”التعايش”، بحيث تُعاد صياغتها في إطار المنظور الإسلامي لا التغريبي.

دور الفرد: لبنة البناء الحضاري

دور الفرد في نهضة المجتمع

التغيير لا يبدأ من القمم السياسية، بل من القاع الذي يعي ذاته، ويؤمن بدوره، ويتحرك في دائرته. المسلم البسيط الذي يحرص على طلب العلم، ويُحسن عمله، ويُربي أبناءه على الوعي بالرسالة، ويقاوم ثقافة الترف والتفاهة، هو جزء من مشروع الأمة.

ليس المطلوب من الفرد أن يغيّر العالم، بل أن يُغيّر نفسه ومحيطه، فيتراكم هذا الجهد ليصنع التغيير الكبير. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ…} تبدأ من الفرد وتنتهي بالأمة.

خاتمة: من قرن الإهانة إلى نهضة الرسالة

التجربة الصينية تقول: يمكن للأمم أن تنهض بعد قرن من الذل. لكننا لا نريد أن ننهض لنُنافس في السوق، أو نتصدر في الإنتاج، بل لنعيد للإنسانية توازنها، وللأخلاق مكانتها، وللمعنى حضوره.

نحن أمة لا يليق بها التقليد، لأنّ رسالتها هي القيادة. ومتى ما أدرك المسلم أنّه حامل رسالة، لا تابع نموذج، بدأ زمن النهوض.

قال عمر رضي الله عنه: “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله”.  ومن شاء العزة في غير الإسلام، أُهين كما أُهينت الصين. أمّا مَن تمسّك بالوحي، فسينهض كما نهضت الأمم، ولكن بعزّة لا يُفسدها ظلم، وبنهضة لا يُطفئها الزمن.

علي جاد المولى

كاتب مصري مقيم في تونس، تلقى تعليمه في الأزهر، ويستكشف في أعماله الإسلام من خلال… المزيد »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى