في الجزء الأول للموضوع استعرضت أهم العوامل الداخلية التي أدت بالأمة إلى تراجعها الذي نعيشه اليوم و نشهده، وفي هذا الموضوع سأحاول إن شاء الله تقديم العوامل الخارجية التي تلعب الدور ذاته. فما هي هذه العوامل الخارجية ؟

ما يميز هذه العوامل هو كونها معتمدة على ضعف العوامل الداخلية حتى تنجح، لأن قوة العوامل الداخلية يعني استمرار الأمة في المقاومة حتى النصر، و دون إطالة هذه العوامل كالتالي:

قوة الأعداء

  • مؤسسات البحث: و التي تولي لها مختلف الأطراف المحاربة أهمية كبرى لدراسة الأمة من كل جوانبها من أجل وضع خطة المواجهة بشقيها العسكري والناعم، و لعل مؤسسة راند مثال جيد و شاهد على هذه النقطة.
  • الإعلام: بنوعيه سواء الموجه للأمة أو المسلط عليها، فعكس ما يعتقده الكثير من المهتمين، الإعلام سلاح فتاك حتى لو تعلق الأمر بإعلام يرفع راية الإسلام، فيما يدس السم في العسل والذي يعتبر أشد شرًا لافتتان الأمة به واعتبارها له سيفًا في يدها وليس مسلطا على عنقها.
  • تزييف التاريخ: كونه يحدد هوية الأمة، فكان مما فعله الأعداء أن قطعوا الأمة عن تاريخها بل وتشويهه حتى أصبح منها من يرى فيه عيبًا و خللًا لابد من التخلص و التوبة منه.
  • التحكم في الطاقة و الموارد الطبيعية: مما جعل الأمة تحت سلطتهم، يعطونها ما تحتاجه للبقاء على قيد الحياة لا ما تحتاجه للنهوض بنفسها.
  • القواعد العسكرية: و هدفها معروف و ظاهر، حماية المصالح الغربية في المنطقة التي تتواجد فيها.
  •  التصور الليبراليالعلماني للحياة: والذي استهدف الثقافة الشعبية لعلمه أنها ميدان الصراع الذي إن نجح في تطويعه فسينجح بذلك في تطويع المجتمع، فاستعملت أسلحة كثيرة لذلك من بينها الإعلام، السينما، الكتب بل و الأغاني و غيرها الكثير في سبيل خلق ثقافة شعبية موازية يصل تأثيرها المواطن البسيط الذي يسهل أن يحركه الإعلام في مرحلة قادمة فلا يكون للطبقة المثقفة الصالحة ثقل و دور كبير في مواجهة المد الجماهيري المجهل (وحالة مصر خير مثال على ذلك).
  • تغييب البدائل: ولإنجاح واستغلال قوة الأعداء كان لزامًا تغييب البدائل بشتى الطرق ففتحت السجون للمفكرين والمصلحين، فيما استهزئ بشريعة الله وانصب التركيز على إبعاد الجماهير عن البحث على البديل الإسلامي، بغاية دفعهم للبديل الديمقراطي، المصمم حسب قياس الدول الغربية.

كثرة الأعداء و تلبس بعضهم بالإسلام

لو كان العدو واحدًا ربما كانت الحرب أسهل، لكن الواقع أن الأمة تتعرض لضربات مختلفة المصادر من أطراف تتعدد مصالحهم وقدراتهم، فحتى إن تراجعت قوة أحدهم تدخل آخر لتعويض دوره، فتتالى الضربات التي أقواها القادمة ممن يتمسحون بالإسلام ويتخذونه صورة لهم كالشيعة والنصيرية وغيرهما، ممن يتفننون في طعن الأمة في ظهرها بشكل يجعل الأمة تعاني من كل طعنة دون القدرة على نعت هذا العدو وموضعته موقع الخائن ”حفاظا على الوحدة” كما يقول الكثيرون.

مشكلة في التعامل مع المصطلحات

خاصة عندما يصاغ المصطلح خارج وعي الأمة و ثقافتها ثم يقحم فيهما إقحامًا يفرض التعامل معه، فيصبح العدو الصفوي مسلمًا، والصهيوني القاتل أخًا في الإنسانية، بل والديمقراطية نظاما عالميًا للحكم، وغيرها من الأمثلة التي وضعت الأمة في موضع المستهلك لثقافات الغير ومصطلحاتهم دون أن تنتج هي شيئًا مفيدًا ولا تنتفع من الموجود لديها منذ البداية، فتكون النتيجة تيهًا وضعفًا في التعامل مع المصطلحات و دلالاتها ومن ثم التعامل مع العالم ومكوناته باستعمالها.

حدود سايكس-بيكو والأمم المتحدة

فكون الأمم المتحدة تضم عددًا كبيرًا جدًا من الدول جعل كل منضم إليها محدد الحدود و النظام الحاكم، فكان الخروج عنهما يضع الخارج موضع محاسبة تختلف باختلاف عوامل كثيرة، ومنه كانت الأمة الإسلامية المقسمة مقيدة بهذه المنظمة التي ترعى هذه الحدود وتسهم في زرعها في عقول أفراد الأمة، فنجدها تتعامل مع كل دولة بشكل مختلف وبأجندات مختلفة كثيرًا ما تؤسس للتفرقة كلما انتفضت إحدى الدول ”الإسلامية” دون أخرى فيبدو الأمر كأن شأن هذه الدولة منعزل عن الدول الأخرى ”الإسلامية” وأن كل دولة مستقلة تمامًا عن أخواتها، و بتقاسم الكعكة وإفراد كل دولة بتعامل يليق بها، انتقلت الحدود من الورق للعقول مصحوبة بشرعية دولية لا تقبل المساس بها.

الوسطاء و العملاء

هم مجرد أدوات تابعة للأعداء، لكن بسبب تميزهم فضلت تقديمهم بشكل مستقل عن بقية الأدوات التي ذكرتها سابقا ضمن ”قوة الأعداء”، و هذه الأدوات أبرزها:

  • الحكام

لم أعتبرهم من العوامل الداخلية لضعف الأمة بشكل صريح كونهم مجرد أدوات للأعداء فلا أعتقد أن أحدًا يرى حاكمه معيدًا لمجد الأمة ومنقذًا لها، وهو الذي يحارب الإسلام ومظاهره على حساب طرق كفرية تسمى تلبيسًا بالإسلام. و تختلف طبيعة كل حاكم وطريقة استعماله، لكن الثابت هو ولاؤه التام الذي يقابله التستر عن ما يرتكبه من مجازر في سبيل البقاء في السلطة، فبقدر أهمية عمالته بقدر ما طالت فترة حكمه.

  • الطبقة ”المثقفة”

أو كما يحلو للعديدين تسميتهم ”الأيتام” و هم السكارى بالثقافات اللقيطة المختلفة والذين يكون شغلهم الشاغل إما هدم الإسلام أو دفعه حتى يشبه العلمانية و الليبرالية، لدرجة أن من بينهم من يدرسون موادًا كالفقه الإسلامي و هم معلنون ولائهم للأيديولوجيات المحاربة للإسلام (درست عند أحدهم، و قد كان يأتينا في كل حصة تقريبًا بأكبر عدد ممكن من الشبهات حول الثوابت الإسلامية كالشريعة الإسلامية، الحاكمية و طبعا الحجاب). ولإنجاح دورها أعطت القوى المحاربة أوامرها لعملائها من الحكام كي يشنوا حربًا لا هوادة فيها ضد ”حماة الإسلام” من مثقفين و علماء تم إبعادهم عن الساحة التي أصبحت خالية ل ”الأيتام” ليقوموا بدورهم المنتظر منهم (المرجو قراءة موضوع بعنوان ”تفريغ الأمة من حماتها”) .

الخاتمة

أمتنا في حرب تستخدم فيها كافة الأسلحة خاصة الفكرية، و المواجهة لابد أن تكون من طرف الأمة مجتمعة و ليس عن طريق نخبة تستقل و تنعزل عن الأمة التي–بتدخل من الإعلام–تراها عدوًا لها.

 

695

الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.