البعض یعتقد أن مخاطبة شعوبنا بما یفهمون ومراعاة عقولهم ونفوسهم، ودعوتهم للحق والأخذ على أیدیهم للصواب وحمل رسالة الدین لهم، هي أشیاء یمكن الاستغناء عنها مادمنا قادرین على تحقیق أهدافنا بدونهم، وكأننا لا نخاطب عموم الأمة إلا إذا كنا محتاجین إلیهم سیاسیًا وعسكریًا! وأما في حالة امتلاكنا للقوة التي تغنینا عنهم فلیس من المهم حینها أن ندعوهم للحق، ولا أن نأخذ بأیدیهم إلیه، بل لا یهم إن أصبحنا سببًا في إضلالهم، وصدهم عن سبیل الله، وتمكین شیاطین الإنس والجن منهم، ولا یعنینا أن یسیطر علیهم النظام العالمي وأذنابه!!

ویردد أصحاب هذه النظرة عبارات من قبیل: “دعك من الناس، فالناس على دین ملوكهم” أو “الناس تبع لمن غلب” لسان حال هؤلاء أننا لسنا بحاجة لأن نعطل أنفسنا بمخاطبة الناس وتفهیمهم والترفق بعقولهم ونفوسهم، ولا حتى من باب إقامة الحجة البالغة التامة علیهم، فالمهم أن نحقق أهدافنا! ولا أدري أي أهداف تلك التي یُخلع عنها ثوب الدعوة للحق، وتُفرغ من معاني الرسالة!

وهذه نظرة -على المستوى المنهجي- قاتلة، إن مخاطبة أمتنا المغیبة وحرصنا على وصول رسالة الحق لهم بلا تشویش هي بالنسبة إلینا ضرورات منهجیة، لیست متوقفة على رد فعل الأمة، ولا على المكاسب السیاسیة والعسكریة التي سنحققها من وراء ذلك على الأرض، بل هي جزء من منهجنا الذي لن نتخلى عنه!

قال تعالى: (قُلْ ھَذِهِ سَبِیلِي أَدْعُو إِلَى اﻟﻠﮧَّ عَلَى بَصِیرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اﻟﻠﮧَّ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِینَ) إن أكبر خطیئة ارتكبها الحاملون للواء التغییر منذ عقود هي خطیئة إقصاء عموم الأمة والشعوب عن هذه المعركة واحتكارها، إما عمدًا بتصورات ومناهج وأفكار إقصائیة غیر منضبطة كما بینا، وإما بسبب الخطاب السيئ، هذه الخطیئة قد تسببت للأسف في تحیید الأمة عن معركتها الفاصلة والحاسمة ونقل القضیة من الحالة الشعبیة التي یجب أن تكون علیها إلى حالة نخبویة إقصائیة معزولة على كل المستویات، مما سهل على العدو مواجهتها والتنكیل بأصحابها والقضاء علیهم، هذا غیر الوقوع في المخالفة الشرعیة أصلًا بهذا الإقصاء والقصور في التبیین، وقد قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).

كما أمر الله عز وجل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتحریض على القتال في نفس الوقت الذي أمره فیه بالقتال فقال: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) ومن الناحیة الواقعیة فإن طبیعة المواجهة الیوم قد أكدت بوضوح أن السعي لخوضها “نیابة عن الأمة” هو دور فشل فیه كل من قام به حتى لو حقق في البدایة بعض الإنجازات، وأن السبیل الصحیح شرعًا وعقلًا هو السعي لخوض المعركة “مع الأمة” لا بدیلًا عنها ما دام السبیل لذلك ممكنًا، فتحریك عموم الأمة وحضهم على خوض المعركة والسعي لرفع وعیهم وكشف خیوط المؤامرة التي تحاك لهم هو واجب حتمي لا ینبغي التقصیر فیه ولا الانشغال عنه أبدًا، بل إن إدخال الأمة للمعركة هو في الحقیقة جزء من معركتنا، كلامنا هذا لیس من أجل أن یحافظ حاملو لواء التغییر على أنفسهم ویقوها بدروع الأمة البشریة!

فالتحریض وصناعة الوعي في الأمة لن یقدر علیه فعلًا إلا من هم في صفوف المواجهة الأولى، وهؤلاء على خیر استجاب الناس لهم أو لم یستجیبوا، ولهذا قدم الله الأمر بالقتال على الأمر بالتحریض.

وقد بینا في الفصلین الماضیین كیف أن العدو یجعل مركز ثقله في المعركة الشعوب، فقد تعلم الاحتلال من أخطاء الماضي ولكننا لا نتعلم من أخطاء أنفسنا، لقد عرف أعداؤنا أنهم لا سبیل لهم للسیطرة على بلادنا إلا عبر تغییب عقول الشعوب وتزییف وعیهم، وهو ما أوصلنا إلى الواقع المؤلم الذي نعیشه الیوم، إن ما صعّب المعركة بالفعل على كل حاملي لواء التغییر لیس قوة العدو المادیة بقدر قوته الإعلامیة، إن احتكار النظام العالمي والأنظمة في بلادنا لوسائل الاتصال الجماهیري طوال العقود السابقة جعل المعركة أكثر تعقیدًا، خاصة إذا أضیف لذلك نخبویة وإقصائیة خطاب من یریدون التغییر، ولا سبیل في الحقیقة لاستقامة هذه الشعوب وتحریرها من براثن النظام العالمي إلا بالمسیر بها نحو المعركة، فخوض الشعوب للمعركة یحقق رسالة العبودیة التي خُلقنا من أجلها ویُعلي هممهم ویشغلهم بما یرضي ربهم تعالى.

ومن لطف تدبیر الله تعالى أن الإعلام الیوم لم یعد بالإمكان احتكاره حیث أصبح هناك منافذ مختلفة للإعلام البدیل یمكن استغلالها وإحداث تغییر كبیر بها وهو ما یتطلب منا فقط براعة وصبرًا ومصابرة!

إن العدو بالخارج یتحرك في حربنا تحرك أمة كاملة ولیس تحرك جیوش فقط، إنه یحشد رأیه العام، ویشحن نفسیة الشعب عنده، ویشوه صورة من یستهدفهم عالمیًا أمام الكبیر والصغیر، إنه یحرص على أن تكون من جانبه حربًا شعبیة یشترك فیها كل المجتمع ولو بالعاطفة، مع كونه یملك من أطراف القوة المادیة ما لم نبلغ معشار معشاره، فكیف لمعركة بهذا الحجم أن تحسم من جانبنا نحن ببضعة أفراد لا یریدون حتى أن یخاطبوا شعوبهم بما یعقلون لیجیشوهم معهم في معركة فاصلة لا یصح أن یتخلف عنها أحد كما جیش الأعداء شعوبهم؟

إن الحس النخبوي لدى الخائضین لمعركة التغییر سیظل عقبة أمام أي تغییر بأي صورة!

كیف سنواجه العدو وفي صفوفنا أصحاب الذنوب ؟!

هذا سؤال یردده كثیرًا أصحاب نظریة إقصاء الشعوب من المعركة، ویستدلون في نظرتهم الإقصائیة ببعض الأقوال التي وردت على لسان علماء الأمة ومجاهدیها من الصحابة والتابعین والتي تحذر الجیوش من الهزیمة في ساحات الجهاد بسبب الذنوب والمعاصي، وهو استدلال باطل!

فكأنهم بهذا الاستدلال یشترطون على الجیوش التي تخرج للجهاد أن یكون كل أفرادها من العبّاد والزھّاد الذین لا یكادون أن یخطئوا! وهو شرط لم یتحقق في جیوش الأمة مطلقًا، ولا حتى في زمن الخلفاء الراشدین ولا یتحقق حتى في أصحاب تلك النظریة!!

ومن الآثار التي یذكرها أصحاب هذه الفكرة الباطلة قول عمر -رضي الله عنه-: “إنكم لا تنصرون على عدوكم بالعدد والعدة وإنما تنصرون علیه بطاعتكم لربكم وبمعصیتهم له”، أو یستدلون بتلك الروایات التي تتحدث عن حصون استعصى على المسلمین فتحها بسبب ترك الجیش حینها لسنة من السنن، أو یستدلون مثلًا بتوبیخ صلاح الدین لمن لا یقوم اللیل من جیشه قائلًا: “من هنا تأتي الهزیمة” وغیر ذلك الكثیر.

والرد على ذلك بالآتي: إن مثل هذه الآثار عن السلف إنما هي فرع عن أصل، فالأصل هو أن جمیع الأمة، برها وفاجرها، عاصیها ومستقیمها، كلها بلا استثناء مخاطبة بنصرة الإسلام والعمل له والدفاع عنه وصد هجوم أعدائه علیه، وهو ما كان یحدث في الأمة حینها فعلًا، فلما كان هذا الأصل مستقرًا عند الأمة كان من المناسب حینها أن تأتي التوصیة لمن خرج للجهاد بضرورة لزوم الطاعة وترك المعصیة في هذا الموطن الشریف، فهي تذكرة للمجاهدین بأن الذنوب ثغرة یمكن أن یدخل العدو منها إلیهم، فعلیهم أن یحذروها لا أن یتركوا الجهاد بسببها، فإننا إذا أمرنا المذنبین بأن یتركوا نصرة الدین فنحن نأمرهم بإضافة ذنب آخر لذنوبهم!!

فترك الجهاد والتقاعس عن نصرة الدین كبیرة من الكبائر ربما تكون أكبر من كل الذنوب الأخرى التي یرتكبها هذا الشخص المذنب! وبذلك تفهم أن مثل هذه الآثار هي خطاب لمن خرجوا للجهاد بالفعل ولیس خطابًا للقاعدین!!

ولهذا قیلت كلها داخل مواطن الجهاد، فأثر عمر كان خطابًا منه لجیش خارج بالفعل للجهاد، وكذلك قول صلاح الدین الأیوبي كان داخل حصون المجاهدین! وأما الخطاب الذي یوجَّه للقاعدین عن نصرة الدین وتاركي الجهاد فیجب أن یكون أولًا وقبل كل شيء خطاب حث وتحریض على خوض المعركة مهما كان حالهم ومهما كانت ذنوبهم.

ولا ینبغي أبدا أن تُجعل الذنوب عائقًا عن نصرة الحق، فعلاج الذنوب لا یكون بارتكاب ذنب آخر وهو ذنب ترك الجهاد وخذلان الحق، بل في الحقیقة أول ما یجب أن یفكر فیه أصحاب الذنوب هو أن یجاهدوا وأن ینصروا الحق وأن یبادروا في خوض المعركة حتى ترجح كفة حسناتهم على سیئاتهم، فحسنات الجهاد حسنات جاریة یمتد أجرها ما بقي الدین والعباد، بل إن هذا الجهاد هو السبیل لغفران الذنوب وعلاج السیئات، فقد جعل الله ثمرة الجهاد في الدنیا هي “الهدایة” وأول ثمرة ینالها المجاهد إذا استشهد هي: غفران الذنوب!

قال تعالى: (وَالَّذِینَ جَاھَدُوا ف ینَا لَنَھْدِیَنَّھُمْ سُبُلَنَا) وعند تعدید خصال الشهید ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في مقدمتها: “يغفر له من أول دفعة من دمه” یقول شیخ الإسلام ابن تیمیة -رحمه الله-: “ومن كان كثیر الذنوب فأعظم دوائه الجهاد فإن الله عز وجل یغفر ذنوبه كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)”.

بل أذهب بك لما هو أبعد من ذلك، سأذهب بك إلى الفجار والفساق ولیس مجرد العاصي الذي أصاب شیئًا من الزلل، یقول الشوكاني في نیل الأوطار: “وتجوز الإستعانة بالفساق على الكفار إجماعًا”، هذا لمن هم في الصف مثلهم مثل باقي الجیش، فكیف لو كان القائد نفسه فاجرًا ولكنه خرج في جهاد حق؟ قال ابن قدامة: “فإن كان القائد یعرف بشرب الخمر والغلول، یغزى معه، إنما ذلك في نفسه” أي أن فساده یعود على نفسه بینما منفعة الجهاد معه عامة في المسلمین.

ویقول: “ولأن ترك الجهاد مع الفاجر یفضي إلى قطع الجهاد، وظهور الكفار على المسلمین واستئصالهم، وظهور كلمة الكفر، وفیه فساد عظیم”، قال الله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) ویقول ابن تیمیة: “ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله یؤید هذا الدین بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-” ناهیك عن كون أكثر من یتم إقصاؤهم عملیًا أو بالخطاب القاصر لیسو فجارًا ولا یصدق علیهم هذا الوصف حتى وإن لم یكونوا على الجادة والاستقامة الكاملة، وهل یدعي أحد منا لنفسه هذه الاستقامة الكاملة؟! نسأل الله لنا جمیعًا الهدایة والاستقامة.

وقد رأینا في مخالطتنا للناس كیف أن تجییشهم لخوض معركة التحرر أسهل بكثیر مما یمكن أن یظن الناظر إلى أشكالهم وسلوكیاتهم للوهلة الأولى، فإنه بكلمات بسیطة وشرح هادئ مبسط للأوضاع، قد غیر الله حیاة الكثیرین من الذین كانوا لا یهتمون إلا بتوافه الأمور، بل حتى من الذین كانوا یناصبوننا العداء ویرفضون أي حدیث عن التغییر، ولقد رأیت بعضهم -واللهِ- بعد ذلك أصبح یحمل هم المعركة أكثر بكثیر من حاملي لواء التغییر المخضرمین، وقد سبقنا بعضهم إلى الله في هذه المعركة نسأل الله أن یتقبلهم في الشهداء وأن یُلحقنا بهم، فنقاء الفطرة عند معظم الشباب یسهل غرس القیم فیهم، وسریعًا ما تنعكس هذه القیم المزروعة فیهم إلى سلوك على الأرض یعجز اللسان عن وصفه من تضحیة وبذل وصبر وخوضٍ لغمار المخاطر بلا تردد، فلا تظن أنني أحدثك حدیثًا نظریًا لا یمكن تطبیقه عملیًا، بل أنا أكتب لك كل ذلك من قلب تجربة حیة نعیشها الأن.


اضغط هنا لتحميل كتاب معركة الأحرار كاملًا PDF – الطبعة الثانية

648

الكاتب

أحمد سمير

ناشط ومهتم بالشأن الإسلامي والعالمي.

التعليقات

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.