(عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا، والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا، ويقتل ثلثهم، أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبدا فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال، يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، فأمهم، فإذا رآه عدو الله، ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته). صحيح مسلم [2897]

صليبيون إلى يوم آرمجدون 1

الإمبراطورية الرومانية من الوثنية إلى النصرانية

في عام 306 م يحكم قسطنطين الأول الإمبراطورية الرومانية، ويعتنق النصرانية لأسباب غامضة بعدما تجاوز 42 من عمره، وقيل أيضا أنه لم يعمّد إلا على فراش الموت! وكانت الإمبراطورية الرومانية آنذاك تمتد من براري إسكتلندا حتى منابع النيل، ومن المحيط الأطلسي إلى شمال الجزيرة العربية، في عام 325 م قسطنطين يعقد مجمع نيقية ويحسم الأمر بين الآريوسية والمثلثة وينتصر قسطنيطين للمثلثة ويقمع آريوس وأتباعه.

في عام 337 م مات قسطنطين بعدما نجح في تكوين إمبراطورية نصرانية على عقيدة التثليث فقط، وكانت نقطة فارقة في تاريخ تحول الروم من الوثنية إلى المسيحية.

قسطنطين العظيم وثني أم صليبي

بنى قسطنطين القسطنطية لتكون منافسة لروما ، وفي حقيقته أنه أعتنق النصرانية لتكون سلاحا موحدا ضد خصومه ، ولتكون نواة مقاومة وحليف له ضد الديانات الوثنية المتفرقة في داخل حدود الإمبراطورية ، وبنى الكنائس ولكنه أيضا بني المعابد ،فقد كان متمسكا بديانته الوثنية ويقدم الذبائح لآلهتها، ويعبد الشمس التي لا تُقهر (Sol Invectus)، المأخوذة عن الإله رع المصري القديم، ثم استولت الكنيسة على هذا الرمز لتجعل من عيد الشمس التي لا تقهر، الذي كان يُحتفى به في 25 ديسمبر، وجعلته عيد ميلاد يسوع، إلى أن اكتشف العلماء ذلك أيام البابا يوحنا بولس الثاني، وسألوه فاعترف قائلا: “نعم؛ لقد كان عيد مثرا وأخذناه، فمَن أحق بهذا اللقب سوى يسوع المسيح ؟

يقول لوسيان هيلفيه: “ثورة الصليب لم تنجح بفضل دخول الأتباع أفواجا، وإنما لأن قسطنطين اعتمد عليهم لهزم خصومه، ثم كان من الضعف بحيث لم يتمكن من التخلص منهم”!

وها نحن نرى شخصا وثنيا، ولكنه أيضا في ذات الوقت نصرانيا بل أكثر من نشر النصرانية عبر التاريخ وأدخلها لأوروبا لتكون معقل النصرانية للأبد، وها نحن نرى أعظم تنصير في العصور القديمة يحدث على يد وثني وسياسيين أرادوا من التنصير التبعية والحكم المطلق بالحق الإلهي.

انقسام الإمبراطورية الرومانية إلى شرقية وغربية

صليبيون إلى يوم آرمجدون 3

في عام 390م مات ثيودوسيوس الأول آخر إمبراطور للإمبراطورية الرومانية الموحدة حيث انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى شطرين بعد وفاته، بين ابنيه، آركاديوس يحكم الإمبراطورية الشرقية وعاصمتها القسطنطينية وتبنت المذهب الأرثذوكسي ، وهونوريوس يحكم الإمبراطورية الغربية وتبنت المذهب الكاثوليكي

انتهت الإمبراطورية الغربية رسميا 476 م لتدخل أوروبا في مرحلة جديدة، العصور المظلمة ، وانتهت الإمبراطورية الشرقية بسقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح 1453م لتدخل تحت أمة الإسلام ويسلم بقايا الروم في تلك البلاد ، كما أسلم منهم الألبان ، وشعب الأناضول ، والسلاف البشناق.

الروم الصليبيون في العصور المظلمة

يصف القس دي روزا في كتابة (التاريخ الأسود للكنيسة) روما في تلك العصور بالعاهرة التي تسكر من يدخلها من كثرة الفساد فيها، ويصف لنا الباباوات في تلك الحقبة بالشياطين في ثياب الزهاد، ويذكر لنا أن البابا أوكتافيان، عاشر أمه معاشرة الأزواج! وكان له ألف حصان يطعمها من الخمر والتين ، وأنه عبد آلهة الرومان علانية ، ويسرد لنا عن باباوات كان لهم عشيقات وغانيات ، وباباوات لقطاء وباباوات لهم أبناء غير شرعيين وبعضهم اشترى الباباوية بالمال ، كما هو البابا جريجوري السادس ، لأن البابوية تعنى في تلك العصور الدنيا بما فيها ، ويسرد لنا قصص الاغتيالات للباباوات، والصراع على العرش البابوي والكنوز في داخل دهاليز كنيسة القديس بطرس، وباباوات ينتقمون من باباوات منافسين بنبش قبورهم والتمثيل بجثثهم ويصف لنا تحالف الفاتيكان مع الإقطاعيين ووعظهم للمقهورين والمستعبدين أن لا يعارضوا مشيئة يسوع، مع أن هؤلاء الباباوات كانوا يحكمون أوروبا وينصبون ملوكًا مكان ملوك ، هؤلاء الذين هم أقرب للملاحدة والشياطين هم قادة الحروب الصليبية في العصور الوسطى ، وهم من أطلق سعيرها على الشرق ، ولا يختلف مؤرخي الشرق والغرب اليوم أن جزءًا كبيرًا من تلك الحروب؛ غرضها في أوروبا ثروات الشرق ، للفقراء الصليبين صكوك الغفران وللنبلاء والإقطاعين والكنيسة صكوك الأراضي والذهب والفضة .

الروم والغرب في العصر الحديث هم علمانيون أم صليبين

يقول ريتشارد دوكينز – الذي يعتبر أشهر ملحد بل منظر الإلحاد في العالم اليوم – بالرغم أنه ملحد إلا أنه يعد نفسه مسيحي الثقافة ويشعر بالحنين للجانب الاحتفالي في المسيحية! وفي الوقت ذاته هو معادي لكل ما يمت للإسلام بصلة ، وكما يصف نعوم تشومسكي ملاحدة الغرب اليوم بأنهم مصابون بالإسلاموفوبيا أمثال هاريس وهيتشنز، وأما على صعيد سياسيات الدول وصناع القرار في الغرب ، نجد أن العلمانيين والدول العلمانية في العصر الحديث أكثر من خاض الحروب الصليبية ونصر القارات.

الاستعمار والتنصير

كما احتاج الجد الأول للمنصرين قسطنطين العظيم إلى التنصير لمواجهة الوثنية وتبعية النصارى وانخراطهم في صفوف جيشه ، احتاج المستعمر الأوروبي الإمبريالي النصرانية لتكون تلك الأمم الخاضعة تحت قبضة الاستعمار وتابعة له روحيا وثقافيا وسياسيا واحتاج لأن يمسخ كل الثقافات التي تعترض طريقه وهذا ما يفسر لنا قول عميد المنصرين ، صمويل زويمر في مؤتمر القدس التنصيري عام (1935) م

(… لكن مهمة التبشير التي ندبتكم لها الدول المسيحية في البلاد الإسلامية ليست في إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً، وإنما مهمتكم هي أن تخرجوا المسلم من الإسلام؛ ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها).

ومن هنا نفهم  الأثر البالغ والمستميت لكل دعاوات العلمانية والليبرالية على الإسلام ، وما الليبرالية والعلمانية إلا الجسر الذي ألقى به المنصرون على ضفاف الشرق من الغرب ليكون مدخلا لهم لقلاع الإسلام وحيلة بديلة لمآرب الكنيسة والاستعمار  ( فما لله لله وما لقيصر لقيصر ) لم تنبع تلك الكلمة من دارون أو ماركس أو من عصر الأنوار وما بعد الحداثة، بل نبعت من الكنيسة في عصر الاضطهاد المسيحي وعصر قياصرة الرومان المنتصرون و لم تشأ أن تصطدم معهم الكنيسة التي خافت بطشهم فأعطتهم ما يجب أن يكون لله ومع أنها قرينة الاستبداد أيضا هي قرينة ومقولة كنسية .

النصرانية بعد الاستعمار

إن إفريقيا أكثر القارات التي تعرضت للاستعمار والتنصير بعد الأمريكيتين ، ففي عام 1900 كان عدد النصارى 8 مليون فقط أما في آخر إحصائية لعام 2010 فقد وصل عدد النصارى إلى 390 مليون ، وفي 1900 م  كان 93% من نصارى العالم يعيشون في أوروبا وأمريكيا الشمالية وأستراليا، أما اليوم فقط 40% يعيشون في تلك المناطق و 60% في إفريقيا وآسيا و أمريكا الجنوبية وهذه بفضل جهود الدول العلمانية الإمبريالية والإرساليات التي تخرج بدعم مالي ضخم من تلك الحكومات العلمانية ، إن الدول التي اعتقد العالم أنها لا دينية ، ففي 1900 أيضا كان عدد النصارى 600 مليون أما اليوم فلدينا 2 مليار نصراني في العالم ولم تكن تلك بفضل سياسات القيم ، والحرية ، والعدالة ، والمساواة ، بل بسياسة ( الخبز مقابل الصليب ) .

قادة الدول الإمبريالية والروح الصليبية

هتلر

“أنا كمسيحي لا أجد نفسي ملزمًا بالسماح لغيري بخداعي، ولكنني أجد نفسي ملزمًا بأن أحارب من أجل الحقيقة والعدالة” أدلوف هتلر

قساوسة ألمانيا يؤدون التحية النازية

اتخذ هتلر النازي الصليب المعكوف شعارا له أعرب عن اعتقاده في أن المسيح كان ينتمي للجنس الآري لأنه كان يحارب اليهود. ومع أنه لا يتقيد بالشعائر الدينية بحسب بعض المؤرخين!

 

ستالين

(سياسة ستالين تنسجم مع مبادئ الكنيسة المسيحية) الأب سرجيوس

(ستالين هو أعظم قائد ومعلّم في كل الأوقات والأمم، مرسل من الله ليخلص الأمة من الاضطهاد الطبقي)

الأب يفانينكو

لا يستطيع أحد أن ينكر أن ستالين كان ملحدا وبدأت علاقته مع رجال الدين بالمعاداة في بداية حكمه، ومع هذا تصفه الكنيسه بالعزيز على القلب وعلقت صوره على أبواب الكنائس بعدما ما رمم الكنائس القديمة ودعم رجال الدين وتحالف معهم وكانوا هم حلفائه ضد النازية للحفاظ على الأمة الأرثذوكسية ونفذ وعوده لهم بدعمهم وظلت الكنيسة في وئام مع ستالين حتى يوم وفاته.

ولو تتبعنا دول الغرب لوجدناها غارقة في التحشيد الصليبي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي كتب دستورها على المذهب البروتستانتي ،وهي البلد الأكثر صليبية وتدينا بين دول الغرب قاطبة وهي من تقود الراية الصليبية اليوم وتصرح بها علنا كما أعلن بوش في 2001 وكذلك فرنسا التي ركل جنرالها غورو على قبر صلاح الدين ، وقال قولته الشهيرة (ها قد عدنا يا صلاح الدين ) إلى ساركوزي الذي يعلنها صراحه بالوقف ضد أسلمة فرنسا، وإلى أزمة البوركينى التي ماهي إلا قطعة قماش تدل على حجم صراع كبير بين حضارتين وعالمين لا يمكن أن يلتقيان . وكذلك بلير الذي إلى الآن يدعوا إلى تحالف دولي يضم الدول الكبرى للقضاء على الإرهاب الإسلامي.

 

الصليبية باقية إلى يوم آرمجدون

كي لا نخدع من جديد، ولا يزعم زاعم أن تلك الأمه تغيرت، هم صليبيون في (جلودهم) لكن ثيابهم تتبدل مع أطوار الزمان  كي لا تضيع دماء شهداء أمة الإسلام وننسب مظلوميتها إلى غير الصليب، كي لا تخدعنا مسميات الحروب من جديد ، استعمار ، إرهاب ، هي حروب صليبية وتسعى لنهب الثروات ومسخ الثقافات، كي نحتشد كأمة عقدية أمام عدو لم ينس لنا القسطنطينة، واليرموك، وموهاكس، هم الروم الذين خضنا معهم أطول صراع يشهده التاريخ البشري بين أمتين تتنافس على حكم العالم، هم الروم وسيبقون صليبيين إلى يوم آرمجدون ليوم دابق والأعماق. ولن تغمد سيوفنا معهم حتى نعلقها بأغصان الزيتون.

1812

الكاتب

أبو هاشم البارود

معلم للغه العربية نشط في مواقع التواصل الاجتماعي، باحث في التاريخ مهتم بالشأن الإسلامي، لا أنتمي لأي حزب أو جماعة أو تنظيم كل مانسعى إليه 《المعرفة والعلم》 لكشف زيف الحضارة الغربيه 《لنصنع المستقبل فلنقرأ التاريخ لنفهم الواقع》.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.