بعد سقوط الحكم الإسلامي بقيادة الدولة العثمانية عام 1922م، وبعد حكم دام قرابة الستة قرون، كانت الهجمة الغربية على الأمة الإسلامية كبيرة على الصعيدين الاحتلالي العسكري، والفكري الثقافي. وبعد الثورات العربية في الوطن العربي الإسلامي، تخللتها ثورات عسكرية ضد الغازي الإنجليزي والفرنسي والإيطالي، ما دحره عن الأوطان. ولكن من سلبيات هذه الثورات أنها أبقت على التعامل مع المستعمر في جميع مناحي الحياة؛ فتواصلت معه اقتصاديًا واجتماعيًا وتكنولوجيًا وسياسيًا وعسكريا وأمنيًا، لدرجة أنها أصبحت لا تستطيع أن تنفك عنه في أدق تفاصيل نظامها الحاكم؛ ما جعل المحتل يبدل الدور الاحتلالي بالدور الثقافي، وهو في ظني الأخطر على الإسلام وتراثه، والأمة الإسلامية وحضارتها.

فبرزت القومية -وتعرف بالإنجليزية: Nationalism-، وهي “نظام سياسي واجتماعي واقتصادي يتميز بتعزيزه مصالح دولة معينة، خاصة بهدف كسب والحفاظ على الحكم الذاتي، أو السيادة الكاملة، على وطن الجماعة” فصفقت لها حفنة من المثقفين بقيادة بعض الثوار الذين قادوا الثورات ضد المحتل آنذاك، حتى تبعتها شعوبها وهي مخدرة بنشوة النصر على المحتل، وقامت بعض الجماهير العربية بالمطالبة الفورية نحو الوحدة العربية، وتأميم المصانع والشركات وغيرها من القوانين الإصلاحية، وإذ القومية تصبح حلبة مصارعة بين زعماء الثورات العربية، ومن ثم تطورت لانقسامات حتى تقدمت لعدوات بين الدول العربية، فاختلط النظام السياسي القومي بالنظام السياسي الاشتراكي.

والاشتراكية تعني: “نظام اقتصادي يمتاز بالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والإدارة التعاونية للاقتصاد؛ أو هي فلسفة سياسية تدافع عن هذا النظام الاقتصادي. الملكية الاجتماعية تعود لأي شخص ما أو مجموعة مما يلي: شركات تعاونية، أو ملكية شائعة، أو ملكية عامة مباشرة، أو دولة المؤسسات المستقلة”. وسرعان ما تهافتت عليها الأنظمة العربية وتداولها النظام السياسي الاشتراكي، وكالعادة برزت حفنة من المثقفين لتروّج فكرة الاشتراكية؛ لدرجة أنهم ادعوا أن الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري هو من أسَّس للاشتراكية أو أنه من دعاتها! وهذا ادعاء باطل وبهتان وزور على أبي ذر رضي الله عنه. وبعد تغلب الرأسمالية على الاشتراكية، فإذ من كان يصفق ويطبل للقومية والاشتراكية يأخذ دوره مرة ثانية في التصفيق والتطبيل للرأسمالية، والتي كانت في تلك الفترة نظامًا رأسماليًا سياسيًا، وتعرف الرأسمالية: بأنها “نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية تقوم على أساس تنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعًا في مفهوم الحرية. وتزداد أهمية مفهوم الملكية الفردية في الموارد النادرة حيث يفتح السوق المنافسة الصرفية بين الأفراد لاستغلالها بكفاءة”.

ما الديمقراطية؟

الديمقراطية قراءة نقدية في النظام السياسي الديمقراطي 1

حتى جاءت الديمقراطية، (والتي تعرف باليونانية: dēmokratía، وحرفيًا “حكم الشعب”) وهي شكل من أشكال الحكم، يشارك فيها جميع المواطنين المؤهلين على قدم المساواة -إما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين- في اقتراح، وتطوير، واستحداث القوانين. لكن المتعارف عليه اليوم هي الديمقراطية الحديثة وهي الديمقراطي الليبرالية، فلم يكن يوجد في عام 1900 نظام ديمقراطي ليبرالي واحد يضمن حق التصويت وفق المعايير الدولية. ولكن في العام 2000 كانت 120 دولة من دول العالم، أو ما يوازي 60% من مجموعها، تعد ديمقراطيات ليبرالية. واستنادًا على تقارير مؤسسة بيت الحرية Freedom House، وهي مؤسسة أمريكية يزيد عمرها عن 64 عامًا هدفها الذي يعبر عنه الاسم والشعار هو نشر”الحرية” في كل مكان، كانت هناك 25 دولة في عام 1900، أو ما يعادل 19% منها، كانت تطبق “ممارسات ديمقراطية محدودة”، و16، أو 8% من دول العالم اليوم.

فالديمقراطية اليوم تنقسم لقسمين: الديمقراطية الليبرالية، والديمقراطية غير الليبرالية. فالديمقراطية الليبرالية شكل من أشكال الديمقراطية التي تكون فيها السلطة الحاكمة خاضعة لسلطة القانون ومبدأ فصل السلطات، ويضمن دستور الدولة للمواطنين (وبالتالي للأقليات أيضًا) حقوقًا لا يمكن انتهاكها. أما الديمقراطية غير الليبرالية (غير الحرة) فهي شكل من أشكال الديمقراطية لا توجد فيها حدود تحد من سلطات النواب المنتخبين ليحكموا كيفما شاؤوا.

رأي بعض الإسلاميين في الديمقراطية

وكالعادة تم التصفيق للديمقراطية بكل أحكامها، والأخطر في ذلك أن الإسلام السياسي برر لها وجعل الديمقراطية من المنهج الإسلامي، يقول الدكتور القرضاوي: “الغريب أن بعض الناس يحكم على الديمقراطية بأنها منكر صراح، أو كفر بواح، وهو لم يعرفها معرفة جيدة، تنفذ إلى جوهرها، وتخلص إلى لبابها، بغض النظر عن الصورة والعنوان”… ويمضي بالقول: “فهل الديمقراطية التي تتنادى بها شعوب العالم، والتي تكافح من أجلها جماهير غفيرة في الشرق والغرب، والتي وصلت إليها بعض الشعوب بعد صراع مرير مع الطغاة، أريقت فيه دماء وسقط فيه ضحايا بالألوف، بل بالملايين، كما في أوروبا الشرقية وغيرها، والتي يرى فيها كثير من الإسلاميين الوسيلة المقبولة لكبح جماح الحكم الفردي، وتقليم أظفار التسلط السياسي، الذي ابتليت به شعوبنا المسلمة، هل هذه الديمقراطية منكر أو كفر كما يردد بعض السطحيين المتعجلين؟؟”

وكأن كثيرًا من الدعاة والمفكرين والمثقفين تناسوا وأغمضوا عيونهم عما انتهت به القومية والاشتراكية، وكل الأنظمة السياسية الدخيلة على الأمة الإسلامية، وخاصة بعد انتهاء الحكم الإسلامي في الوطن العربي والإسلامي (الدولة العثمانية)، كما أنهم صموا آذانهم عن أصوات الصواريخ ودوي المدافع وهي تقصف المسلمين، وتقطع أجسادهم وتمزق أحشاءهم، وأنها جاءت على صوت الدبابة الأمريكية الهادر، وتحمل في أحشاء الديمقراطية أخطر هدف تسعى جاهدة إليه؛ وهو أن يكون العدو الصهيوني جزء من الأمة الإسلامية، وأن العدو المركزي له وصاية سياسية على العالم الإسلامي باسم الديمقراطية، والتي كانت أفضل تجليات النظام السياسي الأمريكي في عبور منطقة الوطن العربي الإسلامي لاحتلاله بأرخص التكاليف. إن ما غاب عن الإسلام السياسي أن أمريكا هي المحتل الأساسي وهي العدو المركزي للأمة، وهي التي تحمل، بل تدعو، لتمكين النظام الديمقراطي في الأمة.

ويؤكد طه ويوضح حقيقة الغرب من دعوته للديمقراطية في بلادنا، فيقول: “وإن دعوة الغرب للمسلمين للتمسك بالديمقراطية ليست من أجل صلاح شأنهم، وإنما هي من أجل جعل علمانية الدولة والقانون الوضعي بديلًا عن “سيادة الشريعة” التي تأمر بالتحرر من هيمنة الغرب وفكره وباطله … إنها في الحقيقة ليست دعوة إلى رأي الأغلبية أو محاسبة الحاكم أو احترام الحقوق، ولكنها دعوة للاستبداد المطلق للدولة وقانونها المستمد من قانون الغرب ذاته، وتغيير القوانين والدساتير حسب الأهواء، وحسب إملاءات السيد المحتل”

إشكالية الفهم عند بعض دعاة الديمقراطية من المسلمين

الديمقراطية قراءة نقدية في النظام السياسي الديمقراطي 3

وهناك إشكالية لدى كثير من دعاة المسلمين والمثقفين، ما سبب خلطًا كبيرًا في الفهم لحقيقة الديمقراطية، ويوضح هذا الباحث فيقول: “وهنا مسألة أحب أن أنبه إليها لضرورتها، وهي: هل ما يظهر من التشابه في بعض الأمور بين الديمقراطية وبين بعض المفاهيم في الإسلام يجعلها في درجة واحدة؟ والجواب أن ما يظهر من التشابه بين النظام الديمقراطي وبين ما جاء به الإسلام في بعض الجوانب لا يجيز القول بأنه تشابه حقيقي في كل ناحية ولا يعطي الديمقراطية سبيلًا إلى الاختلاط بمبادئ الإسلام الناصعة، بل هو تشابه ظاهري، يصح أن نسمي ما جاءت به الديمقراطية قشورًا بالنسبة لتعاليم الإسلام أو صدى من بعيد له، فلا يجوز القول باستواء المكاسب في الديمقراطية وفي الإسلام لبعد حقيقة كل منهما عن الآخر. ومن العجب أن تمدح التعاليم الديمقراطية لأنها اكتشفت تلك الجوانب، ولا يُمدح الإسلام ويعترف له بالفضل وهو السابق لها بسنين عديدة، أليس الفضل للمتقدم؟ ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾”.

وعليه أقول: إن النظام السياسي الديمقراطي هو الذي يكفل حق استدامة النظام الدولي بكل قوانينه واتفاقياته، والذي جاء ليحقق الهيمنة الأمريكية على الشرق والغرب والمسلمين، ويبقي على سياسة التفرد في النظام السياسي العالمي، والذي ما تزال تدفع ضريبته الشعوب من كد عرقها ومالها ودمائها؛ فالنظام الديمقراطي الأمريكي هو بوابة الاحتلال الأميركي، وهو الترخيص الذي يبيح للأمريكان السطو على نهضة وحضارة ودين الأمة الإسلامية، ويجد في الأمة من يصفق وينادي بعملية التمكين الديمقراطي في بلاد المسلمين.

هؤلاء المخدوعون أين قراءتهم للإسلام الذي أمتلك أعظم الحضارات ودانت الأرض بمشرقها ومغربها وجنوبها وشمالها بهذا الدين العظيم؟ أقول لهم أين سيدة الديمقراطية أمريكا من الأقليات المسلمة في البلدان المختلفة، والتي تواجه العديد من المشكلات، وتعاني بعضها من كل أنواع الحرمان والحصار والتنكيل كالتقتيل والإبادة والتشريد والتجويع والتهجير، مثل ما يحدث في الصين (تركستان الشرقية) والهند، والفلبين، وبورما سابقًا (ميانمار حاليًا) والبوسنة والهرسك، ومن جنوب أفريقيا؟ بالله عليكم يا دعاة الديمقراطية، اسألوا أمريكا عن ما ذكرت سابقًا، لعلكم تعقلون.

إن النظام السياسي الديمقراطي هو النظام الوحيد الذي يحقق طغيان الحركة الصهيونية العالمية، والتي تحمي كل من يقتل المسلمين في العالم تحت التحالف الذي يمثل: “التوراتيين والإنجيليين”، وهي التي ترتكز على تقويض خصومها وتمددها ضمن تحالفاتها السياسية، وهي التي تهدد سلطة حكام اليوم بزوالهم أو تأمينهم والحفاظ على عروشهم في سبيل الإذعان للغطرسة والهيمنة بطريقة الديمقراطية الكاذبة. إن النظام السياسي الديمقراطي الوحيد الذي كانت وستكون من منتجاته صفقة القرن التي تقود الأمة الإسلامية للاحتلال العالمي للحركة الصهيونية، وستكون الديمقراطية مستقبلًا أكبر وهمٍ عاشه المصفقون والمطبلون لها.

أهداف الإرهاب الديمقراطي الأمريكي على المسلمين

يوضح حامد دور المحتل الديمقراطي الأمريكي فيقول: “الشعب الأفغاني هو المستهدف من حرب أمريكا وجيوش مرتزقتها. والحرب تجري الآن وستظل كذلك تحت رقابة CIA، وقوة محدودة من القوات الخاصة والجنرالات بالجيش للمحافظة على اتجاه الحرب ضمن إطار الاستراتيجية الأمريكية العليا، التي ليس من مصلحتها بحال أن يتحول جيش المرتزقة في أفغانستان إلى صورة طبق الأصل عن (شركة الهند الشرقية) في القرن التاسع عشر، التي تحولت إلى دولة تحكم الهند فعليًا بدرجة عالية جدًا من المرونة في ارتباطها بالمركز البريطاني. فالظرف الدولي الحالي مخالف تمامًا لما كان سائدًا منذ قرنيين من الزمان. فالحرب في أفغانستان مرتبطة بخارطة الحروب والأزمات الدولية التي تديرها الولايات المتحدة، وهي أشد ارتباطًا بالحملة الأمريكية الإسرائيلية في بلاد العرب من العراق والشام وحتى اليمن مرورًا بجزيرة العرب بنفطها ومقدساتها”.

ويوضح طه حقيقة الديمقراطية وما تهدف له فيقول: “والديمقراطية واقعًا هي: سيطرة المال والإعلام على عقول الجماهير، وصناعة الرأي العام، وسيطرة الشركات العابرة للقارات على مقدرات البلاد وثرواتها، فيما يسمى باقتصاديات السوق الحر أو «النيوليبرالية»، وهذه الشركات هي التي تمول وتحدد التوجه الانتخابي في البلاد القوية، وتمول الحروب والانقلابات في البلدان الضعيفة”.

يقول النحوي ليؤكد على ما قلناه في السابق: “انتهيت من قراءة كتاب أو تقرير بعنوان: «إسلام حضاري ديمقراطي»، تأليف “شيريل بينارد” بدعم “مؤسسة سميث ريتشاردسون” من “منشورات راند”، ذهلت أول الأمر وأنا أقرأ التقرير لهذه الجرأة والوضوح في الحرب على الإسلام، الحرب الممتدة سنين طويلة لم تهدأ فيها الحرب إلا من جانب واحد فقط، جانبنا نحن المسلمين. أما الطرف الآخر فهو ماضٍ في حربه المستعرة بكل قوته وعزيمته، وخطة محكمة، وتخطيط لا يتوقف ولا يضعف، حتى جعل وسخّر بعض أبنائنا دعاة له، وبعض دعاتنا ينادون بمبادئهم العلمانية والحداثة والديمقراطية والعولمة، ويتناسون الإسلام”

آلية التفكير عند دعاة الديمقراطية من المسلمين

يقول الدكتور عبد الحميد الأنصاري في كتابه: الشورى وأثرها في الديمقراطية، (ص:18) منخدعًا بالديمقراطية: “ترجع أهمية الديمقراطية وضرورتها إلى الطريق الوحيد لتقدم ونهضة الأمم. وفي الدول الديمقراطية نلمس آثار هذا الرقي في كافة الميادين الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية”.

فيرد عليه النحوي ويقول له: “إذا كانت الديمقراطية كذلك، وإذا كان هذا هو أثرها..، فماذا بقي للإسلام..؟! أين الرقي الذي لمسه الكاتب في الدول الديمقراطية…؟ أفي معاهدة سايكس بيكو..، أم وعد بلفور..، أم في ما يراه من حال العالم الإسلامي، والدول المتخلفة بعد مئات السنين من احتلال الديمقراطية لها؟ والديمقراطية ذاتها، وأهلها ومبتدعوها، لم يدعوا لأنفسهم رقيًا خلقيًا أعلى من الميكافيلية، ولا أعلى من الانحلال الجنسي، وإباحة الزنا واللواط، والعري، والخمر، وجميع الكبائر… ثم يأتي مسلم فيسبغ عليها، حسب النص السابق، ثوبًا فضفاضًا من الأخلاق. إلا إذا انقلبت مقاييس الأخلاق…!”

يوضح طه حقيقة بعض طريقة تفكير الإسلاميين وهم يحاولون استغلال هامش الديمقراطية ليحققوا بعضًا من أهدافهم وصولًا لحكم البلاد فيقول: “حاولت الحركة الإسلامية الوصول إلى الحكم عن طريق الصناديق -ظنًا منها أن المنافسة شريفة، وأن الديمقراطية عادلة شفافة-، فلما نجحت.. انقلبوا عليها عسكريًا كأشرس وأفحش ما تكون الانقلابات! وفي الحالات التي وصلت فيها للحكم قالوا لها: لا يحق لكِ الحكم وحدك لأنك “ديمقراطيات ناشئة” لا بد أن يحكم الجميع في صورة توافقية تشاركية، والشركاء متشاكسون .. والأهداف متضادة ففشلت في الحكم أيضًا! ومن الناحية الإعلامية: يطلقون حرية الإعلام ويقولون هذه هي الديمقراطية، فيحصل -خاصة في حال نجاح الأحزاب الإسلامية في الوصول للبرلمان أو تشكيل الحكومة- أن تزيد الهجمة على الإسلام والطعن فيه، وتشويه رموز الحركة الإسلامية، وزيادة قنوات العهر! فعند الحكم يقولون: ديمقراطيات غير مستقرة وناشئة، وعند الإعلام: تكون الديمقراطية على أشدها في التشويه والطعن والإساءة باسم الحرية!”.

يقول القرضاوي في نفس مقال الإسلام والديمقراطية: “من روائع القرآن: أنه ربط بين الطغيان وانتشار الفساد، الذي هو سبب هلاك الأمم ودمارها، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}”.

وأقول للشيخ القرضاوي: وهل هناك فساد أكثر وأكبر من فساد أمريكا كمحتل في المنطقة، والتي صدعت رؤوس مثقفينا وأنظمتنا بالنظام السياسي الديمقراطي التي تتبناه؟ فهل تعلم أن أمريكا رأس الأفعى وهي التي تسعى جاهدة شطب الإسلام بوصفه مفهومًا حقيقيًا يتصدر الأمة العربية والإسلامية؟ فأمريكا التي تنحاز ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانيةً مع العدو الصهيوني، أمريكا التي قطعت المعونات الإنسانية عن الفلسطينيين، ألا تسمع الأخبار عندما قالت: “أوقفت الولايات المتحدة يوم الجمعة كل التمويل الذي كانت تقدمه لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) في قرار يؤجج التوتر بين القيادة الفلسطينية وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب”؟

أطماع النظام الأمريكي الديمقراطي الإرهابي

الديمقراطية قراءة نقدية في النظام السياسي الديمقراطي 5

يوضح حامد حقيقة أطماع المحتل الأمريكي من أفغانستان فيقول: “ضرب الفساد البنتاجون نفسه (أي وزارة الحرب) وليس القيادات الميدانية في أفغانستان فقط. ورد خبر في أواخر عام 2018 يتحدث عن بدء تدقيق مالي كبير في البنتاجون يشرف عليه الكونجرس الأمريكي. وذكروا أن هناك فضيحة كبرى تمثلت في فقدان: واحد وعشرين ألف مليار دولار”!!” -هكذا ورد الرقم في الخبر- بلا أصول، تم تبديدها منذ حرب أفغانستان حتى تاريخه. ولازال التحقيق مستمرًا”

ويمضي حامد بفضح النظام الأمريكي الديمقراطي بقوله: “ويقوم البنك بعمليات مالية لصالح مجموعات إرهابية تعمل لصالح المخابرات الأمريكية. وذلك أحد سبل تمويل تلك المجموعات، لكن تظل الطريقة الأهم هي استخدام الهيروين عملةً لتمويل تلك المجموعات في شتى بقاع العالم، ويجمع (بنك كابول) كل العملة الصعبة الواردة إلى أفغانستان ليستخدمها عملةً “نظيفة” أو مسحوقًا لتبييض الأموال السوداء القادمة من تجارة المخدرات أو السلاح أو أي نشاطات أخرى كثيرة. وذلك في مقابل عمولة للبنك تصل أحيانًا إلى 50% من المبلغ القذر”

ويوضح طه كيف ينخدع بعض المسلمين بالنظام الديمقراطي فيقول: “قد يغتر بعض الإسلامين بحسنات الديمقراطية في الغرب من: محاسبة الحكام، أو التداول السلمي للسلطة، أو الفصل بين السلطات .. ونسوا أن هذه الدول تملك ابتداء نوعًا من السيادة والاستقلال لا تملكه بلادنا الواقعة تحت التبعية والاحتلال، كما يغفلون كذلك أن هذه الديمقراطيات الغربية كثيرًا ما تخدع شعوبها، وتعمل على استمالتها لحظة التصويت الانتخابي فقط، وأنها تتملص من تلك الوعود بعد انتهاء «السيرك الديمقراطي»، وأنها أوقعت شعوبها في شبح الديون التي لا تنتهي، وأنها تستبد بشعوبها باسم الأمن القومي، وتغتال حريتهم بتوحش المرابين وأباطرة المال والبنوك، وإن المحاسبة الحقيقية، والشفافية الصادقة لا مجال لها في عالم السياسة والمصالح، ومن يُسرب أي حقيقة فإنه عرضة للقتل والسجن، فليس الأمر بهذه الصورة الوردية”.

فأقول: إن النظام السياسي الديمقراطي هو الوجه الحقيقي السيء للحملة الاستعمارية لأمريكا للوطن العربي الإسلامي، وهي التي تستخدمه كوصاية على الأمة الإسلامية، وهي التي أنشأت الاستبداد والظلم من قبل الأنظمة الحاكمة اليوم؛ لأنهم أخذوا شرعيتهم من تحالفهم مع الصهيوأمريكية، وعلى أثر ذلك فقدوا شرعيتهم نحو ديمومتهم في حكم الشعوب العربية والإسلامية، فنهبوا مقدرات الأمة ودفعوها بنظام الأتوات والضرائب للمحتل الغازي والعدو الذي ما زال يسري في الأمة بعدوانية وبلطجة، وما يحدث في الوطن العربي الإسلامي خير دليل، ظنًا منهم أنه سيحمي عروشهم. وما يحدث في الوطن العربي والإسلامي من تجاوز لحقيقة الإسلام الذي يدعو لمناصرة المسلمين على عدوهم، تجدهم يؤسسون المؤتمرات التطبيعية الداعية لقبول العدو الصهيوني، مرة باسم الاقتصاد ومرة باسم المهرجانات الرياضية، ومرة ثانية مؤتمر باسم “تحالف الأديان لأمن المجتمعات”، وأخرى مؤتمر دولي باسم التعايش بين الأديان السماوية، وحوار الأديان، وهناك بعض الدول تتسابق على أفضل بوابة عربية لتعزيز السلم العالمي والتقريب بين أصحاب الديانات السماوية، والكل يتناسى ما جاء في برتوكولات بني صهيون، وما قام به الإرهاب الأمريكي.

ويدافع القرضاوي عن الديمقراطية بأنها أمثل الضمانات لحماية الشعوب من الحكام فيقول: “ميزة الديمقراطية أنها اهتدت خلال كفاحها الطويل مع الظلمة والمستبدين من الأباطرة والملوك والأمراء إلى صيغ ووسائل، تعتبر إلى اليوم أمثل الضمانات لحماية الشعوب من تسلط المتجبرين. ولا حجر على البشرية وعلى مفكريها وقادتها أن تفكر في صيغ وأساليب أخرى لعلها تهتدي إلى ما هو أوفى وأمثل، ولكن إلى أن يتيسر ذلك ويتحقق في واقع الناس نرى لزامًا علينا أن نقتبس من أساليب الديمقراطية ما لا بد منه لتحقيق العدل والشورى واحترام حقوق الإنسان، والوقوف في وجه طغيان السلاطين العالين في الأرض”.

بين أنصار الديمقراطية وفقهاء المسلمين

وأرى أن ما قاله القرضاوي فيه استخفاف بالإسلام غير متعمد بنظامه الشامل لحقوق الرعية والناس والشعوب، حتى الكفار في ديار المسلمين. وأرى أن هناك خلطًا كبيرًا بين مفهوم الديمقراطية، والنظام السياسي الإسلامي: “فالديمقراطية تحدد حقوق الفرد والحريات العامة، أما النظام السياسي الإسلامي لم يحدد الحقوق الفردية والحريات العامة؛ لأنها محددة من القرآن الكريم، مبنية من السنة النبوية، ومنظمة من القواعد الشرعية، وقد حددت الشريعة الضمانات التي تكفل حماية هذه الحقوق والحريات ضد اعتداء الحكام والمحكومين”

يرى الفقهاء المسلمين “أن البيعة عقد حقيقي يتم بين الخليفة وبين الأمة، وأن البيعة من موجبات النظام السياسي الإسلامي، وهذا العقد لا يتضمن أي تنازل من الأفراد عن حقوقهم الفردية وحرياتهم العامة للخليفة أو الحاكم؛ لأن الحقوق والحريات ثبتت لهم من الشارع وهو الله مباشرة، فالتنازل عنها كلها أو بعضها لا يعتمد به، ويكون باطلًا بطلانًا مطلقًا”

وعلى ما تقدم، نجد أن الديمقراطية هي التي ترسم حقوق الأفراد الخاصة أو العامة، وكذلك نرى في الديمقراطية أنها تؤكد على جلوس الحاكم أربع سنوات قام بواجباته نحو عموم المسلمين أو لم يقم، استبد أو ظلم، فالنظام الديقراطي يضمن حق بقائه لأربع سنوات، وهذا مخالف للنظام السياسي الإسلامي الذي يعقد على البيعة بين الخليفة أو الحاكم وأمته، “فالبيعة تعد وسيلة تعبير الأمة عن رأيها في شأن عام، ولا يشترط اشتراك كل أفراد الأمة لهذا التعبير، وإنما تكفي الأغلبية حتى يصير التعبير صحيحًا”، فعقد البيعة يظل منتجًا أثاره بين الأمة والخليفة ما دام العقد سليمًا، فإذا ورد عليه ما يبطله تأثر هذا العقد وبطل”

قال الخليفة الثاني عمر الفاروق: “رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوب نفسي”، ويقول: “أيها الناس من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقومني .. “، ويرد عليه واحد من الجمهور فيقول: والله يا ابن الخطاب لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد سيوفنا”! وترد عليه امرأة رأيه وهو فوق المنبر، فلا يجد غضاضة في ذلك، بل يقول: “أصابت المرأة وأخطأ عمر”!. ويقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لرجل عارضه في أمر: أصبت وأخطأت ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾”.

كما نلاحظ أن النظام الديمقراطي حدد المقصود بالأمة، وهي: جماعة من الناس مستقرة على بقعة معينة من الأرض تجمعهم الرغبة المشتركة في العيش معًا. ومما يساعد على تكوين الأمة: اتحاد أفرادها في الجنس والتاريخ واللغة، وتعتبر اللغة أهم عامل في تكوين الأمة.

أما النظام السياسي الإسلامي فجاء واضحًا في تعريف الأمة، فلا يفرق بين الناس بسبب جنسهم أو لغتهم أو أماكنهم التي يعيشون عليها. أهم عامل في تكوين الأمة الإسلامية: وحدة الدين بين الأفراد؛ لان الإسلام دين عالمي جاء لكل الأقوام والأجناس، وعليه قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. وقال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. “يا أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى، ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، ألا هل بلغت ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليبلغ الشاهد الغائب. ثم ذكر الحديث في تحريم الدماء والأموال والأعراض. الراوي: جابر بن عبد الله، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترغيب – الصفحة أو الرقم: 2964.

يقول القرضاوي: “إن جوهر الديمقراطية، بعيدًا عن التعريفات والمصطلحات الأكاديمية، أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم، وألا يُفرض عليهم حاكم يكرهونه، أو نظام يكرهونه، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله إذا انحرف، وألا يساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها.. فإذا عارضها بعضهم كان جزاؤه التشريد والتنكيل، بل التعذيب والتقتيل”.

وأقول للشيخ القرضاوي: وهل يجوز أن يتولى أمر المسلمين من غيرهم؟! وأين ميزان الإسلام في ما يفترضه الشيخ القرضاوي في سياسة الناس والمسلمين؟ وهل الشيخ القرضاوي غيّب حراسة الدين من قبل الحاكم؟!

وفي ختام الفقرة، يقر الشيخ القرضاوي بأن من يخالفها أو يعارضها جزاؤه التشريد والتنكيل، بل التعذيب والتقتيل، هل هذا بسب أن هناك خطأ في ممارسة الديمقراطية أم أنه هناك عدم فهم وإدراك لحقيقة النظام السياسي الديمقراطي؟ فلذا أقول: لماذا استدعاء الدين ووصفه بالديمقراطية؟ وهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمقراطيًا؟ ولماذا لم يرسله الله تبارك وتعالى على هذا الشكل الديمقراطي؟ وهل النظام السياسي الإسلامي نظام ديمقراطي؟ ولماذا دعاة الديمقراطية يدعون لنظامهم وكأنه نظام إحلال واستبدال ليكون بديلًا عن النظام السياسي الإسلامي؟ ألم يقف هؤلاء الدعاة لحظة مع إسلامهم وإيمانهم ووعيهم ويدعون إلى رسالة الإسلام بكافة جوانبها، ولا يستدعون الدين للدفاع عن الديمقراطية التي استهدفت إسلامنا وعقيدتنا قبل شعوبنا، فهم يعلمون علم اليقين أن الإسلام هو الحق المطلق، فقهًا وأحكامًا وسياسةً.

مَن الذي يختار حقًا؟

الديمقراطية قراءة نقدية في النظام السياسي الديمقراطي 7

يقول طه: “كافة نظم الحكم في العالم الآن تقوم بإجراء انتخابات ديمقراطية، وتزعم لنفسها أنها دول ديمقراطية، فالحل ليس فيها .. والفرق بين الدول هو فرق في قوة الدولة من بناء المؤسسات بطريقة منهجية علمية، ومحاربة الفساد، والاعتزاز بالهوية، والتصنيع، والتحدي الحضاري، وحيوية المجتمع. فمن يُصور لنا أن مجرد إجراء انتخابات سيحل كافة مشكلاتنا فهو شخص مخادع لنا، وكثير من الناس يُخدع وينزل ليضع صوته في صندوق .. كأنه صندوق سحري سيحل له كافة مشكلاته بمجرد وضع ورقة فيه

نجد “في النظام الديمقراطي، الشعب له السيادة الكاملة، سواء أكان المقصود به طبقة المواطنين الأحرار كما كان موجودًا عند اليونان القدماء، أم كان المقصود به: جميع المواطنين البالغين سن الرشد من الرجال والنساء كما هو في العصر الحديث. ومن ثم فإن القوانين تُسَن بإرادته، وتتغير بمشيئته، ويستطيع الشعب أن يضع التشريعات التي توافق هواه، وأن يلغي ما لا يتفق مع رغباته. أما النظام السياسي الإسلامي، فالتشريعات فيه من عند الله، وبيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنته، والمجتهدون لهم حق الاجتهاد في حدود القرآن الكريم والسنة النبوية، وليس لجماعة من البشر أن ينشؤوا حكمًا جديدًا يعارض ما ورد في الكتاب أو السنة، مهما كان متفقًا مع إرادتهم، وموافقًا لرغبتهم”

ويوضح طه ويبين مآلات الغرب ومقاصدهم في دعوة المسلمين لاتباع الديمقراطية فيقول: “وإن دعوة الغرب للمسلمين للتمسك بالديمقراطية ليست هي من أجل صلاح شأنهم، وإنما هي من أجل جعل علمانية الدولة والقانون الوضعي بديلًا عن “سيادة الشريعة” التي تأمر بالتحرر من هيمنة الغرب وفكره وباطله.. إنها في الحقيقة ليست دعوة إلى رأي الأغلبية أو محاسبة الحاكم أو احترام الحقوق، ولكنها دعوة للاستبداد المطلق للدولة وقانونها المستمد من قانون الغرب ذاته، وتغيير القوانين والدساتير حسب الأهواء، وحسب إملاءات السيد المحتل”.

يقول النحوي متيقنًا من أن بعض علماء المسلمين سيتبنون ما يصيغه المحتل على أمة الإسلام وأن هناك من يتطوع وهناك من يُستأجَر للدفاع عمن يقتله ويشرده ويهين دينه: “ومع قوة الدعاوى، وتجمع السباب، أصبح منا، من أنفسنا، من يتطوع ليدافع عن الشعار القاتل، والراية الكاذبة، والبريق الخادع، أصبح منا، من أنفسنا من يسخر قلمه وفكره وأعصابه ليدافع عن عدوه وهو يقتله، ويمسك بالسكين ليطعن بها نفسه، ويزهق به روحه، وهو يحسب أنه على خير، في حمى السكر، وشدة الخدر”.

لماذا يسمحون بالديمقراطية لبعض المسلمين؟

ويوضح طه أهداف المحتل ويكشف آلياته من السماح بالديمقراطية لبعض من مسلمين، وكيف يوظف الديمقراطية كأداة وظيفية لمواجهة بعض المسلمين الآخرين، فيقول: “قد يكون الأمر في حقيقته مراوغة من النظام الدولي للسماح للإسلاميين بالوصول إلى السلطة لحين مواجهة التيارات المتشددة الجهادية، أو مواجهتها فكريًا عن طريق إمكانية الحل السلمي الديمقراطي، ثم ينقلبون على الجميع في النهاية، أو لجعل الإسلاميين يصلون إلى الحكم لتشويه الإسلام، وإثبات فشل رجاله في الحكم، وقطع آمال الجماهير عن قدرة الإسلام على حل مشكلاتها”

وهنا يشير ياسين لهدف النظام السياسي الإسلامي الذي من خصائصه الشورى موضحًا أهدافها ومقاصدها على المجتمع مقارنة بالديمقراطية فيقول: “اقرأ في مصحفك أخي سياق الشورى لترى المسافة الفاصلة بين ما يصبو إليه المؤمنون من صلاح للحكم وبين الحال؛ اقرأ وتَبَصّر وتعقّل لتقيس المدى السحيق بين المساق الديمقراطي والسياق الشوري. لِنقُلْ: بين المناخ النفسي الفكري الخلقي الاجتماعي للنظامين؛ فإنك إن لم تقِس ولم تتبصر وتتعقل توشك أن تلُصِق على حال شعب نظامًا إن كان مألوفًا مفهومًا -ولو نظريًا-لدى النخبة من (الأعلين) فهو طارئ غريب على شعب أمي كذبوا عليه زمنًا وساقوه إلى صناديق الاقتراع الديمقراطي ليمارس طقوسًا شكلية اكتشف من صراخ المعارضة ومن ملاحظة النتائج أنها لعبة زور ومطية بهتان وسلم يتسلق عليه السياسيون المحترفون. ذلك حال الديمقراطية المُلصقة، وتنافر مناخ الشعب معها، وملَلُه من ألاعيبها.

وتمضي دراسة أخرى في المقارنة الجميلة وهي تفرق بين نهج إيماني من صناعة الله ونهج من صناعة البشر؛ فتقول: “إن نظام الانتخاب الديمقراطي هو أقرب ما يكون إلى الفوضى، إذ هو قائم على صياح الجماهير لمن يختارونه. بينما الشورى في الإسلام قائمة على اختيار أهل الحل والعقد من المسلمين لأفضل وأكفأ الموجودين في وقت أخذ البيعة، كما أن النظام الديمقراطي قائم على الدعاية والوعود الخلابة من قبل المرشح لنفسه وما إلى ذلك دون أن يكون لبعضهم سابقة خير أو شهرة بالعلم والتقوى في كثير منهم بل يتكل على العامة، والعامة –كما يقال– لهم عقل واحد يتتابعون لترشيح الشخص بفعل تأثر بعضهم ببعض وبما يقدمه من الرشاوي”.

ويكشف ياسين زيف الديمقراطية بقوله: “يقول القائل: يتغير الأمر لو كان المشرفون على تطبيق الديمقراطية مخلصين لا يزوِّرون. ونجيب ببداهة متعجبة: متى كان نظام الحكم ممنوحًا يُشرف عليه مشرفون هم بمعزل عن القاعدة (السفلى) تفكيرًا وشعورًا ونمطَ عيش؟ فالمَدخلُ زور من أساسه، والصفقة غبن. ونجيب بأن الأمر يختلف حقًا متى تطابق طموح الشعب مع نظام الحكم، ونبع النظام من بين أصابع الشعب، وتوَلّى النظامَ وهيأ مُناخه وسياقه خَدَمةً لقضية كبرى يقدسها الشعب. وليس إلا الإسلام كُلَّه، الإسلام وحده”.

وتوضح الدراسة حال الذين يدعون للديمقراطية، فتقول: “والواقع أنه انخدع كثير من المسلمين بنظام الديمقراطية خصوصًا جانب الانتخابات منها حين زعموا أن ذلك النظام هو مما دعى إليه الإسلام، بل وفرضه على المسلمين، فلذا هناك من دعى للديمقراطية. وسبب وقوعهم في هذا الخطأ هو ظنهم أنه لا فرق بين ذلك الانتخاب الغربي وبين مسألة الشورى التي دعى إليها الإسلام في قول الله عز وجل: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وهذا يدل على”:

  1. جهلهم بحقائق الإسلام.
  2. جهلهم بما تحمله الديمقراطية من أخطار على الدين وأهله.
  3. وما تحمله كذلك من مساوئ في طريقة الديمقراطية في الانتخابات.

يعتبر وصف نظام الحكم الإسلامي بالديمقراطية تجاوزًا في الألفاظ، وخروجًا بها عن معانيها الدقيقة للأسباب التالية:

السبب الأول

أن الشعب لم يكن يختار حكامه بالمعنى الدقيق، ولم يختر الشعب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبلغه رسالات ربه، وليقيم الأمر فيهم بالقسط والعدل، ولكن الله أرسل رسوله، فاتبعه من اتبعه، وخالف عنه من خالف عنه، وإذا كان أتباعه من الصحابة قد اختاروه ليكون لهم حاكمًا فهم لم يختاروه كما يختار الشعب الحاكم في النظم الديمقراطية، ولم يكونوا يراقبونه أو يحاسبونه. وإنما كان صلى الله عليه وسلم يستشيرهم فيشيرون عليه بالرأي، فإما أن يأخذ أو لا يأخذ. وكذلك لم يكن حكم الخلفاء من بعده عليه السلام ديمقراطيًا؛ لأنهم لم يرشحوا للخلافة من كل المسلمين، بل اختارتهم فئة معينة من الناس، وهم أهل الحل والعقد”. ويقول البدوي: “هذا هو رأي الدكتور طه حسين، ولكننا لا نوافقه عليه، إذ الواجب أن يكون الخليفة مرشحًا ومختارًا من كل المسلمين”.

وهنا لا أتفق مع طه حسين أن الذي يختار الخليفة أو الحاكم فئة محددة من المسلمين وهم أهل الحل والعقد، ولا أذهب بالكلية لما طرحة البدوي أن الخليفة أو الحاكم مختار من المسلمين، فأقول يجب أن يختار من جميع المسلمين وبتوافق مع أهل الحل والعقد، فمن حقوق عامة المسلمين على أهل الحل والعقد أن يقفوا بجانب حقوق عموم المسلمين حينما يتنصل الحاكم منها، وواجب عموم المسلمين أن يقفوا مع أهل الحل والعقد بعزل الخليفة أو الحاكم إذا خالف أمر الله وانتهك حرماته. يقول الخليفة الأول أبو بكر في أول خطبة له: “أيها الناس، إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني… أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته، فلا طاعة لي عليكم”.

السبب الثاني

وهي قائمة على فكرة العقد الجماعي، فالنظام السياسي الإسلامي قائم على عقد البيعة، فهي واقعية وحقيقة ترتب على الخليفة أو الإمام أو الحاكم العدل في الحكم، والقيام على أمور الدين، وإقامة الحدود، وإنصاف المظلوم، وحفظ الدين، والدفاع عن المسلمين. ومما يترتب لحقوق الخليفة أو الحاكم على الأمة: السمع والطاعة والنصرة والإخلاص وإعانته على القيام بواجباته وممارسته واختصاصاته، ما دامت حاله لم تتغير. فإذا تنكب الخليفة أو الحاكم الطريق المستقيم، وحاد عن الصراط المستقيم، وخان الأمانة، وظلم وجار أو فقد شرطًا من شروط الخلافة والنظام السياسي الإسلامي، فللأمة أن تقوّمه أو أن تعزله، وإن لم يتحرك أهل الحل والعقد، دون المساس بالنظام السياسي الإسلامي كجزء من السياسة الشرعية للبلاد.

أما منزلتها في الإسلام: فقد ظهر أن بعض المنخدعين بها قد تصور أنه لا فرق بين الديمقراطية وبين الإسلام، بل ويزعم أن مبادئ الديمقراطية هي نفس المبادئ التي دعا إليها الإسلام، ولا شك أن من قرأ ما كتبه علماء المسلمين عن الديمقراطية سيلمس الفرق واضحًا لا خفاء فيه. والقائل بعدم الفرق إما أن يكون جاهلًا أو مخادعًا أو ملحدًا مغالطًا، ومن الفوارق الواضحة أن أهداف الديمقراطية وحلولها للمشكلات كلها سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك هي غير الأهداف وغير الحلول التي جاء بها الإسلام، ولا بد أن يحصل الاختلاف. بكل بساطة ووضوح حلول الإسلام دائمة وعامة، وحلول الديمقراطية مؤقتة ولمصالح.

الخلاصة

الديمقراطية قراءة نقدية في النظام السياسي الديمقراطي 9

لماذا نريد الديمقراطية في بلادنا؟! هل لأن الأمة محتاجة لتجارب سياسية وأنظمة حكم جديدة؟!، أليس بكافٍ من تجارب قدمت عنوة على مجتمعنا الإسلامي من شيوعية لاشتراكية وعلمانية وآخرها الديمقراطية؟ أتذكر كيف قامت الأمة ولم تقعد على فكرة القومية، والتي كانت تهدف لتفعيل القومية العربية في مواجهة المشروع الغربي حين اكتسحت الحضارة الغربية والفكر الغربي على الأمة، وإذ بها تزداد تصدعًا وتشققًا؟

فالإسلام دين ودولة ونظام سياسي وحكم، وعبادة ومعاملة، ودعوة وسياسة وجهاد، وعدل وإحسان بين العالمين كافة، وعلى الأمة أن تعقل نظامها الذي جاء قرابة 1440 عامًا من الهجرة، وكفى مراهقة وهرطقة سياسية في تبني أفكار غربية لا تستطيع الأمة أن تجتمع عليها، وآخرها الديمقراطية، فإني أراها إلى زوال، ويبقى الإسلام رسالة عالمية جاءت للناس كافة، وهو الدين الوحيد الذي جاء للعالمين وليس لأقوام محددين، وهو النظام السياسي الإسلامي الحق ليس ادعاء، وإنما حقيقة نابعة من إيماني وتوحيدي وفهمي واعتقادي أن الإسلام رسالة عالمية تشمل جميع الناس، وهو الدين الوحيد الذي رسم معالم جميع العلاقات في النظام السياسي لإدارة المجتمعات كلها، وازددت يقينًا بأن الديمقراطية ذاهبة للفناء عندما أعبر بالتاريخ وكيف تضاءلت الأنظمة السياسية الدخيلة على الأمة من قومية، واشتراكية، وشيوعية وغيرها حتى الفناء. كما يستقر قلبي وأنا أيضًا أعبر في تاريخ أمتي المجيدة وهي تتصدى لكل قوى الشر التي غزت بلادنا لتنال من إسلامنا، فسرعان ما يشتد الدين في الأمة ليكون طاردًا لكل المحتلين عن بلادنا لينهض بحضارته وتراثه ليقود بها الأمم.

481

المصادر
الكاتب

د. محمد كامل شبير

حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم الطبية من الجزائر جامعة وهران في عام 1993. الماجستير في العلوم الطبية تخصص مناعة، من السودان جامعة الخرطوم، و درجة الدكتوراه من جامعة النيلين من السودان. مشارك في أكثر من 12 عمل بحثي وعلمي مختلف منها في بريطانيا ونيجيريا والهند وفلسطين. ومدرب في التتنمية البشرية وخاصة في القيادة والعمل من خلال روح الفريق، وكاتب سياسي فلسطيني متخصص بالقضية الفلسطينية والشؤون الدولية المتعلقة بالحق الفلسطيني.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.