تذاكرنا في صفحتنا الأولى من صفحات دفتر الالتزام تلك الانطلاقة التي يبدأ فيها الإنسان رحلة التغيير ، رحلة التحدي بل رحلة الإنجاز… وهي المرحلة التي لن يشعر بها أحد، لأنها في الخفاء لم يبصر فيها الناس بعد ملامح التغيير الذي طرأ على الملتزم الجديد، ولكننا نبهنا إلى أن العقبات لابد أنها ستتربص به كتربص الذئب بالغنم، يتحين الشيطان خلالها الفرص ليعيده لنقطة الصفر ويجتهد في ذلك قبل أن يشتد بنيان قلبه ويتحصن من كل اختراق ينقض معه الغزل.

العقبة الأولى: الأهل والأصدقاء

في هذه الصفحة سنتحدث عن أولى العقبات في هذا الطريق، أولى العقبات التي سيصطدم بها الملتزم الجديد عندما تبدأ ملامح التغيير بالتجلي والظهور، إنها عقبة الأهل والأقارب والأصدقاء والجيران وكل من هم في محيط الملتزم الجديد، الذين دأبوا على رؤيته بصورة مختلفة… بسلوك مغاير عما عزم أن يكون عليه، فاليوم سيدخل عليهم بصورةٍ جديدةٍ، بنفسيةٍ جديدةٍ، بعقليةٍ جديدةٍ، فكيف سيكون اللقاء، تصادم أم انشراح!

نعم فقد ألفوا طريقتك في العيش سابقًا، ولابد أن يكون هناك مرحلة تعويد أو إلزام لهم لقبولك كما أصبحت الآن، هي مرحلة بقدر ما يكون نجاحك فيها قويًا، بقدر ما يكون مسيرك على درب الالتزام قويًا، وأنت بين أن تدخل تدريجيًا لهذه المواجهة أو أن تتلطف في الخطاب حتى تستقر بأمان بحسب الوسط الذي أنت فيه.

التغيير

الالتزام بالصلاة والصوم

لا شك أن أول ما يلحظه الأهل والأقارب في الملتزم الجديد، المواظبة على الفروض من صلاة وصوم .. وهي أول مرحلة قد تدفعهم للتساؤل، ما الذي يجري؟!

هنا يتحتَّم على الملتزم الجديد أن يواجه الأمر بثقةٍ تامةٍ واعتزاز، إنها فروض الإسلام التي لن أتخلى عنها أبدًا ولو عاداني عليها كل من في الأرض، إنه الحد الأدنى الذي أنت مطالب بالحفاظ عليه مهما كلّفك من ثمن، فصلاتك وصيامك وفروضك التي فرضها الله عليك لا مجال للمجادلة فيها، فهي محل إثبات قوة شخصيتك، هي مربط فرس كينونتك، أكون أو لا أكون!

لن تستجدي من أحد رحمة ليقبلك بها، وإنما تفرض نفسك بالقوة منذ أول يوم، فحين يحين وقت الصلاة، ستقوم دون تسويف لأداء فرضك، ولا يعنيك تعليق المستهزئين ولا المخذِّلين، وخير ما تفعله أن تصليها بعيدًا عن أنظارهم حتى لا يستغلونها في تشويشك أو قطعك عن خشوعك… داوم عليها في المسجد وإن تعذر ففي غرفة منعزلة، لأنك ستبتعد عن أي تأثير قد يفقدك لذة هذا اللقاء الشرياني.

Embed from Getty Images

إن نجحت في فرض هذا النمط الجديد في سلوكك أمامهم، فهم سيحترمون هذا التغيير مع الأيام، سيدركون أنه خطٌ أحمر لا مزاح فيه. وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولن تجد إلا ما يسرك في قابل الأيام، لأنك من حيث لا تدري قد خلقت في أنفسهم شعورًا بالضعف، بالنقص… بالخطأ… بالذنب، حين يرون فيك الالتزام على الصلاة، إنها رسالة روحية تصلهم ولا يبدونها لك وقد تكون هذه الطريقة وحدها كافية لأن تهدي من أحببت!

حديثنا هنا لا شك أنه عن وسط عائلي ومحيط لا يحترم الالتزام… لا يصلي… لا يهتم لفروض الإسلام، وإلا فإنها السعادة المطلقة حين يحتضنك بيت قد رفع فيه صوت التكبير عند كل صلاة وتكسو زواياه خشوع البيت المسلم في رحاب ذكر الله.

سيرة الرسول خير معين على الثبات

ثم إنك بعد هذه العقبة الأولى قد يتجرأ من هو دأبه العناد ليخرجك من مملكتك السامية فيجرب معك حبال الشيطان، فاقطعها من البداية ولا تداهن، فوقت الصلاة وقت لا مزاح فيه، لا تسويف فيه، لا انشغال عنه… وقت فروضي التي هي من شأني وحدي لا شأن لأحد آخر بها.

هذه المرحلة قد تستغرق منك وقتًا قصيرًا جدًا بحسب قوة حزمك، لتنطلق بسرور لغيرها من مراحل، فكلما كنت حازمًا في هذه فلن يكون الذي أمامك إلا أهون، ولكنك إن ترددت وتلكأت في هذه فأنت بحاجة لمعالجة روحية بإلقاء نظرة على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة ورجالات الإسلام كيف أخذوا هذا الدين قضية حياة أو موت، وانطلقوا بثبات شامخ في وسطٍ جاهلي هو الأقبح والأبشع مما قد يتخيله المرء! فكان نجاحهم مبهرًا خلّدوا به سيرهم المتوجة بالبطولات.

إن شعرت بضعف في الإرادة فأنت إذن بحاجة لأن ترتشف من عقار تاريخنا الماجد جرعات تُحيي همتك، توقد فيك الشوق وتشرق معها الروح، فتندفع مقبلًا، لا يوقفك أحد، اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ كل ما يرفع همتك، اجعل للكتاب ساعة صحبة لا يناجزك فيها أحد، استلهم منه الأفكار، دعها تنساب لداخلك فتداوي تلك الخلايا التي ألفت الخمول والكسل والتسويف، أنعشها لتهتز وتربو كما يربو الزرع تحت المطر! قال تعالى:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ

Embed from Getty Images

أنت الآن تتحسس بنفسك كيف تتفكك العقد النفسية المخذّلة. أنت بعد هذا القسط الوافي من المطالعة والاطلاع على المحاضرات الملهمة بدأت تستشعر سهولة في المهمة، إنه كذلك التيسير الذي يمنّ الله به عليك ببركة الصلاة وببركة المحافظة عليها. فالله سبحانه وتعالى رحيم بعباده لم يسلمهم للشيطان إن حصنوا أنفسهم بذكره، قال تعالى:

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً

وكلما واظبت بإتقان كلما ارتقيت بجدارة، كلما حققت درجة سامية في سلم الدرجات إلى العلياء.

أنت الآن مسلم مُصلٍّ

وكفى به إنجازًا، إنه أول ما يُسأل عنه المرء، عن صلاته التي هي عماد الدين التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، التي إن صلحت صلح معها عملك وإن فسدت فسد معها عملك.

خذ إذن وقتك في البحث عن طريقة الصلاة الصحيحة كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابحث عن الأذكار ومعانيها… عن أجر الصلوات والمسابقين لها، ولا تندفع بقوة لأداء النوافل مرة واحدة بل تدرج بقدر استطاعتك وضع أمامك دائمًا حدًا أدنى لن تتنازل عنه حتى الموت! إنها فروضي الخمسة!

Embed from Getty Images

قم وكبر وألقي خلف يديك كل هذه الدنيا بملذاتها لتدرك كيف تكون اللذة الحقيقة عند لقاء بارئك، ثم استعن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه:

يا مُعاذ، والله إني لأُحِبّك فلا تنْسَ أن تقول في عَقِب كل صلاة: اللهم أعِنّي على ذِكْرك وشكرك وحُسْن عبادتك

المحافظة على الصلاة ضمن برنامج حياتك

لا شك أن المحافظة على الصلاة تستلزم منك جهدًا آخر ألا وهو مقاومة المغريات التي ستنسيك مواعيد الصلاة والتخلص من كل ملهيات قد تحرمك الفرض الثاني من فروض الإسلام، وقد تجاوزنا مرحلة فرض النفس أمام الأهل والمحيط الذي تعيش فيه، ولكن بقيت عقبة متعلقة ببرنامج حياتك، بمؤثرات قد تكون ملازمة لك ولا يمكنك التحكم فيها.

نعم فقد تتحد المؤثرات من جميع الأطراف المحيطة بك، لتسبب لك عقبة ثانية تثنيك عن المواظبة على صلاتك وكذا جميع فروضك، لابد من تجاوزها بحكمة وذكاء. وأمام هذه العقبة لابد لنا من تفصيل، فالوسط الذي يحيط بك، قد يبتدر حالة التغيير التي لمحها فيك، بشيء من اللامبالاة باعتبارها نزوة عارضة وسلوك متأثر سيزول بعد حين، فإن أنت واصلت الثبات على موقفك، ستصطدم بمرحلة التضييق، أي ستواجه هجومًا نفسيًا لا ينفك يؤرق مسيرتك.

الالتزام

ثم تتصاعد المحاولات من أجل أن ترجع عن التزامك وحينها لا تعجب إن رأيت نفسك حديث الساعة الذي يلوكونه بألسنتهم، يتلقفونك من كل الأوجه بالسخرية والتهكم والذمّ وغيرها من أساليب التجريح. ولا تستغرب إن شعرت كذلك بوطأة الحسد الذي يتمنى صاحبه زوال النعمة عن الغير.

كيف تواجه كل هذا؟

هنا عليك أن تتذكر الفرق بين المراتب التي ميّز الله بها الناس، فلا شك أنك إذا ارتقيت درجة في السلم لاقيت حسدًا ونقمة ممن لم يحظ بمثل هذا التميّز، وود لو بقيت مثله تسليه في محنته و تهون عليه حالة الغبن التي يعيشها وكما يقال إذا عمّت خفّت، ولكن السبق من الآخر ثقل على النفس!

فحاول ألا ينفردوا بك، ألا يجمعوا أمرهم على حرمانك هذا الفضل، لا تلتفت لاستثاراتهم، لا تبالي باستفزازاتهم، بل قابلها بهدوء المشفق وحكمة المدرك وحلم البصير، ولا تنس أن تستعين بمن قد يؤمّن لك بعض الاستقلالية ممن تعرف فيه صلاحًا وتأثيرًا في عائلتك، هكذا يكون لك موطأ قدم في محيطك، تحفظ به حقك كمسلم قرر الالتزام بتعاليم دينه الحنيف.

رفقة

فإن لم تجد فكن أنت المستقل .. موظفًا الحكمة في الخطاب والتدرج في دفعهم إلى تقبلك، لا تكن فظًا غليظ القلب بل محبًا يطلب الحق! ولا تقلق فإن هذه التصادمات والأذى إنما يبتليك به الله من أجل أن يصقل الإيمان في قلبك ويشتد عزمك. وليحدوك قول الله تعالى:

انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً

هنا وصلنا لنهاية صفحتنا الثانية من صفحات دفتر الالتزام، وسنواصل الحديث في الصفحات المقبلة عن نوع آخر من العقبات التي ستتربص بك خلال هذه المرحلة الأولى من بداية التحرر والانطلاق إلى فضاء السكينة والسعادة والارتقاء… فكن بالقرب.

601

الكاتب

د. ليلى حمدان

كاتبة وباحثة في قضايا الفكر الإسلامي، شغوفة بالإعلام وصناعة الوعي، صدر لي ثمانية كُتب حتى الآن (نجوم على الطريق، وصفحات من دفتر الالتزام، وإليكِ أنتِ، وقبس من خاطر، وأمريكا التي رأيت، وقراءات مختصرات، والمختصر في الملاحم والفتن، وخربشات على جدار الصمت).

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.