إن التاريخ الإسلامي يمتلئ بالعديد من النماذج المشرفة من المشايخ والعلماء؛ الذين اشتهروا بعدلهم، وجرأتهم، وعدم خشيتهم لومة لائم في قول الحق والمجاهرة به، حتى أمام الحكام والسلاطين الطغاة. ومن أفضل الأمثلة على ذلك هو الشيخ الفذ والعالم الفقيه الشيخ علاء الدين الجمالي، الذي كان واحدًا من أشهر علماء وفقهاء الدولة العثمانية؛ إذ إنه تولى العديد من المناصب الهامة في فترة حكم السلطان بايزيد الثاني، والد السلطان سليم الأول، في الفترة بين 1503 حتى 1526م.

وقد اشتهر عنه حبه للعبادة والتدريس والفتوى، وإنفاقه كل وقته وجهده في سبيلها، كما كان يتميز بورعه وعدله الشديد، حتى يقال إنه كان يغلق عليه باب داره، ويقعد في غرفته، وتُحضر إليه الأسئلة والاستفسارات التي تحتاج لفتوى مكتوبة، فيكتب فتواه ويرسلها مرة أخرى، دون أن يعرف صاحب الفتوى؛ خوفًا من أن يراه فيقع في قلبه مثقال ذرة من محاباة له أو العكس. لذا اشتهر هذا الشيخ الجليل بأنه كان مناصرًا للحق آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، يواجه كل من أمامه بالحقيقة حتى لو كان سلطانًا جائرًا أو حاكمًا طاغيًا.

الحياة العلمية للشيخ علاء الدين الجمالي

علاء الدين الجمالي هو؛ علاء الدين علي بن أحمد بن محمد الجمالي. اتجه لطلب العلم منذ صغره؛ فقرأ على المولى علاء الدين علي بن حمزة القراماني، وحفظ على يديه مختصر الإمام القدوري ومنظومة النسفي، ثم انتقل بعدها إلى مدينة القسطنطينية حيث قرأ هناك على يد المولى خسرو الذي أرسله للمولى مصلح الدين بن حسام، والذي تعلم على يديه العلوم العقلية والشرعية، وصار معيدًا لدروسه، وقد زوَّجه هذا المولى من ابنته، التي أنجبت له الأولاد.

الحياة العملية للشيخ علاء الدين الجمالي

عُين الشيخ الجمالي في المدرسة الحجرية في أدرنة بأوامر من السلطان محمد خان، الذي حدد له 30 درهمًا كل يوم، وأعطاه 5 آلاف درهم وبعض الملابس بعد أن سمعه يلقي درسه. وبعدها انتقل من هذه المدرسة لمدرسة أخرى بسبب محمد باشا القراماني، الذي شعر بالغيرة منه ما إن أصبح وزيرًا للسلطان محمد خان، وذلك لقربه ومصاحبته لسنان باشا. ولم يكتف بهذا، بل نقله مجددًا لمدرسة أخرى. فشعر الشيخ علاء الدين بالنفور والاشمئزاز، وقرر ترك مهنة التدريس. وتواصل مع الشيخ العارف بالله مصلح الدين ابن الوفاء أو الشيخ مسعود الأدرنوي لخدمته.

وحين توفي السلطان محمد خان وقُتل الوزير محمد باشا القراماني جاء على العرش السلطان بايزيد خان، الذي رأى في منامه الشيخ علاء الدين الجمالي، فدعاه للحضور، لكن الشيخ الجمالي لم يجب عليه، فأرسله السلطان بايزيد جبرًا لبلدة تدعى أماسية، وخصص له 30 درهمًا في اليوم، ووكل إليه أمور الفتوى هناك. ثم أوكل إليه مدرسة السلطان مراد خان الغازي في مدينة بورصة “بروسه”، بعدها ترك الشيخ الجمالي هذه المدرسة وذهب ليزور ابن عمه الشيخ محيي الدين محمد الجمالي “العارف بالله” في أماسية، فأعطاه السلطان بايزيد مدرسة بايزيدية إزنيق، وحدد له مبلغًا يقدر بـ 50 درهمًا كل يوم. بعدها أوكل إليه مدرسة سلطانية بورصة، وحين انتهى السلطان بايزيد من بناء مدرسته الخاصة في أماسية عينه مدرسًا بها، وأوكل إليه بأمور الفتوى.

إلا أن الشيخ الجمالي ترك كل هذا وعاد للقسطنطينية مرة أخرى. فغضب السلطان بايزيد من ذلك وتركه وشأنه، لكنه جاء له في منامه فخاف السلطان بايزيد وأوكل إليه مدرسة السلطانية ثم إحدى الثماني التي درس بها لفترة طويلة. وقد توجه الشيخ الجمالي فيما بعد إلى مصر رغبة منه في الذهاب لأداء الحج في مكة المكرمة، لكن لم يتيسر له الحج في هذه السنة. فأقامها في مصر، ثم ذهب لأداء الحج في العام التالي وعاد لوطنه، وتولى أمور الفتوى بدلًا من المولى الراحل أفضل الدين “حميد الدين” مفتي التخت السلطاني، الذي وافته المنية في الفترة التي كان فيها الشيخ علاء بالخارج، وقد خصص له السلطان مبلغ مائة درهم لقاء هذا.

حال الشيخ علاء الدين الجمالي وصفاته

علاء الدين الجمالي

كان الشيخ علاء الدين الجمالي شخصًا كريمًا متواضعًا، يتمتع بأخلاق حسنة ولا يذكر أي أحد بسوء قط. وكان يصرف كل وقته في العبادة والتلاوة والصلاة والتدريس والفتوى، وكان يصلي الخمسة فروض في جماعة. وقد لقب باسم الزنبيلي؛ والسبب في هذا -كما يذكر لنا صاحب الشقائق النعمانية وسلم الوصول-، أنه كان يجلس في علو داره، وكان الزنبيل معلقًا حيث يلقي السائل المريد للفتوى ورقته، فيحرك الشيخ علاء الزنبيل ويجذبه إليه ويقرأ السؤال ويكتب فتواه، ثم يرسله إليه مرة أخرى. والزنبيل هو وعاء أو جراب أو سلة مصنوعة من الخوص، والسبب الذي جعل الشيخ علاء يفعل هذا هو حرصه على ألا يرى السائل حتى تكون فتواه فتوى لا تشوبها شائبة أبدًا.

وعلى هذا فقد اشتهر بسعيه لتطبيق الحق والعدل، وقول الصدق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواجهة أي شخص بأفعاله حتى لو كان السلطان. ويذكر أنه ذات يوم اكتشف السلطان سليم الأول -الذي كان معروفًا بشدته وقسوته على أعدائه- سرقة بعض الرجال لخزينة الدولة، فأمر بقتل 150 رجلًا من حفاظ الخزينة، فلما علم الشيخ علاء الدين الجمالي بهذا ذهب إلى الديوان -الذي لم يكن يذهب إليه المفتي إلا لأمر جلل-. فتحير الناس ما إن شاهدوه هناك، وتساءلوا ترى أي شيء اضطر المولى للحضور، فقال لهم إنه يريد لقاء السلطان لأمر هام، فقالوا للسلطان فسمح له بالدخول وحده.

فلما دخل سلم عليه وجلس. وقال له: “وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان. وقد سمعت بأنك أمرت بقتل مائة وخمسين رجلًا من أرباب الديوان لا يجوز قتلهم شرعًا”. فما إن انتهى غضب السلطان سليم الأول غضبًا شديدًا، وقال له: “لا تتعرض لأمر السلطنة وليس ذلك من وظيفتك”. فرد عليه الشيخ الجمالي قائلًا: “بل أتعرّض لأمر آخرتك وهو من وظيفتي، فإن عفوت فلك النجاة وإلّا فعليك عقاب عظيم”. فهدأ السلطان وانكسر غضبه وعفا عن الجميع، وظل يتحدث معه لساعة كاملة. وفي النهاية طلب منه الشيخ إعادة مناصبهم إليهم فأعادها لهم السلطان.

وفاة الشيخ علاء الدين الجمالي

توفي الشيخ علاء الدين الجمالي في القسطنطينية في فترة حكم السلطان سليمان القانوني عام 1526م الموافق 932 هجرية. ويقول صاحب سلم الوصول إنه توفي عام 931 هجرية. لكن القول الأول هو الأصح.

149

الكاتب

سارة سعد

كاتبة محتوى حصري منذ 2016م. حاصلة على ليسانس الآداب، دبلومة التربية ودورة في اللغة العربية. أقوم بتحضير الماجستير في الفلسفة أحب القراءة، السفر، وألعاب التفكير.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.