كنت طالبًا في المرحلة الثانوية، عندما ذهبت مع والدي إلى أحد أصدقائه لتهنئته بمولود ولد له، وبعد التهنئة سأل والدي صديقه: «وما اسم الوليد؟». أجاب صديق والدي بفخر: «أسميناه برذون، اسم سيف النبي عليه الصلاة والسلام»، شعرت أن صاعقة ضربتني، وانفلت لساني قائلًا: “يا عم. ليس للنبي، صلاة الله وسلامه عليه، سيف اسمه برذون. البرذون البغل”. نظر لي الرجل شذرًا، بينما قبض أبي على ذراعي، ونظر لي نظرة بمعنى “أغلق فمك واُسكت”، وسَكَت. وأصبح برذون يمشي بين الناس، وهو يملك اعترافًا رسمي كامل بأنه برذون. آخر مرة سمعت عن المسكين، كان يسعى بين الجهات الحكومية محاولًا تغيير اسمه.

ليست هذه قصتي الوحيدة مع الأسماء العجيبة التي يسمي بها بعض الآباء أبناءهم عن جهل بمعنى الاسم، فمنذ بضعة سنوات، دخلت مقر عملي لأجد الزملاء يهنون زميل لنا بمولودة أنعم الله عليه بها. بعد التهنئة، سأله أحد الزملاء السؤال التقليدي في هذه المناسبة، “ماذا أسميتم المولودة؟”، ليرد زميلنا برد مذهل قائلًا: “أسميناها أجداث”، تجاوزت الصدمة، وسألته عن معنى الاسم لعله يخبرني بمعنى غير ما خطر على بالي، ولكنه أصر على أن يحافظ على صدمتي قائلًا: “أجداث نهر في الجنة ذكر في القرآن”. قلت له: “أخي العزيز، ليس ثمة أثر عن نهر بالجنة اسمه أجداث. أجداث تعني القبور، كما في قوله تعالى “يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ” [المعارج، 43]. أسرع زميلي باحثًا عن مصحف ليتأكد من الآية، قبل أن يبدأ رحلته بين الجهات الحكومية لتغيير اسم الطفلة المسكينة.

حقوق المولود على والديه

اختيار اسم حسن للمولود من حقوق المولود على أبويه، وقد روي في الأخبار أن رجلًا اشتكى عقوق ابنه لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فكان من جملة ما دفع به الابن عن نفسه أن أباه قد حرمه في اسم حسن، فقد سماه جعلًا أي خنفساء، فما كان من عمر إلا أن قال للأب “لقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك”. ولقول الفاروق عمر شاهد من العلوم الحديثة، فتظهر الأبحاث النفسية والسلوكية، أن أصحاب الأسماء الغريبة يمكن أن يكونوا عرضة للمشكلات النفسية بسبب تعرضهم للسخرية في طفولتهم من قبل أقرانهم بسبب هذه الأسماء، كما أن هذه الأسماء يمكن أن تدفعهم للانطواء وضعف الثقة بالنفس.

وقد أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن من الأسماء، وكان إذا سمع اسمًا قبيحًا غيره. جاءه رجل فسأله: “مَا اسْمُكَ؟، قال: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ ” [أخرجه البخاري في صحيحه]، وعن ابن عباس قال “كَانَتْ جُوَيْرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةُ فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ خَرَجَ مِنْ عِنْدَ بَرَّةَ” [أخرجه مسلم]، وروى ابن عمر أن ” أَنَّ ابْنَةً لِعُمَرَ كَانَتْ يُقَالُ لَهَا عَاصِيَةُ فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَمِيلَةَ” [أخرجه مسلم]، وروى أسامة بن أخدري “أَنَّ رَجُلاً، يُقَالُ لَهُ أَصْرَمُ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،‏ مَا اسْمُكَ، قَالَ أَنَا أَصْرَمُ، قَالَ، بَلْ أَنْتَ زُرْعَةُ ‏”‏ [أخرجه أبو داوود]. وعلمنا صلى الله عليه وسلم ما يحبه الله من الأسماء، فقال: “إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ” [أخرجه مسلم]، وقال: “تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ” [أخرجه أبو داوود].

المسلسلات مصدرًا لأسماء الأطفال

المشكلة أن هناك ثمة رغبة دائمة بين الآباء لتسمية المواليد بأسماء مميزة. ومن الظلم أن أزعم أن هذه الرغبة بنت اليوم، ولكنها كانت فيما مضى محكومة بحدود من اللغة العربية والتقاليد، فكانت كثير من الأسماء (الموضة) في الواقع أسماء عربية قديمة تجددت لتستخدم كأسماء معاصرة. ففي وقت ما كانت أسماء مثل هاني وأيمن ورباب وإلهام الأسماء الحديثة المطلوبة، ثم حلت محلها أسماء أخرى مثل عمر وحمزة وإسراء وتقى، لتزيحها بعد ذلك أسماء مثل عبد الرحمن وعبد الله وعائشة وخديجة، ولا تزال عملية الإحلال مستمرة.

ولكن هذه الرغبة في التميز والاختلاف قد أصبحت تتجاوز حدود المعقول والمقبول من حين إلى آخر، فمثلًا أصبحت المسلسلات التركية والمكسيكية والكورية التي تبث على العديد من المحطات الفضائية، مصدرًا للأسماء الأعجمية الغريبة عن مجتمعاتنا، ففي الفترة الماضية، وبعد بث مسلسل تركي تاريخي حمل كثير من الأطفال المواليد أسماء أبطال المسلسل مثل ارطغرل وتورجوت، والتي يفتخر بها الآباء دون أن يعرفوا معنى هذه الأسماء الأعجمية التي سوف يحملها أبناءهم لبقية عمرهم. وإذا كان استخدام هذه الأسماء الأعجمية مقبول بدعوى أنهم شخصيات تاريخية، فالبعض ذهب إلى أبعد من ذلك إلى تسمية أبنائهم بأسماء لها دلالات مسيحية أو يهودية، كاسم إيزابيل او إيزابيلا الذي شاع استخدامه مؤخرًا، وهو نفسه اسم ملكة قشتالة الإسبانية التي قادت آخر الحملات الصليبية الإسبانية التي تعرف في تاريخ الإسبان بحروب الاسترداد، الحروب التي انتهت بطرد المسلمين من الأندلس.

السياسة ملهمة لأسماء الأطفال

ولا يزال القادة السياسيين والأحداث السياسية الكبرى ملهمة لأسماء الأطفال الذين يولدون للمتعلقين بهؤلاء الساسة وتلك الأحداث، وكم سمعنا عن آباء أسموا أبناءهم بأسماء جمال عبد الناصر وصدام حسين ومعمر القذافي، وبلغ الأمر أن أطلق أحدهم على وليده اسم بوش. المشكلة أن هذا النوع من الأسماء بالذات يرتبط بالأحداث السياسية، فمثلًا بعد مصرع القذافي تناقلت الصحف خبر عن شاب يمني يحمل اسم معمر القذافي يسعى في تغيير اسمه، كما أن بعض هذه الأسماء قد يتشبب في مشاكل لحامله، مثل حالة شاب أمريكي الجنسية عربي الأصل فوجئ بتجميد حسابه المصرفي في الولايات المتحدة لأن يحمل اسم صدام حسين، ولا يزال صدام حسين، برغم وفاته، خاضعًا للعقوبات الأمريكية إلى الآن، ومنها تجميد حساباته.

التنقيب في القرآن عن أي اسم من باب التبرك

أما عن التنقيب في القرآن عن أي اسم ثم تسمية المولد به من باب التبرك، فحدث ولا حرج. وقد دفعت رغبة أحد قريباتي في تمييز اسم ابنها عمن هو في مثل سنه إلى تسميته بـ (آزر) بزعم أنه اسم ورد في القرآن، متغاضية عن حقيقة أن آزر اسم والد إبراهيم الذي أبى إلا الكفر. فليس كل اسم ورد في القرآن يمكن أن نسمي به أبنائنا، وإلا فليستعد أصحاب تلك الصرعة لإطلاق أسماء مثل أبي لهب وأم جميل وإبليس على أبناءهم، إذ هي من الأسماء التي وردت في القرآن.

كلما كان الاسم أكثر غرابة كان أكثر تحضرًا!

ناهيك عن استخدام علم التباديل والتوافيق الرياضية في اختراع أسماء بدون معنى، فكل من يريد مثل هذا التميز ليس عليه إلا أن يخلط أي سلسلة من الحروف، مخترعًا اسمًا جديدًا يمنحه لمولوده، ثم يبقى موضوع المعنى، وهنا يتباين الناس في قدراتهم الإبداعية، فبعضهم يدعي أنها شجرة في الجنة أو سيف الرسول، وبعضهم يزيد الأمر تعقيدًا فيزعم أن معنى الاسم الذي اخترعه هو الربيع الثالث في سنة القرد من التقويم الصيني، أو هدير الموج على الصخور المتحولة في شواطئ نيو كاليدونيا بلغة السكان الأصليين.

فأحسنوا أسماءكم

والمنهج الإسلامي الذي يصل الدنيا بالآخرة، يتجاوز بمفهوم الاسم من مجرد تعريف في الدنيا، إلى تعريف في الدنيا والآخرة، ويعلمنا المصطفى “إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأحَسِّنُوا أَسْمَاءَكُمْ” [أخرجه أبو داوود والدارمي]، ولذلك ينبغي أن يتحرى المسلم الاسم الحسن لمولوده، لا أن يبحث عن اسم مميز، حتى ولو كان جُعَل أو برذون، فأحسنوا أسماءكم.


إعداد: د. وسام عبده

1331

الكاتب

د. وسام عبده

أكاديمي وكاتب ومترجم من مصر

التعليقات

  • Ahmed Mahrous Ibrahim منذ 4 سنوات

    ههههههعععع
    فعلا مسخرة !!!

    رد

    اترك تعليق

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.