معضلة الجو: استراتيجية مواجهة التفوق الجوي – بناء قوة الردع

هذا الموضوع جزء من سلسلة موضوعات ضمن دراسة معضلة الجو: استراتيجية مواجهة التفوق الجوي.

يتكون فهرس تلك السلسلة من:

  1. معضلة الجو: استراتيجية مواجهة التفوق الجوي – تقييم القوة الجوية المعادية.
  2. معضلة الجو: استراتيجية مواجهة التفوق الجوي – الدفاع الجوي السلبي.
  3. معضلة الجو: استراتيجية مواجهة التفوق الجوي – الدفاع الجوي الإيجابي.

الباب الرابع: بناء قوة الردع

نتناول في هذا الباب الركن الثالث من كيفية بناء استراتيجية في مواجهة التفوق الجوي للعدو؛ ففي بعض الحالات التي يكون الوصول فيها إلى بعض الأسلحة والتقنيات التي تمكننا من القيام بالدفاع الجوي الإيجابي ضد وسائط العدو الجوية أمرًا متعذرًا، يمكن القول في هذه الحالة أننا يمكننا أن ننقل المواجهة إلى بعد أخر يمكننا فيه مواجهة العدو، ونعني به: القدرة على الردع.

يعبر مفهوم الردع عن: امتلاك قوة أو قدرة معينة، تمكننا من إلحاق الأذى بعمق العدو أو مصالحه الحساسة أو الأفراد الهامين لديه، مما يجعل تكلفة أي هجوم علينا من قبل العدو تكلفة باهظة تجعله يفكر دائمًا قبل أي هجوم، ويكون على علم دائم بأنه سيتلقى عقابًا على أي عمل عدائي تجاهنا.

إن بناء هذا المفهوم عند العدو لا يتحقق إلا عبر عدة شروط في ميدان المعركة، منها:

  1. قيامنا بخلق هذه القدرة عبر العمليات ضده بشكل واضح.
  2. تحققه من عدم تردد القيادة في الرد عليه، ودفع الثمن كسياسة واضحة.
  3. يأسه من القدرة على التدمير التام لقوة الردع لدينا.

بناء قوة الردع كمفهوم هام في أي صراع هو أمر أساسي، ويتعدى مواجهة القوة الجوية، ولكن لا بد من ذكره هنا كركن هام في استراتيجيتنا ضد التفوق الجوي؛ لأنه يمثل أهم أسباب تفوق العدو العسكرية، وهذا يوضح ضرورة بناء الاستراتيجية الشاملة للمواجهة والصراع ضد العدو، مع التركيز على الجوانب العسكرية والأمنية التي تمثل الجزء الصلب من الصراع، وتكامل الجوانب السياسية والإعلامية والشرعية الدعوية معها؛ لأن المعركة ضد النظام الدولي والأنظمة الاستبدادية العميلة معركة شاملة من قبل العدو.

ولذا يتوجب على الثوار، والمقاومين، والدول الراغبة في التحرر الإرتقاء بمستواهم إلى حجم المواجهة، ومستوى المعركة في جميع الجوانب؛ لكي نتمكن من تحقيق نجاحات متكاملة أو متتالية، واستثمار جيد لهذه النجاحات؛ لكي تصب في اتجاه النصر للأمة الإسلامية ككل، وليس نجاحات فردية أو حزبية فقط تذوب مع الوقت.

يمكن تقسيم الردع إلى نوعين أساسيين: ردع استراتيجي، وردع تكتيكي؛

الردع الاستراتيجي

إن تحقيق ردع على المستوى الاستراتيجي في حروب عصرنا الحالي يتطلب وجود ركنين:

  • أولًا: امتلاك قوة غير تقليدية سواء قوة نووية، أو كيميائية، أو بيولوجية.
  • ثانيًا: امتلاك القدرة على إيصالها لأرض العدو، ويتم ذلك عن طريق القوة الجوية أو القوة الصاروخية أو الغواصات التي تستطيع إطلاق الصواريخ المحملة برؤوس غير تقليدية.

إن امتلاك قوة ردع استراتيجية يمكن الدولة أو التنظيم من تجنب العديد من الحروب، وبناء إرادة قرار مستقلة، ويؤدي إلى لجوء الأعداء إلى وسائل سياسية واقتصادية وأمنية، أو صراعات غير مباشرة.

ما زلنا نلتزم بالمعيار الذي تبنيناه طوال هذا البحث؛ وهو بمناقشة الأمور الواقعية، أو الأمور التي يُتصور الحصول على إمكانياتها في المستقبل القريب، مع تبيين الأعمدة الرئيسية والوسائل المتاحة لبناء قوة الردع سواء على المستوى الاستراتيجي أو التكتيكي، وهذا ما سنناقشه -بإذن الله- في الصفحات التالية.

لا بد من التركيز على أن امتلاكنا لأي نوع من قوة الردع -حتى ولو كانت على المستوى التكتيكي- تظل عاملًا حاسمًا وهامًا جدًا في الصراعات والحروب؛ لأنه ليست كل الحروب تخاض لأغراض استراتيجية لا تتزحزح، وليست كل الحروب والمعارك من نوع الحروب الشاملة، بل الأغلب في الصراعات هو الحروب المحدودة، والحملات العسكرية ذات الأهداف السياسية القابلة للتغير، لذا فإن قوة الردع مهما صغر مستوى تأثيرها يمكن أن تغير مسار الحرب.

وعلى سبيل المثال البسيط  فمجرد امتلاك حركات المقاومة الفلسطينية في غزة  لصواريخ قصيرة المدى، ومتوسطة، وذات قوة تدمير محدودة يمكنهم من التأثير في مسار الحرب، وأيضًا قدرة منظمة التحرير الفلسطينية في السبعينات والثمانينات على القيام بعمليات فدائية وأمنية في دول كثيرة خلق لها قوة ردع ليس ضد إسرائيل فقط، بل ضد الكثير من الأنظمة العربية التي كانت تضع حساب ووزن لمنظمة التحرير؛ بسبب قدرتها على القيام بهذه العمليات -التي قد تبدو بسيطة جدًا من الناحية العسكرية المجردة-.

المفهوم الثاني للردع هو ارتفاع ثمن الانتصار إلى حد لا يمكن للعدو من تحمله؛ بمعنى أنه بالحسابات العسكرية والاستراتيجية قد يكون محكوم لطرف بالانتصار بشكل محقق، ولكن الطرف الأضعف يستطيع رفع كلفة هذا النصر بحيث لا يستطيع الطرف الأقوى دفع هذا الثمن، فتحدث حالة ردع تمنع الطرف الأقوى من خوض الحرب بالرغم من تحققه من قدرته على الانتصار فيها. يبرز في هذا الجانب السمات الشخصية من الشجاعة، والتضحية، والقدرة على القتال حتى النهاية بلا استسلام، وأيضًا توفر الوسائل اللازمة لإحداث الدمار بالعدو.

تختلف قدرة العدو على تحمل الخسائر باختلاف الأطراف والظروف المحيطة بكل طرف، وأيضًا باختلاف الأزمان بالنسبة لطرف واحد؛  فنجد -مثلًا- الكيان الصهيوني في حرب رمضان – أكتوبر 1973 قد تحمل خسارة أكثر من الـ10 آلاف فرد، وخسائر كبيرة في المعدات والأسلحة، ونجح في تنفيذ هجوم مضاد؛ ليعوض خسارته في بداية الحرب، ويتمكن من تحقيق مكاسب سياسية في النهاية، في حين أنه في حرب لبنان – 2006 مع حزب إيران اللبناني لم يتحمل خسائر لا تصل إلى المائتين كمجموع للقتلى العسكريين والمدنيين، وخسائر بسيطة في المعدات والأسلحة.

الأسلحة الغير تقليدية

أقوى سلاح اخترعه الإنسان للتدمير حتى الآن:

القنبلة النووية

بالطبع العالم كله يعرف قوة الأسلحة النووية وتدميرها الغير مسبوق مما جعلها تمثل السلاح الاستراتيجي الأول لدى الدول العظمى.

تمتلك باكستان القنبلة النووية، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلكها. بالرغم من الرقابة الأمريكية الصارمة على الأسلحة النووية الباكستانية لكنها لا زالت في حوزة الجيش الباكستاني حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر.

امتلاك السلاح النووي ووسيلة الإيصال يحقق ما يسمى بالردع الكامل على المستوى الاستراتيجي، وينقل حلبة الصراع إلى الكلام عن الاستراتيجية النووية التي تدور حول الضربة الأولى، واستراتيجية البقاء بعد الضربة الأولى كما هو الحال عند الحديث عن احتمالات الحرب النووية التي لم تحدث من قبل، وغير مرجحة الحدوث في المستقبل القريب.

بالنسبة للشعوب الإسلامية والثوار الراغبين في تحرير بلادهم من الاستعمار الداخلي والخارجي، وهيمنة الدول الكبرى على مقدراتهم وسرقة ثرواتهم سبيل الحصول على السلاح النووي يكون عبر طريقين:

  • الأول: وهو الحصول على قنبلة جاهزة للتفجير.
  • الثاني: تصنيع السلاح النووي عبر كوادر خاصة بهم.

تبذل الولايات المتحدة والدول الأخرى جهودًا ضخمة في مراقبة جميع الأسلحة النووية الموجودة، وجميع الأماكن التي تصنع السلاح النووي في دول النادي النووي؛ لمنع تسرب أي قنبلة جاهزة لأي طرف غير نووي، حتى لو لم يكن جهة أو دولة معادية، ولدى هذه الدول معاهدات لمنع الانتشار النووي، والحد من الأسلحة الاستراتيجية تنظم هذه العملية، بالإضافة للجهود الأمنية والاستخبارية التي تقوم بها وكالات مخابرات هذه الدول، وتأمين المواقع النووية؛ فحتى الأماكن التي تحتفظ فيها الولايات المتحدة ببعض الرؤوس النووية مثل تركيا أو ألمانيا وغيرها، تكون هذه الرؤوس مخزنة بصورة مفككة وناقصة؛ من أجل ضمان التأمين الأقصى.

بالنسبة للطريق الثاني الخاص بتصنيع السلاح النووي محليًّا، فهو يحتاج إلى الكوادر المؤهلة والمتعلمة كأهم شرط وخطوة لتصنيع السلاح، أما باقي المصاعب التقنية والتصنيعية وغيرها يمكن التغلب عليها إذا وجدت الكوادر العلمية القادرة على امتلاك هذه التقنية، ولنا عبرة في تجربة باكستان والعالم عبد القدير خان -والذي يعتقد أنه أيضًا ساعد العديد من الدول الأخرى، ولكنها معلومات غير موثقة -.

الآن أصبح العلم وأساسيات صنع القنبلة النووية ليست سرية مثل السنوات الماضية، ولكن بعض التفاصيل الحاسمة في صناعة السلاح النووي هي التي تكون غير متاحة، وتحتاج لبعض البحث الذي لا يصعب على العالم المتخصص في المجال إذا اتيحت له الإمكانيات المناسبة للعمل.

الصور والمعلومات التالية التي كانت سرًا عسكريًا، أصبحت متاحة للباحث غير المتخصص عبر شبكة الإنترنت، وهذه عينة صغيرة فقط لتوضيح مقصدنا بتوفر المعلومات الأساسية للباحث المتخصص في الفيزياء النووية.

صور فوتوغرافية للقنبلة النووية ومخططات لتصميمها بنوعيها.

  • الكتلة الحرجة: كمية المادة الانشطارية المطلوبة لبدء التفاعل المتسلسل لتفجير القنبلة النووية.
  • الكتلة الحرجة لليورانيوم 235 هي: 56 كجم، وباستعمال غلاف سميك من اليورانيوم الطبيعي يبلغ سمكه 11.5 سم تنخفض إلى 15 كجم.
  • الكتلة الحرجة للبلوتونيوم 239 هي: 11 كجم، وباستعمال غلاف اليورانيوم الطبيعي الذي يبلغ سمكه 8 سم تنخفض لتصل إلى 5 كجم.

العائق الآن أمام صنع القنبلة والسلاح النووي العربي هو وجود الجهة التي لديها الإرادة وتستطيع توفير الإمكانية والظروف الأمنية المناسبة، وإذا كان هذا غير متوفر حاليًا فهو غير مستبعد في المستقبل القريب، ولدينا مثال: إيران؛ بالرغم من عدم تلقيها مساعدة نووية مؤكدة من دولة أخرى، وربما كان هناك تعاون مع كوريا الشمالية أو شبكة عبد القدير خان، ولكن لا توجد معلومات مؤكدة حول هذا الأمر، إلا أن المؤكد أن لديها العلم النظري الكافي لصناعة القنبلة، ولكن الحصار الأمريكي والقرار السياسي الإيراني ربما يفضل عدم امتلاك مثل هذا السلاح حاليًا، وبقائها كورقة ضغط سياسي أفضل من الدخول في صراع مباشر ربما تكون إيران هي الخاسر من ورائه.

الأسلحة البيولوجية

يبلغ عدد الميكروبات المرشحة لتكون سلاحًا بيولوجيًا ما يربو على الثلاثين، أشدها ضراوة حوالي الستة مثل ميكروب الطاعون وميكروب البوتيلينوم والانثراكس أو الجمرة الخبيثة، ويكفي أن يذكر في هذا المضمار أن جرامًا واحدًا من السموم يكفي لقتل 33 مليون فأر صغير.

ومن ميزات السلاح البيولوجي: قلة الكلفة، والخسائر البشرية العالية، وإمكانية استخدامه في صورة ايروسول أو في عبوات قذائف المدفعية، ويمكن أن تستخدم عبوات السلاح البيولوجي مصاحبة للعمليات الفدائية؛ فالإنفجار يؤدي إلى انتشار العبوة إلى مسافات بعيدة نوعًا ما، وفي حالة استخدام الميكروب بوتيولينم فإن سمومه تهاجم الجروح المفتوحة الناجمة عن الإنفجار، وتُحدِث أثرها المدمر.

عناصر السلاح البيولوجي:

  1. السلاح البيولوجي (payload): البكتيريا أو سمومها.
  2. الشحنة المتفجرة التي توضع داخل وعاء.
  3. وعاء لحفظ الميكروب نشط حتى موعد قذفه.
  4. وسيلة إطلاق: صاروخ – قذائف مدفعية – قنبلة.
  5. وسيلة النشر (dispersale system) على هيئة ايروسول: مثل قوة الإنفجار – أجهزة رش – حشرة أو حيوان تنقل العدوى.

الأسلحة الكيميائية

بعض انواع الغازات التي تستخدم كسلاح:

  1.  غاز كلوريد السيانوجين (CN Cl).
  2. غاز كبريتيد الهيدروجين (H2S).
  3. غاز الكلور (CL2.
  4. غاز الخردل (CS4 H8 Cl2).
  5. غاز الارسيف (AS H3).
  6. غاز الفوسفين (PH3).
  7. غاز الفوسجين (Cl2 CO).
  8. غاز أول اكسيد الكربون (CO).
  9. غاز سيانيد الهيدروجين (HCN).
  10. غازات الأعصاب: مثل غاز السارين، وغاز في اكس.

الشروط الواجب توفرها في الغازات السامة لتصلح للاستعمال كسلاح

  1.  يمكن تركيبه من المواد الابتدائية المتوفرة في البلاد، ويكون سهل الاستعمال والتحويل إلى سائل؛ تسهيلًا لنقله من المعامل إلى الميدان.
  2. أن لا يتأثر الغاز بالمعادن فيفسد ويفقد تأثيره، وخاصة إذا ملئت الخزانات أو القنابل المعدنية به.
  3. أن تكون كثافته أكبر من كثافة الهواء؛ ليبقى على سطح الأرض لفترة، ويتنفس منه العدو ويحيط به. إذا كان الغاز أقل ثقلًا من الهواء فإنه يتصاعد بسرعة، ولا يكون له التأثير المطلوب إلا في الأماكن المغلقة.
  4. أن يكون عديم اللون والرائحة، ولا يخفى أن كثير من الغازات لا تخلو من لون أو رائحة.
  5. أن لا يفسد الغاز من الحرارة الشديدة الناتجة عن انفجار القنابل المليئة به.
  6. أن لا يفسد بسهولة بالماء؛ حتى لا يفسد من المطر ورطوبة الجو.
  7. أن لا يتفاعل بسهولة مع غيره من المواد؛ حتى لا يمكن فصله بسهولة باستخدام الأقنعة الواقية من قبل العدو.
  8. أن يكون سمًا شديد الفاعلية؛ لتتم الفائدة المطلوبة منه بكمية قليلة.
  9. أن يكون ثابتًا فلا يفسد ويفقد تأثيره بالتخزين الطويل.

القوة الصاروخية

لقد تطورت الصواريخ أرض-أرض تطورًا كبيرًا، خصوصًا في المدى والدقة مع تطور التكنولوجيا ووسائل التوجيه، ودمج الصواريخ على منصات ذاتية الحركة مما يعطيها قدرة كبيرة على المناورة، حتى مع وجود تفوق جوي معادي مع دولة عظمى؛ فقد كانت حرب الخليج الثانية ضد العراق دليلًا على ذلك بوضوح؛ حيث فشلت القوات الأمريكية حتى بعد سيطرتها التامة على ساحة المعركة وتدمير الدفاع الجوي العراقي والرادارات ومراكز القيادة من تدمير منصات صواريخ سكود العراقية بنسبة مقبولة في ظل التفوق الكاسح، ونجحت العراق في إطلاق عشرات الصواريخ بلا توقف على الكيان الصهيوني وأماكن تمركز قوات التحالف خصوصًا في السعودية.

بالنسبة للصواريخ التي تحمل رؤوسًا تقليدية من المتفجرات (في معظم الصواريخ يكون متوسط وزن الرأس المتفجرة: 500 كجم في أحسن الحالات)، لا يمكن اعتبارها سلاح ردع على المستوى الاستراتيجي مهما بلغ مداها أو دقتها؛ فعدة صواريخ لا تساوي أكثر من غارة طائرة بحمولة عادية. مع الوضع في الاعتبار أن الصواريخ التي يزيد مداها عن 300 كم تحتاج إلى إعادة توجيه أكثر من مرة عبر مسارها من أقمار صناعية أو طائرات أو محطات أرضية، وإلا يكون هامش الخطأ كبيرًا جدًا في إصابتها للأهداف.

ربما تمثل الصواريخ أرض-أرض نوعًا من الردع التكتيكي في بعض الظروف أو الأماكن، وهذا ربما يرجع لظروف خارجة عن إمكانيات وقدرات الصاروخ التقنية أو قدرته التدميرية.

الصواريخ تعتبر إحدى أهم وسائل إيصال الأسلحة غير التقليدية التي تمثل السلاح الأساسي في منظومة الردع، ووجود الصواريخ أمر ضروري لخلق حالة الردع -بشرط إحتوائها على رؤوس غير تقليدية-.

لأهمية الصواريخ وقدرتها على تهديد عمق العدو وأمنه الاستراتيجي وصعوبة التصدي الفعال لها، توسع الاهتمام مؤخرًا بالمنظومات المضادة للصواريخ، وهذه المنظومات حققت نجاحًا معقولًا في التصدي للصواريخ القديمة والكبيرة الحجم مثل السكود، ولكنها تعاني مع الصواريخ الصغيرة الحجم، والصواريخ المزودة بقدرة على المناورة وتقنيات مضادة للحرب الالكترونية، وأيضًا تواجه صعوبات تكتيكية في ظروف مواجهة الإطلاق الكثيف أو المخطط بشكل مربك، أو في حالات ضيق الوقت المتاح للتصدي، ولا زالت إلى الآن قضية التصدي للصواريخ الأرض-أرض تمثل تحديًا تكنولوجيًا تسعى الدول العظمى لسده بشكل مقبول.

العمليات الخاصة والأمنية في عمق العدو

إن السلاح الذي لا يمكن إيقافه عبر التكنولوجيا المتقدمة مهما بلغت هو الفرد المسلم القادر على الإبداع والمستعد دائمًا للتضحية بحياته بكل ترحاب في سبيل نصرة القضية، وقد وضحت لنا الأمثلة عبر التاريخ ذلك.

المقصود بالعمليات الخاصة: هي العملية التي تقوم بها مجموعة صغيرة من الأفراد عالية التدريب؛ لاستهداف عمق العدو، والوصول لنقاطه الحساسة عبر التسلل والجرأة، ثم مهاجمته بعدد قليل من الأفراد القادرين على إحداث التدمير، ويضعوا تدمير الهدف وتنفيذ المهمة كأولوية عُليا حتى قبل أولوية الحفاظ على حياتهم، وتتضمن تكتيكات القوات الخاصة عمليات الإغارة والكمائن في عمق العدو.

المقصود بالعمليات الأمنية: هي تشابه عمل القوات الخاصة من حيث قلة عدد الأفراد، ولكن تختلف عن مؤهلاتهم وبيئة وطريقة العمل؛ فبيئة عمل هذه العمليات: هي البيئة الاستخباراتية، وغالبًا ما تكون داخل مدن العدو والأماكن التي تخضع لإجراءات أمن مشددة، ويكون أسلوب العمل مبنيًا على الخداع والذكاء والتخطيط السري أكثر من الأسلوب العسكري البحت الذي يتم استخدامه في العمليات الخاصة.

هذه العمليات تعتبر أسلوب عمل، وليست سلاح في حد ذاتها، ولكنه أسلوب عمل ضروري وفعال جدًا عند مواجهة عدو متفوق، ومنذ الصحابي الجليل أبو بصير ومهاجمته لطرق مواصلات وإمداد العدو حتى أجبرهم على التخلي عن شروطهم في الاتفاق الموقع مع الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وعبر التاريخ وصولًا لنضال وجهاد الشعوب المسلمة ضد الاستعمار بكافة أشكاله ثبتت حتمية استخدام هذا الأسلوب في المواجهة، بل وضرورة التركيز عليه وتنظيمه بشكل مكثف وموسع وشامل.

السلاح الجوي

Embed from Getty Images

إن امتلاك السلاح الجوي ضرورة لا غنى عنها في أي حرب حديثة، وفيما يتعلق ببحثنا وضحنا أن المقاتلات الاعتراضية ركن رئيسي في الدفاع الجوي التقليدي لأي بلد، خصوصًا البلاد المتقدمة، ولكننا لم نتطرق إلي كيفية استعمالها وتكتيكاتها وتفاصيلها؛ لأننا نتكلم هنا عن استراتيجية واقعية، فامتلاك السلاح الجوي مرتبط بالقدرة على الحفاظ عليه واستمرارية تشغيله، وهذا يبدو متعذرًا في الظروف الحالية.

ربما يكون امتلاك المقاتلات متاحًا، لكن القدرة على الحفاظ على أساسيات سلاح الجو واستمرارية التشغيل مشكوك فيها بشكل كبير حاليًا، ولكن ربما يتغير ذلك في المستقبل، لذا فإن من الضروري بناء نواة من الطيارين الموالين لقوات الثورة -حتى لو عدد صغير- يكونوا على علم بطرق العمل والتدريب والأمور التكتيكية والاستراتيجية لسلاح الجو؛ تحسبًا لتغير الظروف في المستقبل، وأيضًا لأن هذه المعرفة ضرورية من أجل مجابهة سلاح الجو المعادي.

الطائرات بدون طيار المسيرة عن بعد

امتلاك الطائرات بدون طيار هو البديل المتاح عن سلاح الجو التقليدي، خصوصًا بالنسبة لقوى الثورة والمقاومة للعديد من الأسباب، أهمها:

  1. سهولة تصنيعها وامتلاك تكنولوجيتها.
  2. قلة تكلفة التصنيع والتشغيل.
  3. سهولة حمايتها والحفاظ عليها.
  4. فعاليتها العملية والتكتيكية.
  5. صعوبة رصدها والتعامل معها من قبل الدفاعات الجوية.

هناك استعمالات كثيرة للطائرات المسيرة، منها:

  1. عمليات الاستطلاع وجمع المعلومات.
  2. عمليات القيادة والسيطرة.
  3. عمليات الحرب الإلكترونية.
  4. عمليات القصف الأرضي بمختلف أنواع الذخائر التقليدية وغير التقليدية، والأسلحة الكهرومغناطيسية.
  5. استعمالها كصاروخ أو طائرة انتحارية.
  6. كمحطة اتصال لا سلكي.

لا بد من الدفع بجهد كبير جدًا في اتجاه صناعة الطائرات المسيرة وبنائها بأعداد كبيرة، خصوصًا مع توفر مواد وتكنولوجيا تصنيعها في كل مكان تقريبًا، وأهميتها البالغة في الحرب خصوصًا مع العمل دون غطاء جوي في مواجهة عدو متفوق جويًا، يمتلك السيادة الجوية المطلقة على مسرح العمليات.

وتعد الطائرات المسيرة ركنًا أساسيًا في استراتيجيتنا الخاصة بمواجهة التفوق الجوي المعادي، ولقد فضلنا ذكرها هنا بعد أن نكون ناقشنا معظم التفاصيل التي تستعمل فيها الطائرات -سواء عمليات حرب إلكترونية أو أسلحة غير تقليدية-؛ لأن كل هذه الأسلحة تصلح لأن تحمل على الطائرات المسيرة التي تعد وسيلة مناسبة جدًا لصعوبة رصدها من قبل الرادرات، والتعامل معها باﻷسلحة الموجهة، خصوصًا مع صغر حجمها وصناعتها من مواد بلاستيكية تصغر مقطعها الراداري.

الآن بعد أن ناقشنا الكثير من الموضوعات في باب بناء قوة الردع، نطرح الآن رؤيتنا في أقرب الوسائل المتاحة من حيث الإمكانية الواقعية طبقًا لظروف البلاد الإسلامية، وجماعات الثوار. طبعًا هذا لا يعني إهمال الباقي، ولكن ترتيب الأولويات يساعد على تحقيق نجاحات، وحسن استعمال وإدارة الموارد المتاحة.

قوة الردع الاستراتيجية المحتملة

  • الركن الأول: السلاح الكيميائي والبيولوجي.
  • الركن الثاني: وسائل الإيصال صواريخ أرض-أرض.
  • طائرات بدون طيار.
  • العمليات الفدائية.

هذا النموذج نرى أنه الأقرب لتبنيه كاستراتيجية حالية لبناء قوة الردع، مع محاولة استغلال كل الأركان السابق ذكرها حسب الإمكانيات والظروف الخاصة بكل ساحة.

349

الكاتب

خالد موسى

كاتب متخصص في الشئون الاستراتيجية والعسكرية.

التعليقات

  • أبو خالد منذ أسبوع واحد

    أحسنت أستاذنا الغالي نترقب الموضوع التالي ولكن كام موضوع متبقي من السلسلة.

    رد
    1. خالد موسى منذ أسبوع واحد

      أحسن الله الينا واليك ، يتبقى الجزء الخامس والاخير باذن الله ، نسعد بمشاركتك واقتراحاتك الاخ الكريم

      رد
  • مروان منذ أسبوع واحد

    جزاك الله خيراً يا أستاذنا.. سلسلة مفيدة نسأل الله أن ينفع بها
    أتمنى أن لو كنت وضعت المصادر المتاحة لصناعة تلك الأسلحة المحتملة للإستفادة العملية

    رد
    1. خالد موسى منذ 5 أيام

      جزيت خيرا الاخ الكريم ، عذرا لم افهم المقصود بمصادر الاسلحة

      رد
  • مصطفى ممدوح منذ 5 أيام

    اتمني كتابه مقال عن أهم العلوم والتخصصات الجامعيه المتاحه أمام الطالب للمساعده علي امتلاك الاسلحه وقوه الردع

    رد
    1. خالد موسى منذ 5 أيام

      التخصصات الاكثر اهمية فيما ذكرت هي
      هندسة الميكانيكا و الكهرباء والالكترونيات و الاتصالات و الاقسام التي تدمج بعض التخصصات مثل هندسة الميكاترونيكس وهندسة الكهرباء المختصة بمحطات الطاقة النووية
      اقسام علم الكيمياء وتطبيقاته
      اقسام علم الميكروبيولوجي وهو يدرس في كليات الصيدلة والطب البشري والبيطري ايضا ويمكن التخصص فيه بعد انهاء الدراسة
      علوم الحاسب الالي وخصوصا البرمجة والتشفير والامن الالكتروني والحماية
      اقسام الهندسة النووية او الفيزياء النووية
      تسعدنا دائما مشاركتك واقتراحاتك الاخ الكريم

      رد

      اترك تعليقًا

      *
      *
      *

      موضوعات ذات صلة
      مشاركة
      القائمة البريدية

      اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.