محطات غامضة ومشرقة من كتاب (دراسات في التاريخ الإسلامي)

قراءة التاريخ من وجهة نظر المؤرخ المصري الدكتور جمال الدين الشيال الذي ولد سنة 1329هـ/1911م، أي فترة الاحتلال الإنجليزي وحكْمِ أسرة محمد علي باشا إلى إلغاء النظام الملكي، فعاش بعدها خمسة عشر عاما في زمن قيام الجمهورية قبل أن توافيه المنية -رحمه الله- أمرٌ في غاية الأهمية، إذ هو المفكر والمؤرخ الذي عاش في زمن أدب نجيب محفوظ، والباحث الناقد الذي جاء ثمرةً لجهود المؤرخ عبد الحميد العبادي أستاذه، له العديد من المؤلفات والأبحاث التي تناول فيها التاريخ الإسلامي بدراسة تحليلية نقدية، ومن بين هذه المؤلفات كتابه هذا “دراسات في التاريخ الإسلامي” والذي تنوعت موضوعاته، وذلك لكونها مقالات علمية في الأصل كتبها ونشرها خلال عشرين سنة من حياته، ولقد جمعها لتصبح كتاباً تلبية لنصيحة من صديق له وكذلك تلاميذه، وبهذا سهّل الاستفادة والرجوع لما كتبه إضافة إلى أنه حفظ جهوده من الضياع، وهذا ما نأمله من أمثاله من المؤرخين المعاصرين بيننا، ولقد استخلصت من هذه الموضوعات المتنوعة ست محطات تاريخية وهي التالي:

المحطة الأولى: إشراقات نبوية

دراسات في التاريخ الإسلامي

وهي محطة تناولت جوانب مشرقة من حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) مصورة الجانب الإنساني العظيم في سيرته من ذكره لأخلاقه إلى ربطه بواقع الحال وهو كما قال “عصر الثورة” فقد كانت مصر آنذاك تحت الاحتلال الإنجليزي فما كان من “الشيال” إلا أن يكتب بلغة الحاضر عن المصلح الثائر على عبادة الأصنام والشرك بالله، المؤمن إيمانًا راسخًا بالرسالة التي بعث بها من عند الله عز وجل، لتصبح هذه السمات النبوية قبس يستضاء به. إضافة إلى ما تتضمنه هذه الرسالة من مُثل عليا كالوحدة والإخاء والتعاطف وغيرها ليؤكد “الشيال” بأن فلسفات العالم أجمع لا تستطيع أن ترقى إلى هذه المُثل.  

المحطة الثانية: تحولات مصر في العصور الإسلامية

تناول “الشيال” ذكر مصر منذ الفتح إلى العصر الفاطمي في أكثر من مقالة، وقد وضح فيها بمرور سريع يتضمن التحليل والنقد التاريخي كيف أصبحت مصر ولاية من ولايات الخلافة الإسلامية، ولماذا “الفسطاط” اختيرت العاصمة من قبل الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بدلاً من الإسكندرية، فمن جملة الأسباب التي أوردها “الشيال” وهو يناقش الأسباب ذكره لرغبة ابن الخطاب في ألا يحول بينه وبين المسلمين ماء… إلى أن وصل بنا إلى بداية القرن الرابع الهجري وتكوين الشعب المصري الجديد.

واستعرض “الشيال” كيف تدرج هذا التحول والاختلاط في نقاط، متخذًا من قول ابن خلدون “المغلوب مولع دائمًا بتقليد الغالب” قاعدة في بسط جُل الأسباب فمن الهجرات العربية إلى اعتناق عدد كبير من الأقباط الإسلام، فانتشار اللغة العربية والذي كان أسرع في القرن الثاني الهجري نظرًا لكونه عهد الاختلاط بين العرب والأقباط، إلى القرن الثالث الهجري الذي أُسقط فيه العرب من ديوان الجند فمنعوا من أعطياتهم فما كان منهم إلا الاشتغال بالزراعة وتزوجوا من المصريات فكان هذا القرن الذي تم فيه امتزاج الشعبين، لتبدأ مرحلة الشعب المصري الجديد على حد قوله.

المحطة الثالثة: إشراقات من تاريخنا العربي المجيد

دراسات في التاريخ الإسلامي

قبل سبعمائة سنة من مظاهرة النساء في باريس سنة 1204هـ/1789م، كانت هنالك مظاهرة للنساء في القاهرة تتقدمها فتاة تحمل في عنقها طبلة تدقها وتنادي “الخبز.. الخبز..” بعد مجاعة أصابت الشعب المصري، ومتوجهة إلى قصر الحاكم المستنصر الفاطمي، وهي حادثة ذكرها المؤرخ تقي الدين المقريزي في حوادث سنة 467هـ/1064م، وأراد “الشيال” أن يؤكد على دور المرأة العربية ويمجده كما مجد المؤرخون والأدباء ما فعلته المرأة الفرنسية من بعدها… وبهذا تضمنت كتاباته صناعة مادة تاريخية جديدة من خلال تسليط الضوء على حوادث تاريخية وشخصيات عربية لم تنل حقها في الدراسة مثل: الأخ الأصغر لصلاح الدين الأيوبي واسمه تاج الملوك بورى، والذي كان من أرباب السيف والقلم، محاربًا شجاعًا وشاعرًا  فذًا مات شابًا متأثرًا بجرح أصيب به في قتال، وكذلك إبراهيم النبراوي الذي بدأ حياته بائعًا للبطيخ إلى أن أصبح من كبار الجراحين في عصر محمد علي باشا وطبيبه الخاص، وغيرهم من الشخصيات.  

المحطة الرابعة: صفحات من تاريخ “الجاسوسية”

يستعرض “الشيال” بعض النواحي الغامضة من التاريخ الحربي أبرزها “الجاسوسية” في حروب بني أيوب، وهو عرض جديد لم يسبق لأحد أن تناوله بالبحث كأغلب موضوعات كتابه كما يقول، وحتى تتمكن الجيوش من النصر كان لزامًا الاعتماد على الجاسوسية وهو أمر عُرف في كل العصور التاريخية، وبنو أيوب عُرفوا بالحرب والجهاد لهذا كان لديهم جواسيس من المسلمين كان لهم دورًا كبيرًا وعظيمًا يقف خلف ما أحرزوه من انتصارات ساحقة.

ويذكر “الشيال” بأن المؤرخون في العصر الأيوبي تناولوا أخبار الجواسيس والتي يُرى بأنها لا تختلف عن أساليب الجاسوسية الحديثة كالاعتماد على النساء في جلب الأخبار، والاستفادة من الحمام الزاجل، وكذلك تم الاستعانة بالمهرة في السباحة، ولقد برز منهم آنذاك “عيسى” الذي كان يحمل المال والرسائل لمسلمين عكا أثناء حصارها من قبل الصليبيين، واستمر مخاطرًا بروحه إلى أن مات شهيدًا في البحر، وألقته الأمواج على ساحل عكا.

المحطة الخامسة: التحول عن الطريق المصري للتجارة بين الشرق والغرب

تناول “الشيال” في مقالاته العلاقات الاقتصادية والثقافية بين مصر والعالم الخارجي في عصر المماليك، وذكر ما حدث آنذاك من تحول التجارة إلى رأس الرجاء الصالح في القرن العاشر الهجري والذي جاء نتيجة غضب وحسد من الممالك الأوربية التي أخذت تبحث عن طريق جديد تصل به إلى الهند ليكن لهم نصيب من أموال الضرائب والمكوس التي يحظى بها المصريين والبنادقة – المعتنيين بتنمية التجارة مع المدن والموانئ المملوكية والعثمانية-  وتحقق للأوربيين ذلك فكان اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، وتعد الحركات الاستكشافية في القرن التاسع الهجري -بمساعدة عربية- هي الأساس الذي يقف وراء اكتشاف البرتغاليين لهذا الطريق الذي أصبح طريق التجار الأوروبيين طوال القرن العاشر الهجري فكان الأمر نقطة تحول مدمرة للثروة المصرية!

ومن جانب آخر يتناول “الشيال” أيضًا علاقات إنجلترا التجارية مع الشرق في القرن العاشر الهجري بعد أن أرادوا الولوج في المنافسة التجارية مع جيرانهم الأوروبيين، وقد حبطت محاولاتهم لاكتشاف طرق برية تصل بين الساحل الشرقي والبحر الأبيض المتوسط والسواحل الأسيوية الشرقية ولقد علل “الشيال” ذلك إلى العقبات الطبيعية وصعوبة النقل آنذاك… إلى ذكره محاولة إنجلترا في العودة إلى طريق مصر والبحر الأحمر في القرن الحادي عشر الهجري، وفي القرن الذي يليه اهتمت الدول الأوروبية بمصر من أجل التجارة باتجاه الشرق فكان التنافس بين إنجلترا وفرنسا للسيطرة على مصر كونها طريقًا للتجارة نحو الشرق الأقصى والهند. ولعله من المهم معرفتنا للعامل الاقتصادي الذي كان أحد أسباب التحول الذي أضعف قوة دولة المماليك التي تحكم مصر والشام، وتتبعها بلاد الحجاز آنذاك، وبهذا يفهم كيف تردى حال البلدان العربية.

المحطة السادسة: نواحي مشرقة وأخرى…! من تاريخنا الحديث

ومن علماء مصر في القرن الثالث عشر الهجري ترجم “الشيال” للشيخان محمد عياد الطنطاوي ومحمد عمر التونسي اللذان تتلمذ عليهما الدكتور “برون” وهو طبيب كيماوي، جاء للتدريس بعد ما رأى محمد علي باشا حاجة مصر إلى نقل الحضارة الأوروبية حتى يرتقي بها. فبدأ بتدريب ضباط جيشه أولاً وكانت الخطوة التي تليها الإشراف على صحتهم من قبل أطباء أوروبيين إلى إنشاء مدرسة الطب المصرية، والتي درّس فيها الدكتور “برون”  وكان الوحيد الذي يجيد اللغة العربية، فأسهم في حركة الترجمة والنشر من وإلى العربية، كما وصف بالبحاثة المتمكن من التحليل والمقارنة والنقد، ولقد عمل بإخلاص، وحب العرب، وكان يأمل في انبعاث الشرق من جديد… فكانا هؤلاء الثلاثة “ثالوث عجيب من الرجال” كما يرى “الشيال” وذكر قواسم مشتركة تجمعهم كالاغتراب عن الأوطان، وجهودهم العظيمة في التأليف والترجمة والنشر، والتفاني في خدمة العلم والتعليم. على الرغم من أن الحياة العلمية في تلك الفترة كما يصورها “برون” في رسائله لصديقه “مول” حالة من الجهل والكسل، وعلماء لا يهمهم إلا الدراسات الشكلية في الدين واللغة، إلا أن العالمان الطنطاوي والتونسي نالا على إعجابه واعترف لهما بالأستاذية.  

وأخيرًا نجد أن تاريخنا الإسلامي ما زال بحاجة إلى دراسات تاريخية تحليلية ونقدية تتناول المادة التاريخية بعرض جديد؛ وتقدم لنا نماذج عظيمة لشخصيات في تاريخنا قديمًا وحديثًا مثلما قدم المؤرخ “الشيال” في موضوعات كتابه هذا.

إيمان محمد

باحثة في التاريخ الإسلامي، مهتمة بالقراءة، والمساهمة في صناعة الحضارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى