حركة السترات الصفراء… عندما ظهرت الحرية الفرنسية على حقيقتها!

منذ شهر نوفمبر الماضي، بدأت حركة «السترات الصفراء» الاحتجاجية في فرنسا، وصارت الشغل الشاغل للمجتمع الفرنسي بكل أطيافه وطبقاته، بل امتد الانشغال بها إلى مستويات عالمية. بدا الأمر كأنما “السترات الصفراء” تشكل بؤرة مركزة، تعكس مآزق شتى على مختلف المستويات، وإن كان للمستوى الاقتصادي فيها اليد العليا، فإن الأمر عابر للمستويات كلها[1]. لقد أظهرت هذه الحركة الاحتجاجية هشاشة الديمقراطية الفرنسية، والمآزق التي تعانيه فرنسا في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وفي مجال الحريات أيضا.

فرنسا التي تُعتبر عند الكثير رمزًا لحرية التظاهر وحرية التعبير، تجد نفسها الآن في مأزق حقيقي، وتستنجد بالقانون لتعطي السلطة نفسها الحق في منع بعض المظاهرات ومنع بعض الأشخاص بالتحديد من التظاهر، وهذا ما يعتبره الكثير قمعا للحريات وتشويها لمكانة فرنسا الحقوقية في العالم.

لم تكتفِ السلطة الفرنسية بتغيير القانون لمنع التظاهر وإخماد ثورة حركة السترات الصفراء، بل داست على القانون الذي يسير شؤونهم ويضمن لهم الأمن، ومارست ضدهم العنف الجسدي والسياسي والإعلامي.

السلطة تمارس العنف، والحركة تتساءل: أين الحريّة؟

جيروم رودريغيس أيقونة حركة السترات الصفراء الذي فقد عينه جراء اعتداء الشرطة عليه

عند أول اختبار حقيقي لفرنسا في مادة الديمقراطية وحرية التعبير، ها هي تسقط وتخسر الامتحان. لقد خرج الشعب وبكل سلمية يطالب بحقوقه الاقتصادية بعد أن فهم حقيقة ما يحدث له في وطنه، فخرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعد بالتغيير وبقادم أفضل، وقام بعدة حركات لعله يقلل من سخط الشعب، لم ينجح في ذلك بل زاد الطين بلة فقد ازدادت مطالب الشعب، ونادوا بالتغيير السياسي ومراجعة تطبيق الديمقراطية.

لم يكن يعتقد الفرنسيون أنه سيصل ذلك اليوم الذي ستقمع فيه حريتهم في التعبير عن آرائهم ورفضهم للسياسات الحكومية الفاشلة، ولكن ظهر لهم أن الحقيقة هي عكس ذلك تماما، فقد تعرض أصحاب الستر الصفراء لكل أنواع الإذلال من ضرب واعتقال ورمي بالغازات السامة وجرح وحتى قتل لعدم تمكن السلطات من توفير الحماية للمتظاهرين، لقد كانت المشاهد حقيقة صادمة.

يقول “جيروم رودريغيس” أيقونة الحركة الذي فقد عينه جراء اعتداء الشرطة عليه: «ليس لدي أي مشكل مع الشرطة……أنا مشكلتي مع المسئولين الذين يحرضونهم على العنف»، ويتساءل قائلا: «اليوم عندما نأتي لنطالب في بلدنا عن هذه الحرية التي علمونا إياها…. نتلقى قذائف على رؤوسنا وقنابل “التي أن تي” تحت أقدامنا»، ويقول: «إنهم يهاجموننا بأسلحة حرب، حرب وفرنسا لم أكن أظن في حياتي أنني سأجمع بين هاتين الكلمتين في فرنسا….. أين هو البلد الذي يرمي شعبه بالأسلحة في أيامنا هذه».

حسب قناة سكاي نيوز عربية فإن هيئة الأمم المتحدة دعت إلى إجراء تحقيق بشأن الاستخدام المفرط للقوة ضد محتجي الحركة، وقالت المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة “ميشال باشليه” خلال خطاب لها أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف: «نشجع الحكومة الفرنسية على مواصلة الحوار ونطالب بإجراء تحقيق معمق حول كل حالات الاستخدام المفرط للقوة التي تم التبليغ عنها».

عن أي أسلحة يتحدث رودريغيس؟

“أل بي دي 40” وقنابل “جلي آف 4” هي أسلحة تابعة لقوات الشرطة الفرنسية. تعتبر فرنسا حاليا البلد الوحيد في الإتحاد الأوروبي الذي يستخدم مثل هذه الأسلحة ضد المدنيين المتظاهرين.

يعتبر سلاح “أل بي دي 40” أو “قاذف رصاصات الدفاع 40” السويسري الصنع من الأسلحة الخطيرة التي عرَّضت المدنيين لعدة إصابات خطيرة منذ بداية استخدامه بشكل رسمي عام 2009م.

كانت بداية اختبار هذا السلاح عام 2007م، سلاح من نوع “أ” –سلاح ناري مخصص للأغراض العسكرية- أكثر دقة وأكثر قوة من “فلاش بال” أو “بندقية الكرات الوامضة”، مزود بناظور إييوتيك، تكنولوجية عسكرية تسمح بإصابة الضحية بدقة عالية.

هو عبارة عن سلاح مخصص لرماية رصاصات مطاطية بقياس 40 مم على 46مم، يمكن للرصاصة أن يبلغ مداها 50 مترا كحد أقصى، وبسرعة تصل إلى 360 كيلومتر في الساعة.

2- تعتبر قنابل “جلي آف 4” من القنابل المسيلة للدموع الفرنسية الصنع، بدأت الشرطة الفرنسية في استعمال هذه القنابل السيئة السمعة عام 2011م، يبلغ وزنها 190 غرام بطول يبلغ 17.8 سنتيمتر ومحيط يقدر بـ 5.6 سنتيمتر.

الغريب في هذه القنابل أنها مع احتوائها للغازات الكيميائية الضارة للعيون والجهاز التنفسي والحنجرة، تحتوي على كمية معتبرة من المادة المتفجرة “تي أن تي” تقدر بـ 26 غرام للقنبلة.

يؤدي انفجارها إلى تكوين شظايا خطيرة وإخراج صوت يؤثر سلبا على الأذنين وقيل حتى أنه يؤثر نفسيا على المتظاهرين، وقد تسبب رمي المتظاهرين بها في إصابات بليغة وحروق.

هذه الأسلحة وغيرها كالقنابل اليدوية “دي أم بي” ينص القانون الفرنسي على عدم استعمالها إلا في حالات الدفاع والخطر الواضح وأمام أشخاص يحملون أسلحة، إلا أن الشرطة الفرنسية تستعملها وبشكل عشوائي وبطريقة مقصودة ضد المدنيين المتظاهرين الذين لا يشكلون أي خطر على أنفسهم ولا على غيرهم.

شيء متوقع، الحصيلة ثقيلة

بمراجعة الإحصائيات التي قدمتها وزارة الداخلية الفرنسية عن عدد المتظاهرين كل يوم سبت من حركة السترات الصفراء يلاحظ أن هناك اختلافا كبيرا بين تلك المقدمة من منظمات أخرى غير حكومية، وقد اتهم بعض رموز الحركة السلطة بتزوير الأرقام قصد استصغار الحركة والتقليل من شعبيتها.

إنفوجرافيك يوضح اختلاف الإحصائيات بين وزارة الداخلية الفرنسية وحركة السترات الصفراء

إذا كانت وزارة الداخلية متهمة بتغيير أعداد المتظاهرين وتقليلها، فهي متهمة بشكل أكبر بتزوير وتزييف أرقام المصابين وطبيعة إصاباتهم.

حسب موقع “ديزارمون لي”، فإنه منذ بداية الحركة إلى بداية شهر جانفي الماضي أصيب ما يتراوح بين 2000 و3000 شخص منهم صحفيين، بمعنى أنه منذ بداية المظاهرات إصابات الحركة في فرنسا أكثر من إصابات الجنود الفرنسيين في النزاعات العسكرية الخارجية التي تشارك فيها فرنسا منذ 50 عاما الماضية.

حسب موقع جريدة “لبيراسيون” المعروفة فإن الإصابات الخطيرة قدرت بـ 94 إصابة بين من فقد عينه للأبد ومن بترت يده أو رجله أو فقد أحد حواسه، وهذا بعد شهرين فقط من بداية المظاهرات.

أما من ناحية الإصابات في الشرطة فهي حسب وزارة الداخلية الفرنسية 1000 إصابة فقط، ولا تصل إلى حد الخطورة، بحكم أن الشرطة يمتلكون لباسا يحميهم من ضربات المتظاهرين.

من ناحية أخرى أكدت وزارة الداخلية الفرنسية أنه منذ بداية المظاهرات وفي أقل من ثلاث شهور اعتقلت الشرطة الفرنسية 8000 شخص واستجوبتهم، وتم إدانة 1800 شخص منهم.

ليس غريبا أن يسمع الشخص عن هذا القمع الوحشي للمتظاهرين من طرف هذه الأنظمة المتطرفّة، ولكن من الغريب جدا أن تسمع عن منع السلطة للحماية المدنية من توفير العلاج والدواء للمصابين، فحسب شهادة أحد المتظاهرين التي نشرها موقع “إقاليتي إي روكونسيلياسيون” فإن الحماية المدنية والإسعاف رفضوا معالجته بعد إصابته في عينه بحكم أنهم تلقوا هذه التعليمات من المسئولين.

الفرنسيون يتعرفون على الوجه الحقيقي لإعلامهم

العنصريون، معادو السامية، الإرهابيون، المتطرفون…. مصطلحات كان يستعملها الإعلام الفرنسي لشيطنة كل من يحاول أن يكون ضد سياسات النظام الفرنسي، وكان للمسلمين من ذلك الحظ الأوفر، لكن أن نرى الإعلام الفرنسي يصف حركة السترات الصفراء الفرنسية بهذه الأوصاف فهذا يعني أن هناك نزاعا أيديولوجيا حقيقيا بين الحركة والسلطة الفرنسية.

عمل الإعلام الفرنسي وبتحريض من السلطات الفرنسية منذ بداية الاحتجاجات على تشويه حركة السترات الصفراء، فقد نسبوا إليهم العنف الذي لم يكن إلا ردة فعل على ما تقوم به الشرطة اتجاههم، ونسبوا إليهم العنصرية ومعاداة السامية بعد أن تعرض أحد اليهود إلى عبارات جارحة من طرف بعض المتظاهرين، وقد خرج الصحفي الفرنسي “باسكال برو” بخرجة خطيرة حين حاول إلصاق تهمة الإرهاب بالحركة، قاصدا تشويهها وتنفير الناس منها.

وجاءت تصريحات الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” على نفس نهج الإعلام الفرنسي، حيث جاء في تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي تويتر: «الذي يحصل اليوم في الشانزلزيه لا يمكن تسميته مظاهرة. إنهم أشخاص يريدون تدمير الجمهورية».

رد الأستاذ “جيروم رودريغيس” على هذه التهم الموجهة لهم قائلا: «لست إرهابيا وبدأت بالفعل أضجر من تسمية زملائي بالإرهابيين»، وقال:«نعم في وقت من الأوقات وعندما تكون محاطا بالشرطة التي تقذفك بالغاز، نعم هناك أشخاص –كرد فعل- يتطرفون»، وقال: « لماذا نتكلم دائما عن السلبيات، لماذا لا نتكلم مثلا عن اليهودي الذي تحدث وأكد أن حركة السترات الصفراء غير عنصرية وأنها بريئة من معاداة السامية، لماذا لا ننشر هذا ».

المصادر

ديمة الشكر، المفكر الفرنسي إدغار موران تحت مجهر السترات الصفراء، مجلة الفيصل، العددان 509- 510، الرياض، 1440ه، ص.88.[

أبو ذر القصراوي

كاتبٌ صحفيٌ وباحثٌ إسلاميٌ مستقلٌ، كاتب صحفي لعدد من المواقع والمدونات والصُحُف المطبوعة. وكذلك حاصل… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى