
كأس العالم 2026: الساحرة المستديرة وكيف نستفيد من موسمها الكبير؟
تنطلق اليوم بطولة كأس العالم لكرة القدم للعام 2026م، التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك بشكل مشترك، مع استحواذ الولايات المتحدة على العدد الأكبر من المباريات، بما في ذلك المباراة النهائية. وهي المرة الأولى تاريخيًا التي تشهد مشاركة 48 منتخبًا. ويتوقع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) حضور 6.5 مليون متفرج في المباريات الـ104 التي ستقام على مدار خمسة أسابيع.
اللعبة الفاتنة أو بطولة كأس العالم لكرة القدم التي ينظمها الاتحاد الدولي لكرة القدم، التي ستحتفل بمرور مئة عام على انطلاقها في عام 2030، تعد حدثًا محوريًا في حياة مليارات البشر كل أربع سنوات. فهي تجذب أنظار عشاقها حول العالم، ونصيب أمتنا منهم كبير. يحاول هذا المقال إلقاء الضوء على بطولة الفتنة والسحر، وكيف تتداخل الرياضة والسياسة والثقافة؟ وكيف نستفيد من هذا الحدث اليوم وغدًا؟
لمحة تاريخية
على مدار تاريخها الممتد لما يقارب قرنًا من الزمان، ظلت هذه البطولة الحدث الرياضي الأبرز عالميًا، جاذبةً أكبر عدد من أبناء آدم لمتابعتها. ظهرت لعبة كرة القدم في بريطانيا وتم تنظيمها في اجتماع عام 1863 لأحد عشر ناديًا في حانة الماسونيين بلندن، من خلال اتحاد لكرة القدم (FA) وضع مجموعة من القواعد لكرة القدم التي نعرفها اليوم.
سرعان ما انتشرت اللعبة بين البريطانيين وتحولت إلى رياضة واسعة الانتشار، وانتقلت مع الاستعمار البريطاني حتى شملت العالم بأسره. لعبة بسيطة يمكن لأصغر طفل فقير ممارستها والتفوق فيها والتمتع بممارستها.
مع توسع اللعبة أنشأت الدول الأوروبية الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1904، وتحت قيادة جول ريميه الفرنسي تم تنظيم أول بطولة لكأس العالم في أوروغواي عام 1930م، بمشاركة أربع دول أوروبية. بلغ عدد نسخ البطولة حتى الآن 22 نسخة، آخرها المنظمة في قطر عام 2022م، والآن نحن على أعتاب بدء النسخة 23 من البطولة.
صناعة ضخمة وسوق لا حدود له

تحولت كرة القدم مع مرور الوقت وتطورات الحياة الرأسمالية من لعبة للتسلية ورياضة للأبدان، إلى صناعة ضخمة جدًا تُقدر بمليارات الدولارات. ومع دخول الاحتراف في اللعبة انجذبت رؤوس الأموال الطائلة إليها وحدث تحالف بين إدارتها ممثلة في الفيفا وتوابعه في كل أركان الدنيا والرأسمال الصناعي والتجاري.
ولم يعد الاهتمام هو الفوز والمنافسة الشريفة والمتعة وممارسة الرياضة، لكن تحقيق الربح وتوسيع الصناعات القائمة على البطولات والترويج للموضات والأكلات والمشروبات والملابس. فقد تحولت الفيفا إلى كيان تجاري ضخم من خلال استقطاب رعاية من كوكاكولا وأديداس، ثم تبعتهما العديد من الشركات والهيئات الاقتصادية المختلفة من مصانع ومطاعم وبنوك.
فالاتحاد الدولي لكرة القدم اليوم هو أحد أكبر الكيانات الرياضية ثراءً على مستوى العالم، حيث تشير التقارير المالية إلى تحقيقه إيرادات قياسية تاريخية تتجاوز 13 مليار دولار في الدورة الحالية.
تستمد هذه الثروة بشكل رئيسي من:
- حقوق البث التلفزيوني التي تُشكل المصدر الأكبر لأرباح الفيفا، حيث تدفع القنوات وشبكات الإعلام مبالغ فلكية لنقل البطولات (مثل قنوات beIN SPORTS التي تستحوذ على حقوق البث الكبرى).
- عقود التسويق والرعاية التي تدر مع الشركات العالمية الكبرى أموالاً طائلة.
- حقوق التراخيص التجارية المرتبطة بشعارات كأس العالم.
- بيع التذاكر والضيافة، والتي تتضاعف مع زيادة عدد المنتخبات المشاركة.
تُعد كل من كوكاكولا وأديداس من أقدم وأبرز الشركاء الاستراتيجيين للاتحاد الدولي لكرة القدم، حيث تمتد شراكتهما لعقود، بدأت مع كوكاكولا منذ عام 1974 ممتدة. وامتدت إلى شركة أديداس منذ أكثر من 40 عامًا.
تشير التقديرات إلى أن إيرادات الرعاة لنسخة كأس العالم 2026 قد وصلت إلى أرقام تاريخية تُقدر بنحو 2.4 مليار دولار. في حين تبلغ العوائد الإجمالية المتوقعة لبطولة كأس العالم 2026 المقامة في أمريكا وكندا والمكسيك نحو 13 مليار دولار.
تشمل عقود الرعاية عدة مستويات:
- الطبقة الأولى: تتمتع هذه الشركات بحقوق تسويقية شاملة لجميع بطولات الفيفا، وتدفع كل منها ما بين 150 إلى أكثر من 200 مليون دولار لكل دورة مدتها 4 سنوات.
- الطبقة الثانية: شركات تمتلك حقوقًا حصرية لنسخة بطولة 2026 فقط، وتتراوح قيمة عقودها بين 80 إلى 100 مليون دولار.
ويكفي أن نعلم أن سوق الفيفا الإلكتروني قد أعلن عن بيع “أربع تذاكر للمباراة النهائية بسعر 2.3 مليون دولار أمريكي للتذكرة الواحدة” لنعرف حجم اقتصاديات كرة القدم ومدى جاذبيتها وربحيتها.
من المتعة الخالصة إلى الطقس المدار
تحولت متعة المشاهدة التي عاينها كل من لعب الكرة أو أحب مشاهدتها، إلى طقوس منظمة تقوم عليها مجموعات هائلة متصلة بشركات ترعاها وتتبناها. فلم تعد هتافات الجماهير عفوية ولا أغانيها فقد صارت مهنة يمتهنها كبير المشجعين ورابطة المشجعين.
كان الانتماء لنادي أو منتخب يرتبط بالتاريخ الشخصي والعائلي، فأنت عندما تشجع ناديًا ما تقوم بذلك عن وعي وإدراك، سواءٌ لأنك ورثت هذا الانتماء، أو لأنك تشاركت فيه مع أحد أصدقائك أو أهلك.
ومع الوقت تبني ذاكرة ترسخ من هذا الانتماء مع كل مباراة، وتتضخم الذاكرة بالمنافسة مع النادي المنافس ومشجعيه، ومع الثقافة التي تغذي انتمائك: ماضي النادي العريق، لاعبيه الأفذاذ، إداراته الحازمة الناجحة، جمهوره الغفير، ذكرياتك المتراكمة في أثناء مشاهدة مبارياته، بطولاته المتوالية وربما هزائمه المتوالية التي تراها نتاج مؤامرات مدبرة وهكذا.
كرة القدم وحروب الثقافة

هذا التهافت الذي نراه من الشركات المختلفة الأنواع، ليس مجرد مشاركة في بطولة عالمية بقصد الدعاية أو تشجيع اللعبة وممارستها، أو حتى لتحقيق التواصل بين الثقافات، وإنما يتعدى الأمر ذلك كله لفرض ثقافات معينة وطرق للحياة وأنماط للمعيشة، تفتح البلدان والمجتمعات أمام الشركات العملاقة لتدخل البلدان من خلال مباراة كرة قدم ينتظرها ملايين من أبنائها كل أربع سنوات.
فكأس العالم ليس مجرد ملعب ولا لاعبون ومشجعون، ولكن يكمن وراءهم تجار وصناع ودعاة ثقافات وأفكار، يحترفون توصيل رسائلهم في أثناء المباريات وقبلها وبعدها، من خلال خلق التفاعلات البصرية والسمعية ومخاطبة الغرائز والطموحات والتطلعات داخل الملعب، بالتعليق الشيق المحترف، والإعلان الجذاب، وتخطيط الملعب وتزيينه، وطريقة نزول اللاعبين للملعب وخروجهم منه، وأماكن الجمهور ودرجاته، وأماكن المدربين ومتابعة انفعالات الجميع.
وليس ذلك فحسب فهؤلاء لا يتركون الجميع لحظة قبل وبعد انتهاء المباريات وفي أثناء الاستراحة بين الأشواط، فعلى الشاشات وفي متاجر الأحياء، ووسائل النقل، والمقاهي، والفنادق، وغيرها، حتى بالنسبة لمن يشاهدون المباريات عن بعد يظل التواصل حتى تصل كل الرسائل. ففي المونديال صار الجميع يعلن عن رسائله، قيم تعلو وتهبط أخرى، كأس العالم تجاوز كونه مجرد بطولة كرة قدم إلى ساحة للصراعات الثقافية والسياسية وسوقًا للبضائع والمنتجات.
ليست تافهة وليست غير سياسية
أصبح تأثير الاتحاد الدولي لكرة القدم كبيرًا في المجال العالمي، فبعد أن كان في بدايته منظمًا للعبة، صار امبراطورية هائلة للمال والأعمال والتأثير الرهيب والسطوة التي لا تغلب، لأي دولة تود أن تنظم كأس العالم، وصار له من النفوذ ما لصندوق النقد والبنك الدولي في منح القروض وتمويل المشروعات ومنح صكوك الأمان والملاءة المالية. فرضا الاتحاد خطوة لا بد منها ليمكن لدولة أن تنظم المونديال العالمي على أرضها.
فقد صارت الكرة مفتاحًا للسياسة وفرض شروطها والثقافة وترويجها. وربما وجدنا ذلك واضحًا في المونديال الأخير. فقد مرت قطر بمراحل طويلة من المفاوضات مع الاتحاد لتلبي شروطه التي لا علاقة لها كرة القدم بشكل مباشر، فقد عدلت من شروط العمل ونظام الكفالة وتجاوزت عن بيع واحتساء المشروبات الكحولية. وأعلنت التزامها بقواعد الفيفا المتعلقة بتعزيز التسامح.
لم تعد كرة القدم، تافهة وغير سياسية، مجرد لعبة؛ فقد ولى هذا الزمان.
فرصة جديدة لدراسة عينة من المجتمع العربي والإسلامي
بات من الواجب على كل محب لهذه الأمة؛ ساع في بعثها الجديد، السعي لاستغلال هذا الحدث التاريخي لدراسة التفاعل بين كرة القدم والثقافة والسياسة، مع التركيز بشكل خاص على كيفية تحول كرة القدم إلى إحدى ساحات “الحروب الثقافية والاقتصادية”.
يحتاج الأمر إلى جهود متواصلة ومتصلة ومنسقة، بين علماء الاجتماع والتاريخ والاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية وعلم النفس والفقهاء، وخبراء كرة القدم وعينات من اللاعبين والمشجعين وفرق كاملة من شباب الباحثين، من أجل دراسة المونديال: التغطية الإعلامية والإعلانية، ونسب المشاهدة، ما نوع الرسائل، وما نوع المعاني التي تكتسبها كل بطولة.
وتحليل للتركيبة النوعية والسنية للجمهور: ذكور، إناث، أعمارهم، كيف ينظم المشجعون المتحمسون أنفسهم؟ كيف يرتدي المشجعون ملابسهم؟ ما هي الشعارات التي يحملونها، وما هي الأعلام؟ أشكال الملاعب ونمط تصميمها، المعنى المعماري الكامن وراءها، من يملك هذه الملاعب ومن يديرها؟
ويحتاج كذلك حضور هذه المناسبات للتواصل مع المشجعين. وقضاء ساعات مع منظمي مجموعات المشجعين. علينا أن نتفهم لغة كرة القدم لنتفاعل مع الجماهير، ونفهم نفسياتها ودوافعها لهذا العشق المجنون للساحرة المستديرة.
نحتاج كذلك إلى دراسة النوادي والمنتخبات ونجومها، من اللاعبين والمديرين الفنيين والمعلقين والمحللين ورؤساء الأندية، وغيرهم من المؤثرين في اللعبة. هذه النجوم الكاذبة الآفلة التي تطلق علينا وتنطلق في أرجاء الأرض تغوي الناس عمومًا والشباب والأطفال خصوصًا، وتجر وراءها صناعات لا حصر لها، بعد أن سخر أرباب تلك الصناعات أموالهم لصناعة تلك النجوم في عملية دائرية لا تنتهي، إلا إذا كسر الناس تلك الدائرة الجهنمية، ولن تنكسر إلا بعقيدة راسخة في القلوب تغير تفكير العقول، كما فعل الإسلام وما زال قادرًا على الفعل إن وجد منا عزمًا.
نحتاج مشروعًا بحثيًا كاملًا ومنهجًا دراسيًا احترافيًا عن كرة القدم عمومًا وكأس العالم خصوصًا، يمكن أن يفيد الأنظمة الحاكمة والمؤسسات والجمعيات ومراكز التفكير، في فهم تأثيرات الرياضة على مجمل الأوضاع في مجتمعاتنا، وكيف نستفيد من ذلك في رسم سياسات عامة ناجحة.
علم اجتماع كرة القدم لم يعد ترفًا ولا مسألة هامشية في مجتمعاتنا، فسواء وجد الحكام أو المصلحون كرة القدم مهمة أو هامشية، وسواءٌ أحبوها أو أبغضوها أو لم يهتموا بها، فإن ذلك لن يغير من الأمر الواقع شيئًا: لقد صارت جزءًا لا يتجزأ من حياة غالبية الشعوب، ولا يستطيع حاكم أو حزب أو جماعة أو تنظيم أن تجتذب الأعداد التي تجتذبها مباراة كرة قدم، دون فهم ما يجري داخل وخارج الملاعب.
اقتراح للنقاش والتفعيل
توجد كثير من الأمور يمكن اقتراحها لملايين المشجعين من أبناء الأمة، منها: أن يقتطع كل مشجع من هؤلاء بعضًا من وقته وماله الذي ينفقه وهو يستمتع بمشاهدة المباريات في المنازل أو المقاهي أو المولات، أو في الملاعب لمن استطاع إليها سبيلًا وقد صاروا كثرًا في الأمة.
يمكنك أن تتبرع ببعض المشروبات والمأكولات التي تأكلها، والملابس المخصوصة التي تلبسها، وباقات النت التي تشحنها، وتجديد اشتراك البين سبورت، وتذكرة المباراة، لإخوانك في فلسطين.
ويمكنك أن ترتدي تي شيرت فلسطين، وأن تكتب منشورًا عن فلسطين من ضمن منشوراتك عن فريقك المفضل، أو تهتف لفلسطين مع أبنائك كما تهتف لفريقك، وأن تتحدث معهم عن فلسطين كما تتحدث عن فريقك مع أصدقائك، أن تقف دقيقة حدادًا على شهداء وجرحى وجوعى فلسطين.
وأنت تستمتع بمشاهدة مباريات كأس العالم، لا تنس إخوتك في فلسطين وفي عموم الأمة من المبتلين.