اختيارات المحرر

قبو الاستجواب: الجزء الأول مُقَدِّمَةُ السِّلسِلة: لِمَاْذَا أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ؟

لم أكن أؤمن كثيرًا بالقصص التي تبدأ بالاختطاف؛ كنت أظنها حيلة سهلة يلجأ إليها الكُتّاب حين يعجزون عن إيجاد مدخلٍ مقنع لأحداثهم. ولكن، حتى لو كانت بعض هذه القصص حقيقية، فلم يجل بخاطري يومًا أنّ شيئًا مثيرًا مثل هذا قد يحدث لي أنا.

لماذا؟

دعني أعرفك بنفسي. تعال وألقِ نظرة بنفسك… هل تراني جيدًا؟ أجل، أنا ذلك الشاب الذي يرتدي سروالًا من الجينز وقميصًا أبيضَ ناصعَ البياض. صحيحٌ أنني لم أرتدِ يومًا نظارةً طبيّة، لكن يمكنك بسهولة الشعور بأنني مثقف.

قد تتساءل: لماذا أظن هذا؟

الإجابة ببساطة أنني لا أكفُّ عن الكلام؛ فأنا أتحدث في كل المواضيع وكأنني خبيرٌ ببواطن الأمور: التاريخ، والسياسة، والدين… إلى آخره. انظر إليَّ مرة ثانية، وستراني أقضي معظم يومي في مطالعة الأخبار، والتنقل بين مواقع التواصل الاجتماعي، وقبل النوم… بين صفحات الكتب القديمة. لهذا السبب، لم يكُن في حياتي العادية هذه ما يُوحي بأنني سأصبح يومًا ما أسيرًا على كوكب لا يعرفه أحد من البشر.

الآن… تستطيع أن تتخيل مدى صدمتي حين وجدت نفسي فجأة محبوسًا في زنزانة معدنية، على بُعد سنوات ضوئية من الأرض.

كان الهواء هناك باردًا على نحوٍ غير مألوف، والصمتُ أثقل من أنْ يكون صمتًا عاديًا. في البداية ظننت أنني ضحية تجربة ما، أو أنّ الأمر يتعلق بحربٍ وأسرارٍ عسكرية. بالطبع لم أفكر أنّ هناك من اختطفني ليسرق بعض أعضائي أو ليطلب فدية من عائلتي؛ فلم أشتهر يومًا بصحةٍ وافرة، ولا بثروةٍ طائلة.

لكن الأيام مرّت… ولم يأتِ أحد ليحقق معي في شيء من ذلك.

ثم جاء هو… كائن فضائي.

كان يجلس أمامي بالساعات كما يجلس معلمٌ صبور أمام طالبٍ متعثر؛ لم يحمل يومًا سلاحًا، ولم يرفع صوتًا، ولم يطلب اعترافًا. كان يطرح عليّ سؤالًا واحدًا دقيقًا، يقتحم أعماقي دون استئذان، ثم يتركني وحيدًا في مواجهته… بل والأخطر: في مواجهة نفسي.

في البداية قاومت، وجادلت، وغضبت. وكلما ظننت أنني أملك جوابًا قاطعًا على أحد أسئلته، اكتشفت أنني لم أكن أملك سوى شعاراتٍ جوفاء ظللتُ أرددها طوال حياتي دون أن أفكر فيها، وفي تبعاتها بالعمق الكافي.

هناك، بين جُدران هذه الزنزانة، أدركتُ أنّ ما يحدث ليس مجرّد حوار عابر بيني وبين كائن فضائي يحاول القيام بتجربةٍ ما، بل كانت محاكمة شاملة لكل ما تربّيتُ عليه، وحسمتُ أمره، وانتهيتُ منه:

الدين.
السياسة.
الحريّة.
التاريخ.
الهويّة.

وحين بدأت أظن أنني أنا موضوع هذا الاستجواب… اكتشفت أنني كنت مخطئًا. لم يكن الأمر يتعلق بي وحدي، ولم يكن يتعلق بالبشر وحدهم؛ كانت هناك قصة أكبر بكثير تختبئ خلف تلك الأسئلة، قصة لم أفهم حقيقتها إلا متأخرًا جدًا.

ولأنني لا أعرف إن كانت تجربتي هذه ستصل يومًا إلى بشر، قررت أن أكتب. لا أكتب رواية ولا بحثًا فلسفيًا، بل سِجِلَّ أسيرٍ بشري، أجبره كائنٌ فضائي على مواجهة الأسئلة التي طالما هرب منها. إنها سلسلة حوارات قد تبدو لك في ظاهرها خيالية، لكن ما تُخفيه بين السطور هو صَمِيم واقعنا، والتناقضات التي تُطوِّق حياتنا حتى اعتدنا عليها.

فإنْ كنت تبحث عن حكايةٍ مُسلّية، ستجدها هنا. وإنْ كنت تبحث عن أسئلة تُقلقك منذ زمن، ستجدها أيضًا. أمّا إنْ كنت تبحث عن أجوبة نهائية.. فلا تنتظرها مني.

كل ما أُقدّمه لك هو رحلتي مع ذلك الفضائي… رحلة بدأت بالدّهشة، وانتهت بالبحث عن جوهر البقاء.

علي جاد المولى

كاتب مصري مقيم في تونس، تلقى تعليمه في الأزهر، ويستكشف في أعماله الإسلام من خلال… المزيد »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى