قبل الثورة بأسابيع ظهر الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلة مع صحيفة “وول ستريت”بتاريخ (31-12-2011) تحدث فيها عن مناعة سوريا تجاه الربيع العربي، وعن اطمئنانه من أن المد الثوري لن يصل إلى دمشق أبدًا. ورغم هذه الثّقة انقلبت الأمّة في سوريا بشكل مُباغت وسريع على مُهاترات الأسد وثقته، وانطلقت الثورة من الجنوب في درعا حتّى عمّت أرجاء الشام بشكل تدريجي.

وهذا دليل مادّي محسوس ينطق بأنّ النظام السوري أوهن من بيت العنكبوت بالرُّغم من تجميعه للمعلومات وإرهابه للناس، فقد باءت كل محاولاته في إخماد الظهور الثوري في سوريا بالفشل المطلق.

نظام عميل

لقد ابتُلي أهل الشام بنظام عميل لأميركا منذ زمن طويل خاصة بعد تقهقر بريطانيا؛ التي أسقطت دولة الخلافة العثمانية، وأحدثت فراغًا سياسيًا في عالمنا الإسلامي، لتشغله هي بالاشتراك مع فرنسا لحظيًا، لتكنسها لاحقًا من مستعمراتها خاصة في سوريا ولبنان.

وكذلك قامت أميركا بكنس رجالات بريطانيا من سوريا وإبدالها برجالاتها، وعلى رأسهم حافظ الأسد؛ الذي شارك القوات الأمريكية الإمبريالية في حربها على العراق (معركة عاصفة الصحراء 1991 م)، فكانت أرض الشام -وما زالت للأسف- رأس حربة في الدفاع عن مصالح العم السام تحديدًا، ومصالح الغرب الكافر عمومًا.

الثورة السورية

Embed from Getty Images

وبالعودة للثورة السورية، ولكن قبل الدخول في حيثياتها وأحداثها، لا بد من التفصيل والتأصيل الفعلي لها؛ فالأمة في الشام خرجت ضد نظام قهري تسلّط عليها عقودًا من الزمن وبرر طغيانه بدعم المقاومة والممانعة.

وهو لم يُطلق طلقة واحدة على الكيان الصهيوني، بل قام هذا النظام بتسليم أرض الجولان لكيان يهود في عهد المقبور حافظ الأسد، وعليه فإنّ من أعمدة النظام السوري هي القهر والخيانة، فكان خروج الناس عليه أمرًا طبيعيًا وبديهيًا بدايةً في حماة سابقًا واليوم في أرجاء سوريا.

سؤالان مهمّان

ومن هنا ينبثق سؤالان مهمّان وهما ما الذي ميّز هذه الثورة عن باقي الثورات؟، ولماذا استمرّت لكل هذه المُدّة 6 سنوات ويزيد؟، وللإجابة أقول: لقد تميّزت الثورة السورية بحمل مشروع سياسي نهضوي؛ وهو مشروع الإسلام “دولة الخلافة الإسلامية”؛ ليكون بديلًا عن النظام السائد؛ بمعنى أنّها أرادت إزالة مكنون النظام السوري بشكل جذري، وبالتالي بتر يد الهيمنة الغربية على سوريا، ومن ثمّ الأمة الإسلامية لاحقًا.

وعليه فإنّ الثورة السورية قامت على أساس الإسلام، وما يُثبت هذا الكلام هو الشعارات الإسلامية التي رُفعت، بالإضافة للتحرّكات السياسية والعسكرية التي قامت بها بعض الحركات والأحزاب السياسية الفاعلة في الثورة؛ والتي تبّنت مشروع الخلافة بشكل واضح جلي، ولذلك كانت الثورة بنظر النظام ومن خلفه سيّده الأميركي خطرًا يُهدد مصالح النظام الدولي (على لسان أوباما: سوريا شيّبتني).

فبدأت أميركا تتحرك بشكل هستيري لدعم النظام السوري؛ فأوكلت لهُ مهمّة قتل المسلمين بدون رحمة، وعندما عجز النظام عن الدفاع عن نفسه بذاته، استدعت كل من إيران وحزبها في لبنان، وأمرتهم بالدخول في المستنقع السوري؛ لدعم النظام وحمايته.

تدخل النظام الإيراني

Embed from Getty Images

فقام النظام الإيراني الدائر بفلك أميركا بصناعة رأي عام داخل إيران بأنّ دخول القوات الإيرانية في سوريا هي لحماية المقدسات الشيعية فكانت نبرة الخطاب طائفي لشحن الجمهور الإيراني ودفعه للدخول في حرب أميركا بالوكالة رغم أنّ هذا الكلام غير صحيح فدخول إيران الحرب في سوريا هو للدفاع عن النظام السوري المهترئ والمُنتهي فقط.

وقالت وكالة تسنيم الإيرانية شبه الرسمية للأنباء، إن الرئيس حسن روحاني تعهد اليوم الثلاثاء أن تواصل بلاده دعم سوريا في حربها على ما وصفه “الإرهاب” 27/9/2016.

وعندما عجزت إيران مع حزبها في لبنان تحقيق الهدف المرجو أمريكيًا؛ وهو الإجهاز على الثورة السورية، قامت باستدعاء روسيا وإقحامها في المجال السوري بطلب منها؛ لتحقيق أهداف العم سام مقابل مقايضات وصفقات سياسية واقتصادية كتغاضي أميركا عن تدخل روسيا في جزيرة القرم واحتلالها، بالإضافة لتخفيف العقوبات الاقتصادية التي تفرضها أميركا على روسي.

وبالفعل دخلت روسيا حربها الصليبية على سوريا بطلب أمريكي وبمباركة من الكنيسة الأرثوذكسية وبوصفها بالحرب المقدسة!، إنّ دخول بوتين الحرب في سوريا كان بسبب آخر أيضًا، فقال بوتين “سوريا لن تتحول إلى “دولة خلافة” لكن عليكم في واشنطن أن تحترسوا! 15/6/2017) وهذا دليل الرعب الذي يتمكن في قلوب الغرب وزعاماته بشكل عام من موضوع الخلافة”.

 تنظيم الدولة

وفي هذه المرحلة من التدخلات العسكرية والمؤامرات على الثورة السورية ابتدع تنظيم الدولة “خلافة اللغو” لضرب المشروع قبل ولادته؛ فتم عن طريقه تشويه نظام الحكم في الإسلام، وضرب الفصائل فيما بينها تحت ذريعة الكافر والمرتد.

فتم صناعة فوضى في الميدان السوري ساعدت النظام من ترتيب أوراقه، وإعادة فرض نفسه. رغم أنّ تنظيم الدولة واقعه تنظيم، ولم يكن لساعة واحدة دولة! فالقضية ليست السيطرة على بقعة جغرافية بقدر ما هو السيطرة على السلطان (القوة).

فأصبح الإخفاق في سوريا واقعًا، وكان من الممكن أن لا يتم لولا تدخل إيران وحزبها في لبنان، ومن ثم التحرك السياسي الخياني لكل من السعودية وقطر وتركيا والأردن؛ لمحاولة استقطاب قادة الفصائل عن طريق المال السياسي الذي جيّرها لمصالح النظام البعثي، والجلوس على طاولة المفاوضات في جنيف والرياض والآستانة (على لسان حمد بن جاسم وزير الخارجية القطري السابق).

إخماد روح الثورة

Embed from Getty Images

وهذا أدّى للأسف إلى إخماد جذوة النفس الثوري والجهادي عند الفصائل والتسليم “للدولارات” فتمت السيطرة على حلب عن طريق تدخل تركي بأمر أمريكي وقصف روسي، ثم إيقاف الجنوب السوري عن طريق غُرفة “الموك”.

تلك المتواجدة في مدينة (الرّمثا) في الأردن؛ والتي كان يديرها جمع من المخابرات الأمريكية والأردنية والبريطانية والسعودية والصهيونية بحسب تقرير صحفي صهيوني، وعليه فإن طول مدّتها يعبّر عن ثقل المشروع الذي تبنته فهذا صراع الحق والباطل.

خاتمة

Embed from Getty Images

وبالنهاية أقول: نعم إنّها الثورة الكاشفة؛ التي فضحت وكشفت الغرب بوحشيته وإجرامه، والأنظمة العربية العميلة للمستعمر الغربي، وكشفت النظام الإيراني المتاجر بالدين، بالإضافة للنظام التركي صاحب الحنجريات الفارغة؛ والذي كان خنجرًا مسمومًا في ظهر الثورة السورية.

إنّ الامتحان السوري قد يمضي، ولكن بما أنه مضى فإن من تصدر المشهد فيه قد حرمهُ الله من قيادة الأُمّة، بل والبشرية جمعاء، فجعله نذل عميل لقوى الكُفر الغربي لا يقوى على تحريك طلقة في صدر أعداء الأمة.

وبالتالي فإنّ هذا الإخفاق أتى لفضح من راهنت عليه الأمة حتى تتميّز الصفوف والخبيث من الطيب، وإلى امتحان آخر عنوانه: الثبات على المبدأ؛ لقيادة البشرية بالإسلام، عن طريق ثُلّة مؤمنة مبدئية شعارها الوحيد:”الاعتصام بحبل الله وحده”، وما ذلك على الله بعزيز.

448

الكاتب

محمود ممتاز

مهندس ومفكر سياسي

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.