ما لا تعرفه عن الشعب الأمريكي.. «شعب المديونين والفقراء»!

يظن الكثير أنّ غالبية شعب الولايات المتّحدة شعب “مرفّه” يغرق بالدولارات وسيارات بي إم دبليو، يحصلون على أي شيءٍ يريدونه ولا يعانون من أي مشاكل أو أزمات مالية اللهم إلّا ما ندر. وكيف لا والاقتصاد الأمريكي هو الأكبر من حجمه في العالم؟ وكيف لا والرواتب السنوية هناك مرتفعة مقارنةً بالكثير من الدول المتقدمة؟ للأسف فإنّ هذا الاعتقاد الشائع عن الشعب الأمريكي خاطئ تمامًا، وكلمة السرّ هي «الربا».

وفقًا لآخر الإحصائيات من موقع usdebtclock.org فإنّ الدين العام الأمريكي قد تجاوز 19 تريليون دولار (19000 مليار دولار) وفي طريقه إلى الـ20. وهو أكبر من الناتج القومي لأمريكا نفسها، مما يعني أنّّه حتّى لو أنفقت أمريكا كلّ ناتجها القومي لعام كامل على سداد الدين العام فقط، لن يكفيها ذلك. هذا الأمر له انعكاسات كبيرة جدًا على الاقتصاد اﻷمريكي والمواطن الأمريكي وليس مجرد “مشكلة بسيطة” قد تعاني منها الحكومة.

لمحة عن المديونية العامّة اﻷمريكية

http://gty.im/482125064

دعونا نبدأ بلمحة بسيطة عن أوضاع الحكومة الأمريكية ونفقاتها على مرّ تاريخها.

تعتمد أيّ حكومة في تغطية نفقاتها على مصدرين رئيسيين: مصادر الإنتاج المملوكة للدولة والعقود والاتفاقيات وغيرها، والضرائب. إذا حصل وصارت نفقات الحكومة أكبر مما تربحه فحينها سيجب عليها أن تستدين سواء من صندوق النقد الدولي (كحال مصر) أو شركات أو دول أخرى لكي تغطّي عجزها. الحروب والأزمات الاقتصادية في الواقع جعلت الولايات المتحدة تقريبًا مديونة منذ أول أيّامها. هناك 6 محطّات رئيسية أوصلت الولايات المتحدة إلى ما هي عليه اليوم:

  • الحرب الأهلية الأمريكية والتي جعلت الدين العام يرتفع من 65 مليون إلى 2.76 مليار دولار في أقل من 6 سنوات (بين 1860-1866).
  • الحرب العالمية الأولى والتي جعلت الدين العام يساوي 25 مليار دولار حتى نهاية 1919.
  • الكساد العظيم في أمريكا (أزمة اقتصادية) جعلت الديون ترتفع إلى 40.44 مليار دولار في عام 1939.
  • الضربة الموجعة كانت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حيث بلغ الدين حوالي 241.86 مليار دولار عام 1946.
  • ولكن الضربة القاضية التي جعلت الدين يرتفع إلى مستويات قياسية هي السياسات الاقتصادية للرئيس الأمريكي ريغان في الثمانينات، جعلت الدين يصل إلى 3600 مليار دولار عام 1995. صحيحٌ أنّ سياسات ريغان أنعشت الاقتصاد الأمريكي وخفّضت معدلات البطالة بنسبة 1.7% وقللت الضرائب على المواطنين وخلقت ملايين الوظائف وعززت الاستثمار، إلّا أنّها رفعت الديون العامّة بشكل جنوني بسبب تخفيض الضرائب.
  • في النهاية وبسبب الأزمة الاقتصادية العالمية والتي حاولت اقتصاديات العالم تفاديها ومع ذلك فشلت، دخلت الاقتصاد في الكساد وبلغت الديون حتى عام 2012 حولي 11.47 مليار دولار:

مع ارتفاع الدين العام تلجئ الحكومة إلى رفع الضرائب على المواطنين لتغطية عجزها كما ترفع نسبة الفائدة على القروض. إليك المخطط الزمني لديون الولايات المتحدة وفق العام منذ 1790 وإلى 2011 ونسبته من الناتج القومي الأمريكي لنفس الأعوام، طبعًا بعد 2011 تخطت النسبة 100% مما يعني أنّه أصبح أكبر من الناتج القومي اﻷمريكي:

الدين العام للولايات المتحدة منذ 1790 وحتّى 2011 ونسبته إلى الناتج القومي الأمريكي.

لاحظ أنّ الديون كانت ترتفع دومًا بعد الحروب والأزمات الاقتصادية وهذا لأنّ الحكومة كانت دومًا ما تطبّق برامج مساعدة ودعم للشعب وخلق وظائف وإعادة تأهيل وغيرها. هذا فضلًا عن تغطية نفقاتها هي بنفسها. الجدول التالي يظهر لك الدين العام الأمريكي وفق الرؤوساء ويمكنك أن ترى ما حصل بعد حرب العراق:

كما ذُكر في تقريرٍ سابق عن الدولار الأمريكي، فإنّ الدولار – وحتّى عام 1973 – كان مغطىً بالذهب. هذا يعني أنّه كان بإمكانك استبدال الدولار الأمريكي الذي لديك بالذهب مباشرةً متى ما أردت ذلك، ولا يتم طباعة عملات جديدة إلّا في حال وجود كمّيات كافية من الذهب لدى البنك الفيدرالي. لسوء الحظّ وبسبب حرب فيتنام وطلب الرئيس الفرنسي شارل ديغول استبدال دولارات فرنسا بالذهب عام 1971، لم تعد الولايات المتحدة قادرةً على تغطية الدولار بالذهب لارتفاع نفقاتها ومطالبة الدول الأجنبية بتحويل الدولارات المدّخرة إلى ذهب، فأعلن الرئيس نيكسون عن إلغاء اتفاقية “بريتون وودز” وإلغاء تغطية الدولار بالذهب. ارتفعت الديون بشكل كبير جدًا من وقتها.

هكذا، وعامًا وراء عام ومع ازدياد نفقات الحكومة الأمريكية وحروبها يرتفع الدين العام شيئًا فشيئًا حتّى بلغ اليوم 19 تريليون دولار وفي طريقه ليصبح حوالي 20 تريليون دولار في العام المقبل. ليكون الدين الأكبر من نوعه في تاريخ البشرية.

انعكاسات الديون على الشعب الأمريكي

عندما يكون الدين العام كبيرًا فهذا سيؤدي إلى رفع نسب الفائدة على الخزانة المالية الأمريكية لإغراء المستثمرين بالاستثمار. بدورها تقوم الشركات والمؤسسات برفع نسبة الفوائد على الأفراد وبالتالي يصبحون مديونين بديون أكبر. ليس هذا فحسب بل إنّ هذا قد يقوّض معدلات النمو ويخفّض من قيمة الدولار مستقبلًا في حال عجزت الحكومة عن السداد حيث تلجئ إلى بيع سندات ونسبة من ممتلكات الحكومة إلى شركات أو دول أو مستثمرين آخرين.

الآن بما أن معدلات النمو قد تنخفض – أو في أسوء الأحوال تثبت – وبما أنّ الفوائد سترتفع فهذا يعني أنّ معدلات البطالة ستزداد وتنخفض فرص العمل المتوفّرة في السوق. كما يعني أيضًا زيادة الضرائب على الأفراد.

الجدول التالي يوضّح متوسط رواتب الأفراد في الولايات المتّحدة والنسبة المئوية لكل فئة:

الدين مشكلة حقيقية في أمريكا. هناك العشرات بل والمئات من الشركات المالية والبنوك المستعدة لإعطائك بطاقة ائتمانية وقروض عالية الفائدة لشراء كل ما ترغب به وفق نسبة ربا معيّنة (غالبًا تكون بين 4 و5% حسب الشركة أو البنك). مما يجعل الأفراد أيضًا مديونين، وليس فقط الحكومة.

تعلمون جميعًا أن التعليم في الولايات المتّحدة ليس مجانيًا. الطالب الأمريكي العادي المديون في أمريكا يدين بـ48 ألف دولار لفترة دراسة 4 سنوات. كما أنّ التأمين الصحي ليس مجانيًا هو الآخر وقد تصل تكاليفه إلى 5 آلاف دولار سنويًا للفرد الواحد. هذا بغضّ النظر عن قروض العقارات والتي قد تصل هي الأخرى إلى 170 ألف دولار. هذا يعني أنّه إن كان هناك عائلة أمريكية وكانت هذه العائلة “عليها ديون” من أي نوع، فسيكون متوسط هذا المبلغ هو 90 ألف دولار!

هذا يعني أنّه إن كان في جيبك دولار واحد فقط، دولار واحد فقط وليس عليك أي ديون وفوقك سقف يؤيك وتحت وسادة ناعمة وحولك أسرة لطيفة وكهرباء وإنترنت وماء. فأنت فعليًا أغنى من 80% من الشعب الأمريكي! إليك نسبة الديون وفق أنواعها في أمريكا وفقًا لبلومبيرغ:

هذا ومتوسط الديون للفرد الواحد هو 11400 دولار أمريكي غير شاملة للإيجار والعقارات. هذه المبالغ مبالغ ضخمة جدًا تعتبر فعليًا تكاليف معيشة للكثير من البلدان حول العالم سنويًا. وتذكّر: نحن هنا نتحدث عن الديون فقط. هذا هو تاريخ الديون للأفراد الأمريكيين مجتمعين في فترة 60 عامًا:

هناك حوالي 42 مليون مواطن أمريكي يعيش تحت خط الفقر. 50 مليون إنسان متقاعد لا يعمل. و31 مليون إنسان يعيش دون تأمين صحّي. منذ عام 2003، ارتفعت أسعار الدواء والتأمينات الصحّية بنسبة 53% فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 30%.

من المشاكل الكبيرة لدى المواطن الأمريكي هو الاستهلاك، صحيحٌ أن الناس قد لا يرغبون بالعيش ضمن حدود إمكانياتهم فقط، ولكن المواطن الأمريكي مستعد لشراء الكثير من الأشياء التي قد لا يحتاج لها حقًا ويضيفها على كاهل الديون والفوائد. هذه الأسباب كلّها تثقل حرّيته المالية وتجعله يدفع حوالي 10% من راتبه السنوي فقط كنسبة فائدة سنوية، أي أنّ 10% من راتبه يذهب بلا فائدة. إليك نسبة الديون المتعلقة بالبطاقات الائتمانية مقسّمةً حسب الدخل:

الإحصائيات المهوّلة لا تتوقف هنا. فبالنسبة للبطاقات الائتمانية وفي حال كان لديك فقط 2000$ دين في البطاقة مع نسبة فائدة 9% وفي حال فقط التزمت بالحدّ الأدنى للدفع وهو 2% كل شهر، فستحتاج 16 سنة لكي تقوم بدفع المبلغ كاملًا! لهذا لا يوصي أحد بالالتزام بدفع الحد الأدنى، فسيأخذ من المواطن العادي وقتًا طويلًا جدًا لسداده، وهذا لمبلغ صغير كألفي دولار، فكيف بالمبالغ السابقة؟

بالنسبة للديون الإجمالية، فوفق الإحصائيات أيضًا (المذكورة بالمصادر) فإنّ الطالب الأمريكي العادي الذي اقترض مبلغ 35 ألف دولار لإكمال دراسته الجامعية عام 2015، لن يكون قادرًا على التقاعد إلى أن يبلغ من العمر 75 عامًا. طبعًا هو سيكون قادرًا على وفاء ديونه قبل ذلك العمر، ولكن للتقاعد، تحتاج إدّخار مبلغ صغير على الأقل لتعيش عليه، وهو ما لن يتوفر لهؤلاء الطلّاب حتى عامهم الـ75، أيّ أنّهم غالبًا سيعملون لبقية حياتهم.

أمّا قروض التعليم – والتي تبلغ كمتوسط حوالي 30-40 ألف دولار للطالب الواحد وتشمل 70% منهم – فسيستغرق الواحد منهم حوالي 10 سنين لدفعها جميعًا. ولكن المتوسط العام للمواطن الأمريكي ليكون حرًا تمامًا من أي ديون فهو في الـ53 من عمره.

نسبة ديون الأسرة الأمريكية العادية إلى دخلها هو 370%، هذا المعدل هو تقريبًا ضعف المعدل في اليونان – والتي تعاني من أزمات مالية واقتصادية حادّة – والذي يبلغ 177%. هذا يعني أنّ الدين تحوّل فعليًا إلى “نمط حياة” للكثير من المواطنين الأمريكيين اليوم. ولكن عاقبة ذلك أن يبقى المرء يوفّي ديونًا إلى بقية حياته.

تشريع الإسلام: لا ربا

يمكنك أن تلاحظ أنّ كل هذه الأرقام السابقة قادمة من مصدر وحيد أساسي: الربا.

جاء الإسلام بحل بسيط للغاية منذ نشوئه لمشكلة الديون: لا ربا ولا فوائد. كما تأخذ المبلغ، كما تدفعه. اذهب إلى الشوارع الأمريكية واسألهم عن رأيهم في إعطائهم القروض دون أي نسبة فائدة (0%). وأخبرنا بردة فعلهم. لهذا أذن الله بحربٍ من الله ورسوله عليها:

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)  إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) – البقرة.

طبعًا لسنا في موقف برهان اقتصادي للآيات، فشرع ربّ العالمين لا يحتاج أن يُرى عليه دليل مادّي لكي يُصدّق. كيف وقد نزل من السماء..؟ ولكننا في موقف السخرية من عناد بشري لا يقبل أن يستمع إلى صوت الحقّ إلّا عندما يرى النتيجة. وفي موقف رؤية نتائج الباطل والمتابعة عليه.

محمد هاني صباغ

شاب مسلم، مؤسس عدد من المبادرات العربية والعالمية عن البرمجيات الحرّة والمفتوحة. مبرمج ومدوّن. كاتب… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى