لكي نصف تلك القيود التي تسيطر على حياتنا وتُدعى المنظومة فنحن بحاجه إلى كتاب وليس فقط موضوع، ولكننا سنوضح بمثال بسيط ما هي المنظومة وكيف تتحكم فينا. [1]

ما هي المنظومة؟

العمل خارج المنظومة

تصور جماعة من الناس محبوسين ومقيدين داخل كهف مظلم منذ نعومة أظفارهم، بحيث إنهم لم يروا الشمس ونورها قط، ولا يستطيعون الالتفات إلى ما حولهم، وتم وضع شاشة أمامهم ينعكس عليها ظلالًا لدمى يحركها سجَّانيهم، ولما كانوا لا يستطيعون الحراك أو الالتفات؛ توهموا أن الظلال التي يرونها على الشاشة هي الحقائق والأصوات الموجودة خارج الكهف هي أصوات حركة تلك الدمى، وأن ذلك الكهف الذي لا يدركون تفاصيله هو واقعهم وعالمهم الكبير.

فكيف إذا تمكَّنا من إخراج شخص من ذلك الكهف واستطعنا بالتدريج أن نريه العالم الخارجي وأن نثبت له أن حياته داخل الكهف كانت أوهام فرضتها عليه المنظومة، فإذا عاد هذا الشخص لأصدقائه المقيدين داخل الكهف وحاول أن يشرح لهم أن تلك الحياة هي وهم كبير فُرِض عليهم لإخفاء الحقيقة؟ بالطبع سيسخرون منه، كما أنهم سيسخرون من تلاشي قدرته على تحمل ذلك الوهم وعدم رؤيته للأشباح والظلال كما يرونها هم، ظنًا منهم أن تلك الحياة التي خرج إليها قد أفسدت عقلة وأفقدته قدراته.

هذه ببساطة هي حياتنا داخل ذلك السجن الكبير المسمى المنظومة، وهذه هي ردود أفعال المسجونين داخلها تجاه أي شخص يحاول التغيير أو الخروج عليها

https://www.youtube.com/watch?v=MKKQOsk_Kcg

لماذا نحن بحاجة للخروج على المنظومة؟

نحن لم نُخلق ونُرزق تلك القدرات حتى يتم توقيفها وتعطيلها، أو لتكون قدراتنا تلك وما تنتجه هي حق مكتسب للمسيطرين على المنظومة؛ ينهبون منه ما يشاؤون ويتركون لنا الفتات، حتى ذلك الفتات الذي يتركونه والذي لا يكفي لسد الرمق ما هو إلا محاولة منهم لإبقائنا على قيد الحياة؛ حتى تستمر مكاسبهم التي يجنونها من خلال عملنا لصالحهم وتحت أمرتهم.

فلا يعقل أن تكون حياتنا تلك هي الوضع الطبيعي للحياة، ولا أن تكون مقدراتنا تحت إمرة أعدائنا، ولا ذلك التسلط الذي وصل لوأد الأفكار هو الحق الذي يجب أن نحيا من أجله، ولا ذلك المسخ الذي يتحدث به علماء السلاطين هو الدين والمنهج الذي ارتضاه لنا ربنا.

من أجل هذا كان خروجنا على تلك البدائل وقوانينها التي ما سُطِّرت إلا لتسلبنا حقنا في الحياة، هو أمر حتمي وليس رفاهيةً أو خيارًا، بل هو الحد الأدنى الذي يجب أن نسعى إليه لاستعادة منظومتنا الأصلية التي لم تُلوث بمصالح البشر.

ويبقى السؤال كيف نستطيع الخروج على تلك المنظومة؟

ماذا يعني العمل خارج المنظومة الاقتصادية؟

العمل خارج المنظومة السياسية

  • النظام الاقتصادي في المنظومة:
    لن نتحدث عن الشكل الخارجي للمنظومة الاقتصادية، بل سنتحدث عن القيم الاقتصادية للمنظومة وهي: استهداف كافة الموارد الطبيعية وبخاصة النفط، والتي تستوجب أن تحرك المنظومة جيوشها من أجلها، فتجفف منابع رأس المال لكل المناطق التي تسيطر عليها، ومن ثمَّ تفرض وصايتها على تلك المناطق مُدعين مساعدتها على استرداد عافيتها الاقتصادية فيرتكز كل رأس المال والموارد بأيدي بعض الشركات والأفراد، في حين تعاني باقي الشعوب من الجوع والفقر.

 

  • الإكوادور نموذجًا للخروج على المنظومة: [2]
  • كما ذكرنا فالمنظومة الاقتصادية تقوم بالأساس على الموارد الطبيعية وبخاصة النفط، وفي الإكوادور حاول خايمي رولدوس أن يتحرك في اتجاه رفع الهيمنة الاقتصادية عن بلاده، فكانت تلك هي خطواته: 1الاهتمام بالفقراء وليس بالمكتسبات الخارجية، والصدام مع الوضع القائم والخروج عليه وعدم مهادنته، وفضح العملاء واتخاذ خطوات حازمة معهم: حيث أمر رولدوس بطرد SIL من بلاده متهما إياها بالتآمر مع شركات البترول، كما ألقى خطابًا حذَّر فيه أصحاب المصالح الأجانب إن لم يضعوا خططًا لمساعدة شعب الإكوادور فسيرغمون على مغادرة بلاده.2- التحركات والتشريعات اللازمة لرفع سيطرة المنظومة الاقتصادية والشركات متعددة الجنسيات: قدمت حكومة رولدوس قانون الهيدروكربون لتنظيم بيع واستخراج المواد البترولية، والذي إذا نُفِّذ سيعمل على إجبار تلك الشركات على خدمة الشعب، وليس نهب مقدراته.3- سعة الأفق وفهم المنظومة التي تحيط بك: ففي خطاب تولي خايمي للرئاسة قال: “علينا أن نراجع أنفسنا للحفاظ على مصادر أمتنا من الطاقة. وعلى الدولة أن تحافظ على تنوع الاستثمارات في صادراتها وألا تفقد استقلالها الاقتصادي، إن قراراتنا ستنبع فقط من المصلحة القومية والدفاع بلا حدود عن استقلالنا وحقنا في تقرير المصير
  • سلامة الاقتصاد تتوقف على عامل أساسي هو الأمن والقوة التي تحميه، وعند تقصير الإكوادور في هذا الجانب تم اغتيال قائدها ووأد تجربتها التي كانت على المسار الصحيح، واحتواء تلك الثورة في الخروج على المنظومة.

ماذا يعني العمل خارج المنظومة الاجتماعية والثقافية؟

العمل خارج المنظومة الاجتماعية

  • النظام الاجتماعي والثقافي في المنظومة:
    تتفق جميع النظم من حيث نشأتها في وجود نظام اجتماعي وثقافي تقوم على أساسه المبادئ والأيديولوجيات التي يجتمع عليها أفراد المنظومة، ويكمن الاختلاف بين منظومة وأخرى في تلك القيم التي يقوم عليها النظام، فلو نظرت للقيم الأساسية التي قامت عليها المنظومة الحديثة، ستجد أنها اعتمدت بالأساس على الجانب العلمي والمادي كما أنها منظومة طبقية غير عادلة قائمة على الهيمنة وليس مجرد البقاء والتقدم؛ حيث ترى أحقيتها في السيطرة على مصائر البشر.

 

  • العهد المكي نموذجًا للعمل خارج المنظومة:يهدف النظام الاجتماعي في الإسلام إلى حفظ الضرورات الخمس: (الدين، والنفس، والعرض والنسل، والمال، والعقل) وكذلك سنجد أن المنظومة الجاهلية كانت تهدف للحفاظ على نفس الضرورات. إذًا ما الفرق ولماذا قرَّر الإسلام أن يكون له منظومته الخاصة؟

الإجابة ببساطة أن المنظومة الاجتماعية في الإسلام لم تُبنى على سلوكيات ولكنها قائمة على عقائد وقيم، فالمجتمع الجاهلي كان يحافظ على النفس والعرض حمية وشرفًا للقبيلة، وهو الأمر الذي يرفضه الإسلام حيث قام بتوجيه تلك السلوكيات الحميدة وجعلها واجب شرعي تستحق الشهادة في سبيلها.

ولذلك فالعمل خارج المنظومة الاجتماعية لا يعني الخروج على السلوكيات، ولكن يُقصد به هدم القيم النابعة عنها تلك السلوكيات، وإرساء قيم جديدة مقياسها هو المنهج والشرع.

ماذا يعني العمل خارج المنظومة الإعلامية؟

المنظومة الإعلامية

  • النظام الإعلامي في المنظومة:
    تُمارس وسائل الإعلام دورًا رئيسًا في تشكيل الوعي الاجتماعي لأفراد المنظومة، كما تمتلك القدرة على التأثير المتسارع وغير المباشر في التكوين الفكري والثقافي للجمهور، كما تضمن وسائل الإعلام سيطرة المنظومة على الوعي؛ بحيث يُصبح وعيًا موجهًا أو زائفًا تبعًا لرغبة المنظومة، وبالطبع تحمل وسائل الإعلام مسؤولية الدعاية للمنظومة وقيمها ” التطبيل“.

 

  • ثورة 25 يناير نموذجًا للخروج على المنظومة الإعلامية:
    لعلك تتذكر جيدًا ثورة 25 يناير وكيف شكلت إعلامًا بديلًا للخروج من هيمنة وتدليس إعلام النظام، وكيف أنشأت عالمًا افتراضيًا جديدًا مكَّن الجمهور من الخروج على المنظومة الإعلامية، والتحرر من سطوة النظام، ونشر الوعي اللازم لتحويل ما هو مُتداول داخل ذلك العالم الافتراضي إلى واقعٍ ملموس.

ومن هنا: فإن الحكم على إعلامٍ بأنه خرج على المنظومة لا بد أن يكون مقترنًا بقدرة ذلك الإعلام على تحويل عالمه الافتراضي إلى واقع ملموس وقدرته على تجاوز قيود المنظومة.

ماذا يعني العمل خارج المنظومة السياسية؟

العمل خارج المنظومة السياسية

  • النظام السياسي في المنظومة:
    إذا أردنا أن نصف شخصًا يستطيع كسب الجميع في صفه؛ فإننا نطلق عليه لفظ “سياسي“، كذلك هو النظام السياسي والذي لا يرتبط فقط بشكل الحكم أو طريقة إسناده للحكام، بل هو الشكل الخارجي للمنظومة، والعلاقة التي تحدد طبيعة التعامل داخل المنظومة، بالإضافة إلى قدرة المنظومة على كسب الأفراد في صفها.
  • العهد المدني نموذجًا للعمل خارج المنظومة:
    انتقل المسلمون إلى المدينة وهم لا يملكون مقومات بناء الدولة، ورغم ذلك رفض المسلمون الخضوع للنظام السياسي القائم في المدينة، وشرعوا في بناء نظامهم السياسي المنبثق من عقيدتهم وقيمهم.وهنا يجب التفريق بين أشكال النشاط السياسي كتكتيك وكعقيدة: فالدولة الإسلامية الناشئة على أرض المدنية لم تكن في حالة مواجهة مباشرة مع منظومة أهل يثرب، لذلك اكتفت بعمل مواثيق ومعاهدات تضمن حقوقها بما لا يخالف عقيدتها، فقد كانت تلك المعاهدات تكتيك وليست عقيدة وهدف في حد ذاتها، واتضح ذلك الأمر عندما خالف يهود بني قينقاع تلك المواثيق.

وبهذا فإن عملك خارج المنظومة السياسية لا بد أن يخضع لعقيدتك وقيمك، وتُحدَّد التكتيكات اللازمة له تبعًا لـ: طبيعة القضية، والهدف منها، والسياق الاجتماعي والسياسي، وضمان هذا كله: قدرتك على التصعيد.

كيف نخرج على أي منظومة؟

العمل خارج المنظومة

يتميز العمل خارج المنظومات بالالتزام ببعض القواعد العامة، والإبداع في اختيار التفاصيل تبعًا للسياق، وحسب رؤيتنا سنذكر تلك القواعد ونترك لإبداعك حرية اختيار التفاصيل:

  • تجهيز البديل: يميل البشر إلى الاستقرار ويحتاجون دائمًا إلى نظام يحكم حياتهم، لذلك لا يمكن إخراجهم من منظومة إلا وهناك بديلًا واضحًا لها.
  • هدم الواقع القديم وقيمه: لا يمكن تبني المنهج الإصلاحي السلوكي مع تلك المنظومات التي تستند إلى قيم تخالف أصل منهجنا، وإلا سيكون تحركنا مجرد دوران داخل نفس المنظومة الفاسدة.
  • بناء الواقع الجديد: بعد تجهيز التصور الاعتقادي المتمثل في البديل، والتحرر من قيم المنظومة؛ يجب أن يُترجم ذلك التصور إلى حالة من البناء والتنفيذ على أرض الواقع.

تبدو المواجهة الحقيقة في ظاهرها أمرًا مخيفًا، قد يدفع البعض إلى العودة وترك مسار التغيير، وتفضيل ظلام الكهف وأوهامه على رؤية النور، ولكن سمو الأهداف ووضوح الغايات؛ سيجعلنا قادرين على المواصلة مهما كانت الصعوبات.

المصادر

[1] المثال من كتاب الحوارات الكاملة المجلد الأول “الجمهورية” لأفلاطون 514، وهو مشهور بأسطورة الكهف أو مثال الكهف.

[2] الاغتيال الاقتصادي للأمم جون بركنز.

1677

الكاتب

دينا راغب

مهندسة حاسبات ونظم تحكم، كاتبة لمقالات رأي، ومحررة للأخبار، أهتم بقضايا المسلمين والمستضعفين، وأهوى القراءة والتدوين. ببساطة: أحلم خارج المسارات.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.