بعد خمس سنوات من القطيعة وافقت إسرائيل وتركيا على إعادة المياه لمجاريها بعد الاتفاق على وثيقة تفاهم تشمل أغلبية نقاط الخلاف وفقا لمصادر إسرائيلية، وسط تساؤلات عن مصير حصار غزة الذي كانت أنقره تشترط إنهاءه. وبموجب وثيقة التفاهم، التي لم يتم الإعلان عنها بشكل رسمي فإن إسرائيل ستعوض ذوي ضحايا العدوان على سفينة مرمرة التركية بعشرين مليون دولار، وبالمقابل تحظر أنقرة نشاط الذراع العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في أراضيها.

فما الذي يحدث بالضبط ؟

لنبدأ من أردوغان:

الجميع يعرف أن رجب طيب أردوغان كان مثيرًا بالفعل، الإنجازات الضخمة التي حققتها حكوماتها المتعاقبة خلال أقل من 15 سنة لم تحققها حكومات متعاقبة ربما لأكثر من قرن، انحياز الرجل كذلك إلى قضايا مصيرية كرفضه الانقلاب في مصر ورفضه دعم الأسد برغم خسارته الكبيرة أمنيًا واقتصاديًا من ذلك  وبعدها خسارته الأخيرة لحليف قوي مثل روسيا، وتسييره قافلة كسر للحصار “مافي مرمرة ” في 2010، ومن ثم قطع العلاقات مع إسرائيل إثر الهجوم على مواطنيه في عرض البحر، جعل الشعوب بشكل عام تنظر للرجل أنه ربما يكون الأمل، بيد أنه وخلال هذه الأيام خرج حديث جديد وغريب على أولئك الذين يعدونه الخليفة المنتظر.

قال أردوغان: إسرائيل واقع ويجب أن نتعامل معه، والعلاقة معها مكسب لكلانا.

بيد أن خلفية الرجل الإسلامية واتجاهه في كثير من الأمور لتغيير الكثير من مظاهر الدولة العلمانية مثل السماح بالحجاب، جعلت العلاقة التي تجمع بينه وبين إسرائيل لافتة للنظر.

متى طُبِّعت العلاقة التركية الإسرائيلية

العلاقة بين الطرفين قديمة تمامًا منذ تأسيس إسرائيل حيث تم مباشرة الاعتراف بها من قبل ما كان قبل ذلك بسنين قليلة عاصمة الخلافة لإمبراطورية هائلة، والقصة بدأت عندما صوتت تركيا ضد قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة في عام 1947، وانتظرت عاماً ونصف لكي تعترف بالدولة العبرية، وتتبادل التمثيل الديبلوماسي معها دون درجة سفير في مارس/ آذار 1949، ولتكون الدولة الإسلامية الثانية التي تفعل ذلك، بعد إيران التي سبقتها بعام. بعد ذلك، اضطرت تركيا القديمة إلى تخفيض مستوى العلاقات مع الدولة العبرية إثر العدوان الثلاثي ضد مصر في نوفمبر/تشرين الثاني 1956.

وعملت إسرائيل على الاستفادة من العلاقات الجديدة مع هذا البلد، واستغلت إسرائيل ذلك الوضع لتغدو المورد الأساسي لعمليات التسليح في تركيا، ليصل حجم ما تستورده أنقرة من السلاح سنوياً مليار دولار سنوياً و تحولت أجواء تركيا ومياهها الإقليمية إلى ساحات تدريب لسلاحي الجو والبحرية الإسرائيلية.

وقد وصل الأمر إلى حد إن تركيا كانت على استعداد لبيع المياه لإسرائيل ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد بل وصل التعاون في شتى المجالات الدبلوماسية والاستراتيجية والعديد من الاتفاق وفي وجهات النظر في الكثير من القضايا. وتطورت الأمور بشكل متصاعد بدرجة كبيرة حتى يناير من العام 2000 حيث وقع وقع بشكل رسمي اتفاقية التجارة الحرة بين إسرائيل وتركيا وباتت العلاقة فوق كل التوقعات.

دخول أردوغان على الساحة

يعد أردوغان من أصحاب المذهب البراغماتي في العلاقات بين الدول ولعل وجهة نظره حول العلاقة مع إسرائيل من ضمن الأسباب الرئيسية لانشقاقه عن مدرسه الأول نجم الدين أربكان، حيث حرص على استمرارية العلاقة بين البلدين، بل زار القتلى الإسرائيليون الذين قضوا في الحرب العالمية الثانية، حيث قام بزيارة إلى مؤسسة ” الكارثة والبطولة ” التي تخلد هذه الذكرى؛ واستمر على نهج أسلافه في التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني على أعلى المستويات.

أردوغان: انتقادي لإسرائيل ليس في إطار ديني أو عرقي بل هو إنساني وكوننا دولة فاعلة في المنطقة.

بيد أن أردوغان كان دائم الانتقاد لإسرائيل، ولسياساتها ضد الفلسطينيين وحملاتها العسكرية عليهم إلا أن ذلك، كانت تعده إسرائيل والنخبة الحاكمة في تل أبيب ليس أكثر من الحملات الدعائية لكسب مزيد من التأييد الشعبي والفلسطيني وكذلك نوع من اختراق الجذور مع جبهات جديدة كحركة حماس الصاعدة. برغم أن أردوغان بدأ في توجيه اللوم لإسرائيل تحديدًا في 2004 حين واصلت إسرائيل عمليات القتل بحق الفلسطينيين:

  • انتقاد إسرائيل في العام 2004 لعمليات القتل الممنهجة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في كل من الضفة والقطاع.
  • في عام 2006 في مؤتمر دافوس الاقتصادي، وجه أردوغان انتقادات لاذعة لرئيس إسرائيل في ذلك الوقت شيمون بيرس وانتقده على الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة.
  • في العام 2008 تدهورت العلاقات كثيرًا عقب الحرب التي شنتها إسرائيل على الأراضي الفلسطينية وسمي ” الرصاص المصبوب” والتي راح ضحيتها خلال ذلك الوقت نحو 1500 شهيد.
  • في العام 2010 تأزمت العلاقات الثنائية بعد اعتداء إسرائيل على أسطول الحرية لكسر الحصار على غزة وقتل عشرة مواطنين أتراك على متن السفينة مرمرة، وأدت الأزمة في حينه لطرد السفير الإسرائيلي من تركيا في 2011.

ماذا حدث بعد مجزرة مرمرة؟

أردوغان يعلم تمامًا أن استقرار بلاده مرهون باستقرار علاقاته مع إسرائيل فاستخدم سياسة المد والجذر من ومن ناحية أخرى عمل على تعزيز علاقاته مع الاتحاد الأوروبي وبدأ مفاوضات للانضمام، وبقيت العلاقات منقطعة سياسيًا بيد أن الاتفاقيات التجارية بين البلدين سواء بشكلها الرسمي أو الشعبي التجاري كان مستمرًا ولم يحدث أية تغيير يذكر غير شدة في التصريحات الإعلامية وانتقادات متبادلة على وسائل الإعلام.

وبقي الموقف كذلك حتى انقطعت العلاقات الرسمية السياسية تمامًا بعد مجزرة مرمرة ومن 2010 وحتى أواخر العام الجاري 2015 ، حيث خاضت تركيا وإسرائيل مفاوضات حثيثة بين البلدين لعودة العلاقات غير أن أنقرة كانت ترفع عدة شروط ، قبلت إسرائيل في بعضها ورفضت البعض الأخر ومنها مثلا التعويض المالي والاعتذار العلني الرسمي وهذا ما قبلت به إسرائيل فيما رفضت رفع الحصار عن غزة بالكامل وإدخال بعض المشاريع الكبيرة مثل زيادة خطوط الطاقة لصالح القطاع.

ولكن وتحديدا في 13/12/2015 دعا أردوغان إلى تطبيع العلاقات بين البلدين؛ وجاء في تصريحه: “الشرق الأوسط سيستفيد كثيرا من تحسين العلاقات بين تركيا وإسرائيل، وبالفعل يوم الخميس 17 ديسمبر من العام 2015 توج اتفاقا بين الجانبين غير شروط تركيا البتة وربما لصالح ميزان إسرائيل أكثر وفق بنود منها؛ عودة السفراء وإلغاء الدعاوى المرفوعة ضد الجنود الإسرائيليين وإنشاء صندوق خاص من قبل الاحتلال لتعويض المصابين في حادثة “أسطول مرمرة” و عدم السماح للقيادي من حركة “حماس” صالح العاروري بدخول تركيا وإجراء مفاوضات فورية بين إسرائيل وتركيا حول بيع الغاز.

لماذا إذن تريد تركيا إصلاح العلاقات مع إسرائيل ؟

الحقيقة هنا أن كلا الطرفين يريد ذلك، وليس إسرائيل فحسب أو تركيا فقط، كلا الطرفين يعتقد أن المكاسب في استمرار العلاقات أفضل بكثير من فتورها.

ولنبدأ بتحليل الموقف التركي من ذلك :

  • فشل الربيع العربي في تحقيق أهدافه تمامًا وانهيار الأنظمة التي من المفترض أن تشكل قوى حليفة لتركيا خاصة في مصر وبعدها تونس ثم اليمن وليس نهاية في سورية وصعود ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية واستخدامه الحدود السورية التركية نقاط ارتكاز وتدفق لمقاتليه؛ واتخاذ أنقرة موقف معادي من نظام الأسد وكذلك تنظيم الدولة على حدٍ سواء.
  • تدخل معظم الدول الغربية في المشهد السوري والهدف المعلن هو قتال داعش هناك ، بيد أن الحقيقة التي يعلمها النظام التركي الحاكم يقينًا هي استمرارية الوضع هناك فلا صعود لتنظيم الدولة ولا انهيار تام لنظام الأسد والهدف هو حماية إسرائيل.
  • انتهاء نظرية رئيس الوزراء التركي الحالي أحمد داود أوغلو وهي ” صفر مشاكل ” حيث أضحت من الماضي، إذ أن الصورة معقدة تمامًا والعلاقات متدهورة بين إيران وسوريا ولبنان ومصر والكثير من الريبة مع النظام السعودي.

الموقف الإسرائيلي من استمرار العلاقات

  • وجود تركيا القوى في سوريا والذي تعده إسرائيل تهديدا استراتيجيا وفرصة ممتازة في حال تم استغلاها لاستمرار الوضع أكثر مما هو عليه.
  • تركيا تعد الأكثر قربًا هذه الأيام من حركة حماس  أحد خصوم إسرائيل ولربما تسمع منها وتطيع.
  • بوابة اقتصادية كبيرة سواء في الاستيراد أو التصدير.
  • دخول روسيا حليف إسرائيل على المشهد السوري وتوتر العلاقة مع أنقرة في هذا الصدد.

كل هذه الأسباب، جعل من الطرفين إسرائيل و تركيا تخشى أن  ترفع شعار : إن خسرت عليك أن تغير من قواعدك وهذا ما حدث بالفعل.

ويبقى السؤال : هل يعني رفع إسرائيل الحصار عن قطاع غزة، أو تخفيفه جدياً أو العلاقات التاريخية الموصومة بالعار، يمكن أن تكون بوابة لقبول تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني؟

المصادر :

1 . و  2 و3  و 4 و 5 و 6  و 7 و 8 و 9  

618

الكاتب

نور أنور الدلو

صحفي في اذاعة صوت الأقصى غزة ، ومحقق في مجلة السعادة سابقا، وحاصل على الماجستير في الاعلام بالجامعة الإسلامية - غزة "فلسطين".

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.