
صناعة الترند والتضليل الإعلامي، كيف يُصنع الوهم ويُباع لنا؟
كان الفضاء الإلكتروني وعدًا بفجرٍ جديد، حيث تطير الكلمات حرّة كالطير في سماء بلا قيود. لكن ما لبثت تلك السماء أن تلبّدت بغيوم خفية، وتحوّلت الساحات إلى مسارح للدُّمى، تتلاعب بخيوطها أيادٍ تحتجبُ عن الأنظار، وتفرضُ على الواقع نبضَه ذبذباتٌ مبرمجةٌ خاويةٌ من الروح.
تلك الوُسوم التي تتصدّر القمم كالأعلام الخفّاقة، وذلك الترند الذي يُزعم أنه صوت الجماهير، ليسا إلا صدى مُصطنعاً يتردد في كهوف مُحكمة الإغلاق. إنها فقاعات من زبد يُنفخ فيها بأمر من سادة الظل، أولئك الذين يمتلكون مفاتيح البوابات الرقمية، فيفتحونها لمن يشاؤون، ويُوصدونها في وجه من تأبى أصواتهم الخضوع لإملاءاتهم.
“لم يعد “الانتشار” معياراً للحقيقة، بل شاهداً على البراعة في “هندسة الوهم”. في قلب هذه الشبكة العنكبوتية، تقبع ماكينات صماء (Social Bots) لا تعرف الكلل، تضخُّ الأكاذيب في شرايين الواقع الافتراضي حتى تتخثر وتصبح حقائق صلبة في أذهان الغافلين. إن ما نراه من إجماع ظاهري ليس سوى “تضخيم مصطنع” (Artificial Amplification)؛ أصواتٌ تتكاثر بالانشطار الرقمي، لِتُوهم العابر أن الكثرة تغلب الحق، وأن الصخب هو صوت المنطق. لقد أصبحت الحقيقة غريبةً في عقر دارها، تُحاصرها خوارزميات صُممت لا لتنشر المعرفة، بل لتقتات على انفعالاتنا، وتُعظّم كل ما هو مثير للجدل، ومُغرق في الكراهية.”
ومن رحمِ هذا الضجيج المفتعل، تتكشف لنا الحقيقة المُرَّة؛ فالأمر لم يعد مجرد فوضى عشوائية أو “ثرثرة” عابرة، بل تحول إلى منظومة متكاملة يمكن أن نطلق عليها بدقة: “صناعة الترند والتضليل الإعلامي”. إنها صناعةٌ ثقيلة، لها مهندسون يخططون، وجيوشٌ إلكترونية تنفذ، وخوارزمياتٌ تُدار كرحىً لطحن الوعي. في هذا المقال، سنغادر مربع صدمة المشهد لندخل إلى غرفة العمليات، ونفكك آليات هذه “الصناعة” التي حولت الكذب من خطيئة عابرة إلى استراتيجية ممنهجة، ونفهم كيف يُصنع الوهم ويُباع لنا على أنه الحقيقة المطلقة.
-الترند في سياق الإعلام والاتصال هو: نمط متكرر من التغيّر أو الاهتمام الجماهيري في فترة زمنية محدودة، يظهر في صورة موضوع أو وَسْم أو محتوى يلقى تفاعلاً مرتفعاً بشكل غير اعتيادي.
-وفي شبكات التواصل هو: هاشتاغ أو فكرة أو مقطع ينتشر بسرعة، ويُمنح أولوية في الظهور لأنه يحصد عدداً كبيراً من المشاهدات والتفاعلات خلال وقت قصير.
الخصائص الأساسية للترند (الاتجاه السائد):
- المدة (التأثير طويل المدى): تستمر الترندات لفترات طويلة، غالباً ما تمتد لسنوات أو عقود، وذلك على عكس “التقليعات” أو الهبّات العابرة (Fads) قصيرة العمر.
- القبول (المقبولية): تكتسب الترندات قبولاً واسع النطاق عبر مختلف الصناعات والثقافات والفئات المجتمعية.
- الجذور الثقافية: غالباً ما تكون الترندات متجذرة ونابعة من تقاليد المجتمع، ومعتقداته، وقيمه.
- تعدد الجوانب (المرونة): تتسم الترندات بالقدرة على التكيف مع المتغيرات، مما يسمح لها بالبقاء ملائمة ومناسبة لمختلف الفئات بمرور الوقت.
- نمط السلوك: تنطوي الترندات على سلوكيات متكررة أو تغييرات في المواقف والتوجهات التي تتحول بمرور الوقت إلى تيار سائد (Mainstream).
- الابتكار: تقدم الترندات أفكاراً، أو أجهزة، أو أساليب جديدة، مما يغير الطريقة التي تُنجز بها الأمور.
- تغيرات مرحلية: قد تمر الترندات بتقلبات في مستويات الشعبية، حيث تشهد فترات يزداد فيها معدل التبني أو ينقص.
- السبب والنتيجة: تنشأ الترندات نتيجة محفزات محددة (أسباب)، وتخلف تأثيرات ملموسة وكبيرة (نتائج) على المجتمع.1
ما علاقة الترند بالتضليل الإعلامي؟
بداية فلنُعرف التضليل الإعلامي؟
التضليل الإعلامي (Disinformation) هو: نشر معلومات كاذبة أو مضللة عن عمد بقصد التأثير على الرأي العام أو تحقيق مكاسب سياسية أو مالية أو إضرار فئة أو مؤسسة أو دولة.

وفي مقال: Understanding Information disorder لكاتبه كلير واردل ( Claire Wardle) قَسّم اضطراب المعلومات إلى ثلاثة أنواع رئيسة بناءً على معياري “الزيف” و”نية الضرر”:
- التضليل المتعمد (Disinformation):
-هو محتوى زائف يتم إنشاؤه ونشره عمداً لإلحاق الضرر.
-الدوافع: المال، النفوذ السياسي (خارجي أو داخلي)، أو مجرد إحداث المشاكل.
- المعلومات الخاطئة (Misinformation):
-هو محتوى زائف، لكن الشخص الذي يشاركه لا يدرك أنه زائف ولا ينوي إلحاق الضرر.
-غالباً ما يبدأ المحتوى كـ “تضليل متعمد” ثم يتحول إلى “معلومات خاطئة” عندما يشاركه الناس بحسن نية ظناً منهم أنهم يساعدون.
-الدوافع: اجتماعية ونفسية، حيث يشارك الناس المعلومات للتعبير عن هويتهم والانتماء لمجموعاتهم (القبلية الرقمية).
- المعلومات الضارة (Malinformation):
-هو محتوى حقيقي وصحيح، ولكن يتم مشاركه بنية إلحاق الضرر، مثل تسريب معلومات خاصة أو رسائل بريد إلكتروني لضرب سمعة شخص ما.2

وهناك مصطلحات تستخدم بكثرة في الدراسات الإعلامية وتقارير التكنولوجيا لتعبر عن ظاهرة التضليل الإعلامي، منها:
- Disinformation: معلومات كاذبة تُصاغ وتُوزَّع عمداً بقصد الخداع والضرر، كما أسلفنا.
- (التحيز الخوارزمي) (Algorithmic Bias): حين تفضل الخوارزميات المحتوى المثير للجدل لرفع التفاعل.
- (غرف الصدى) (Echo Chamber): – بيئة يرى فيها المستخدم فقط الآراء التي توافقه، مما يعزز تصديق الشائعات.
- (العناوين مضللة/صادمة) (Clickbait): – عناوين مثيرة لجذب النقرات فقط. تُستخدم لغة مثيرة لجذب النقرات، وهذا يعتبر نوعاً من “التلوث” المعلوماتي لأنه يخدع القارئ.3
- (الأخبار الزائفة) (Fake News): مصطلح شائع (وأحياناً مُسَيَّس) يشير إلى القصص المختلقة التي تقدم على أنها صحافة حقيقية بهدف الخداع أو الكسب المادي.
- (الدعاية المغرضة) (Propaganda): معلومات، غالباً ما تكون منحازة أو مضللة، تستخدم لترويج قضية سياسية أو وجهة نظر معينة. وفي كتاب: “البروباغندا: كيف يتم التلاعب بالرأي (العام) في الديمقراطية” (باللغة الفرنسية) يؤكد الكتاب أن السلطة الحقيقية في المجتمع ليست بيد السياسيين الذين نراهم، بل بيد “حكومة خفية” تتكون من أقلية ذكية تفهم العمليات العقلية والأنماط الاجتماعية للجماهير. هؤلاء الأشخاص هم من “يحركون الخيوط” ويتحكمون في الرأي العام، ويشكلون أذواقنا وأفكارنا دون أن نشعر.4
- (فقاعة التصفية) (Filter Bubble): “يُشير مصطلح «فقاعة التصفية» (أو فقاعة الفلترة) إلى العزلة المعلوماتية التي يعيشها مستخدم الإنترنت، والناتجة عن خوارزميات التخصيص (في شبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث) التي تقتصر على عرض محتويات تتوافق فقط مع اهتماماته وآرائه السابقة. هذا المفهوم، الذي روّج له إيلي باريزر حوالي عام 2010 م، يحبس المستخدم داخل «فقاعة» تحجب عنه وجهات النظر المغايرة، مما يحد من فرص وصوله إلى التنوع المعلوماتي.”.5
- (الاجتزاء) (Decontextualization): أخذ معلومة أو فيديو قديم ووضعه في سياق حدث حالي لإثارة الجدل.
- (الذباب الإلكتروني) (Electronic Flies/Bots): حسابات وهمية أو مبرمجة تُستخدم لإغراق المنصة بتغريدات أو منشورات موحدة لرفع وسم معين قسرًا إلى قمة الترند. تُعد منصات التواصل الاجتماعي ساحات معارك غير مرئية لحسابات “البوتات” (المعروفة عربياً باسم “الذباب الإلكتروني”)، التي تشن حملات إلكترونية لزرع الفتنة، وإثارة الارتباك، وتحقيق مصالح خاصة.6
- (التزييف العميق) (Deep fakes): هو تقنية متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي (AI) لإنتاج أو تعديل محتوى رقمي (فيديو، صوت، أو صورة) بدقة فائقة، بحيث يظهر فيه أشخاص يقولون أو يفعلون أشياء لم تحدث في الواقع.
- (الدعم الشعبي الوهمي) (Astroturfing): المصطلح الإنجليزي المقابل لـ “الذباب الإلكتروني”، هو مصطلح وصفي يُطلق على حسابات وهمية (مؤتمتة أو مُوجهة بشرياً) تتحرك بشكل جماعي ومنظم على منصات التواصل الاجتماعي، بهدف التلاعب بالرأي العام، صناعة “ترند” زائف، أو الهجوم على خصوم معينين.
- (غرفة الصدى) (Echo Chamber): بيئة (غالباً على وسائل التواصل الاجتماعي) لا يرى فيها الشخص سوى المعلومات والآراء التي تتوافق مع معتقداته الخاصة، مما يعزز تحيزاته.
يكوِّن مجموع هذه المصطلحات ما يُسمى بسيكولوجية التضليل وخداع الذات، وقد ورد في مقال: “كيف نصدق الأكاذيب رغم وضوح الحقيقة” (بالإنجليزية): إلى أن قدرة العقل البشري على خداع نفسه تتضاعف في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم أن خداع الذات قد يكون له غرض تطوري (مثل الحفاظ على التفاؤل)، إلا أنه يجعلنا عرضة للتلاعب والأكاذيب.7
وهم الحشود وجيوش الأشباح

يا له من وهم كبير! تلك الحسابات التي تضجّ بالضجيج، والأرقام التي تتراقص كالشهب، قد لا تكون إلا أشباحًا بلا أرواح، جيوشًا من الروبوتات الصمّاء، أقنعة زائفة تُرتدى وتُخلع بضغطة زر. سُخِّرت لزرع التضليل، ولحصاد العقول، ولتوجيه دفّة الرأي العام حيث تشاء رياح الدعاية، لا حيث تنادي الحقيقة.
في هذا المسرح الرقمي الكبير، نحن جميعاً إما متفرجون أو مشاركون، نبحث بين الأصوات الصادقة والأصداء المزيفة، عن بصيصٍ من نورٍ حقيقي في ظلام المحاكاة.
في ظل التسارع الرقمي، أصبحت العلاقة بين “الترند” (شائع/أكثر رواجاً/ الأكثر تداولاً) والتضليل الإعلامي علاقة جدلية ومترابطة؛ فالترند لم يعد مجرد مؤشر عفوي على اهتمامات الجمهور، بل تحول في كثير من الأحيان إلى أداة تُستخدم لتمرير المعلومات المضللة بسرعة هائلة.
كيف يُستَخدَم الترند في التضليل؟
يمكن لصناع المحتوى أو الجهات المنظمة دفع وسم أو موضوع ليصبح ترنداً (أكثر رواجاً)عبر الجيوش الإلكترونية، والحسابات الوهمية، والإعلانات المموّلة، أو تنسيق النشر بين مؤثرين؛ فيبدو كأنه تفاعل «طبيعي» واسع.
وبعد بلوغ الوَسْم (Hashtag) قائمة الترند، يُستثمر الزخم الإعلامي في:
– تمرير رواية سياسية معيّنة أو تشويه خصوم.
– نشر شائعات وأخبار كاذبة أو نظريات مؤامرة.
– إحداث حالة هلع أو احتقان اجتماعي مبنية على معلومات غير دقيقة.
– استغلال تأثير القطيع، حيث يمنح الانتشار الواسع للمحتوى هالة من “المصداقية الزائفة” لمجرد أنه أصبح شائعاً، فيميل المستخدمون لتصديقه دون تمحيص.
آلة الخوارزميات وهندسة الوهم الجماعي
تعتمد منصات التواصل الاجتماعي على خوارزميات (Algorithms) لإبقاء المستخدم لأطول فترة ممكنة، وهذه الخوارزميات تميل لتفضيل المحتوى الذي يثير التفاعل (إعجاب، تعليق، مشاركة).
تتجاوز ظاهرة “الترند” كونها مجرد انتشار فيروسي للمحتوى، لتتجلى كنظام هيمنة تقوده خوارزميات دقيقة تعيد هندسة الذائقة العامة. هذا النظام يعمل على تشتيت الانتباه عن القضايا الجوهرية، ويغرس في الوعي الجمعي هوساً مزمناً بالحضور الرقمي ورهاباً من التهميش. وإذا كان كبح جماح هذه العجلة أمراً عسيراً، فإن سبيل مقاومتها يكمن في تفكيك بنيتها وفهم آلياتها.”
عامل العاطفة
الأخبار المُضَلِّلة غالبًا ما تُصاغ بطريقة تثير المشاعر القوية (كالغضب، الخوف، أو الصدمة)، مما يدفع الناس للتفاعل معها ورفعها إلى قائمة “الترند” أسرع بست مرات من الأخبار الحقيقية.
كما ورد في دراسة نشرها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) – وتحديداً مختبر “Media Lab» ومدرسة “Sloan” للإدارة. ونشرت البحث مجلة “Science” المرموقة.8
آلية الترند المضلل
ملامح الترند المضلِّل:
- ارتفاع مفاجئ وسريع جداً في التفاعل حول موضوع واحد مع تكرار عبارات وصور متشابهة؛ ما يدل على تنسيق أكثر من كونه نقاشاً طبيعياً.
- هيمنة مصادر غير معروفة أو حسابات جديدة على الخطاب، مع غياب أو تهميش المصادر المهنية (وكالات، صحافة جادة، خبراء مختصون).
- كثافة في الأحكام القاطعة والانفعالية (تخوين، تخويف، شيطنة) مقابل فقر في البيانات والتحقق والأدلة.
إذن، تشتغل ترندات وسائل التواصل الاجتماعي كمحفز للتضليل من خلال استغلال التحيز الخوارزمي. فتعطي المنصات الأولوية للتفاعل على حساب الدقة.
وتستخدم حملات التضليل شبكات الروبوت (Botnets) لتضخيم أرقام التفاعل بشكل مصطنع، مما يجبر سرديات معينة على الصعود لقسم ‘المتداول’. بمجرد أن يصبح الموضوع ترند، يكتسب شرعية زائفة، مما يدفع المستخدمين الغافلين لقبول المعلومات المضللة ومشاركتها كحقيقة مؤكدة. تُحدث هذه الظاهرة حلقة مفرغة حيث تقوم الخوارزميات بتضخيم الخداع دون قصد.”
تأثير التضليل الإعلامي
للتضليل عواقب وخيمة تتراوح بين الشك والتلاعب بالعواطف:
- الشك وعدم اليقين: يزدهر التضليل في بيئة من الشك، مما يجعل الأفراد مفرطي الحذر تجاه صحة المعلومات. هنا يأتي دور التوثيق الدقيق كضمانة ضد التضليل.
- الانقسام والاستقطاب: يغذي التضليل الانقسامات المجتمعية، مما يجعل الأفراد يقبلون المعلومات بشكل انتقائي بناءً على معتقداتهم المسبقة. وهنا يأتي دور التوثيق في تقديم رؤية موضوعية للحقائق لردم هذه الهوة.
- التلاعب بالعواطف: يستغل التضليل المشاعر السلبية مثل الخوف والغضب للتلاعب بالأفراد. ولمواجهة ذلك، يجب توفير معلومات موثوقة وقائمة على الأدلة.9
إنها “دكتاتورية ناعمة”، مِقصلة غير مرئية تعمل في صمت. تُعلي من شأن التفاهة فتجعلها نارًا في الهشيم تلتهم كل شيء، بينما تخنق الحقيقة في مهدها فلا تصل إلى أحد.
والخطير في ثقافة الترند أنها لم تعد مجرد ترفيه وتسلية، بل أصبحت أداة سيطرة وسلطة ناعمة تفرض رقابتها على المجتمع وتحدد السلوك اليومي للأفراد، فيستهلكون منتجات لا يحتاجونها، ويقيسون نجاحاتهم بعدد الإعجابات في عالم افتراضي يقوم على تسليع الأوهام وبيعها. وهكذا تصبح الخوارزميات مهندسة السلوك البشري.10
لقد أصبحنا نسير على “خط تحريري” لم نخطّه بأيدينا، بل رُسم لنا ببرودة الآلة وجمود البرمجة. خطّ يُملي علينا:
– ما نقرأ
– ما نرى
– ما نفكّر فيه
– بل وما نشعر به
أما أنت، أيها الكاتب الحالم، فلا يغرنّك كثرة المحبين حولك، ولا الملايين الذين يتبعون ظلك. ففي مملكة “الخوارزميات”، الأرقام مجرد غبار. إن لم تكن حروفك قرباناً يرضى عنه “الصنم الرقمي”، فلن تتجاوز عتبة دارك. ستصرخ في وادٍ غير ذي زرع، ولن يسمع صدى صوتك سوى القلة القليلة، لأن “الخوارزمية” قررت أن كلماتك لا تروق لمزاجها المتقلب.
كيف تحمي نفسك من التضليل في “الترند”؟

بما أن الترند هو البيئة الأخصب للشائعات، يُنصح باتباع هذه الخطوات قبل المشاركة:
– تحقق من المصدر: هل الحساب الذي بدأ الترند موثوقاً؟ أم أنه حساب حديث الإنشاء ومجهول الهوية؟
– تحقق من التواريخ: الأخبار القديمة يُعاد نشرها أحياناً لتبدو وكأنها حديثة لإثارة الجدل. تأكد من تاريخ النشر وتاريخ الأحداث المذكورة.11
– ابحث عن الخبر في جوجل: إذا كان الخبر ضخماً (كوفاة شخصية أو قرار سياسي)، ستنشره الوكالات الرسمية فوراً. غياب الخبر في المصادر الموثوقة يعني غالباً أنه إشاعة.
– تعلم مهارات التحقق الرقمي: فحص مصدر الخبر، البحث العكسي عن الصور، مقارنة الخبر في أكثر من وسيلة موثوقة، قراءة ما وراء العنوان.
– دَقِّق في الصور والفيديو: استخدم أدوات مثل (Google Lens) للتأكد من أن الصور ليست قديمة أو مركبة.
– انتبه للعناوين المبالغ فيها والوعود الخيالية والعبارات القطعية من نوع: «لن تصدق»، «حقيقة صادمة»، «تعرف على الكارثة»؛ هذه علامات مألوفة في المحتوى المضلِّل.
– جرّب البحث باسم الموقع أو الحساب مع كلمة « fake» أو «hoax» أو «scam» لمعرفة سمعته، أو هل سبق تفنيده من جهات تحقق.
– استخدم مواقع التحقق المتخصصة (Snopes) ،(FactCheck) وغيرهما حسب السياق المحلي لمعرفة إن كانت القصة مفبركة أو قديمة.

– اكسر دائرة النشر: إذا شككت في معلومة، لا تشاركها حتى لو كان بِنِية الاستنكار، لأن خوارزميات الترند لا تميز بين النقد والتأييد، بل تحسبه “تفاعلاً” يرفع من انتشار الخبر.
– تحقق من تحيزاتك الشخصية: نحن نميل لتصديق الأخبار التي تؤكد وجهات نظرنا (الانحياز التأكيدي). كن موضوعياً واسأل نفسك: هل أصدق هذا الخبر فقط لأنه يعجبني أو يوافق رأيي؟12
مواجهة الترند شرعياً:
– استشعار المراقبة: غرس عقيدة أن الله رقيب على “النقر” و”المشاركة” (Share/Like) كما هو رقيب على الأقوال والأفعال. كل كلمة تكتبها أو تنشرها ستُسأل عنها، قال الله تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق، آية 18].
– التثبت من صحة الأخبار قبل نشرها: صناعة “الترند” غالباً ما تعتمد على تضخيم الأخبار أو اختلاقها. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات، آية 6]. هذه الآية الكريمة تأمر المؤمنين بالتثبت من الأخبار التي تأتيهم من الفساق (غير الصادقين)، لئلا يقعوا في خطأ ويصيبوا قوماً أبرياء بجناية دون علم، فيندموا على ذلك أشد الندم، وهي دليل على أهمية التثبت والتحري قبل التصديق، خاصة فيما يتعلق بأخبار الفاسقين أو الشائعات؛ لأن تصديق خبرهم قد يؤدي إلى ظلم أو عواقب وخيمة، وتؤكد أن خبر الصادق مقبول وخبر الكاذب مردود، وخبر الفاسق يجب التوقف فيه والتثبت منه.
– تجنب شهوة الشهرة (الرياء والسمعة): السعي وراء “الترند” هو في حقيقته بحث عن “القَبول الرقمي” والشهرة، وهو ما يُعرف شرعاً بطلب “السمعة”. قال النبي ﷺ: “من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به”13.. «ومَن يُرَائِي» فيَطلُبُ بعمَلِه غيرَ الإخلاصِ، وليتَحدَّثَ النَّاسُ به طلبًا للثَّنَاءِ والمدحِ.

– تحريم الكذب لإضحاك الناس أو لجذب الانتباه: صُنَّاع المحتوى المضلل يعتمدون على العناوين الخادعة (Clickbait) أو القصص المفبركة. وقد ورد وعيدٌ شديدٌ في قوله ﷺ: “وَيلٌ للذي يُحَدِّثُ فيَكذِبُ ليُضحِكَ به القَومَ، وَيلٌ له، وَيلٌ له.»14. والكذبَ حرامٌ، واللُّجوءُ إليه لغَرضٍ مثلِ الإضحاكِ يَزيده تحريمًا؛ فهو موضعٌ ليس للإنسانِ حاجةٌ فيه إلى الكَذبِ؛ فقد كان النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُمازِحُ أصحابَه ولا يقولُ إلَّا صِدْقًا.15
– إماتة الباطل بالسكوت عنه: قاعدة ذهبية في التعامل مع الترندات التافهة أو المسيئة. التفاعل معها ولو بالنقد يرفعها (خوارزمياً). إذن فالحل الشرعي والتقني هو: التجاهل التام.
– صناعة البديل النافع: بدلاً من الاكتفاء بلعن الظلام (التضليل)، يجب على أصحاب العلم والرسالة مزاحمة التافهين بصناعة محتوى راقٍ، جذاب، ويخاطب لغة العصر، ليملؤوا به الفراغ.
يفرض التعامل مع «الترند» وسط سيل الأخبار المتدفقة على المسلم أن يُفعّل فقه سدّ الذرائع؛ ومن مقتضيات هذا الفقه أن يرى المسلم أنّ «المشاركة، الإعجاب، التعليق، إعادة الإرسال» ليست أفعالاً محايدة، بل هي وسائل حقيقية لتكبير الباطل أو تصغيره، فيكفّ يده ولسانه حيث يغلب على الظن ترتّب مفسدة دينية أو أخلاقية. فلا يكون جسراً لعبور الشائعات، ولا أداةً في يد من يصنع الأكاذيب ويغلفها بزخرف العناوين.
كما يفرض عليه فقه تحقيق المناط؛ فلا يُسارع إلى الحكم أو التعليق حتى يفهم حقيقة المحتوى وسياقه ومصدره، ويميز بين الخبر الصادق والدعاية المضلِّلة.
لذلك على المسلم أن «يتَبَيُّن» من الخبر،: فيتحقق من مصدره، وسياقه، وصدق محتواه، ثم أن ييُنزل عليه القواعد الفقهية الكلية: كتحريم الكذب، والنهي عن إشاعة الفاحشة، ووجوب نصرة المظلوم، واعتبار المقاصد الخمس، ليرى: هل مشاركة هذا الترند خدمة للحق أم خدمة للباطل.
والمسلم الحق «كيِّس فطن»، لا ينجرّ خلف ما تفرضه الخوارزميات من مواضيع، ولا يكون إمّعة يصفّق لكل ما يراه في الشاشات، بل يزن كل ما يعرض عليه بميزان الشرع والعقل والبصيرة؛ فما وافق الحق قبله، وما كان مشبوهاً أوقفه، وما كان باطلاً رده وكشف زيفه.
خِتاماً
إن استعادة “الكلمة الحرة” من براثن هذا التضليل الممنهج لا تكون باعتزال الفضاء الرقمي، بل بامتلاك “مناعة الوعي”. أن نتريث قبل أن نضغط زر المشاركة، أن نشكّ في كل ما يلمع بشدة، وأن نبحث عن الخيط الرفيع الذي يفصل بين “الخبر” و”الرأي”، بين “الحقيقة” و”التهويل”.
في هذا العالم المليء بالضجيج المصطنع، تصبح الحقيقة مسؤولية أخلاقية، ويصبح التفكير النقدي طوق النجاة الوحيد. فلنحذر أن نكون مجرد أصداء في كهفٍ لا تدخله الشمس، ولنعد للكلمةِ قداستها، بعيداً عن صخب الخوارزميات، وقريباً من نبض الإنسان.
المراجع
- Scribd. (n.d.). Trend Elements and Characteristics. ↩︎
- Wardle, C. (2020, September 22). Understanding information disorder. First Draft. ↩︎
- المرجع السابق. ↩︎
- Bernays, E. (2007). Propaganda: Comment manipuler l’opinion en démocratie (O. Bonis, Trad. ; N. Baillargeon, Préf.). Paris: Zones / La Découverte ↩︎
- Wikipédia. (s.d.). Bulle de filtres. Dans Wikipédia, l’encyclopédie libre. Consulté le 24 janvier 2026, à l’adresse ↩︎
- Global Fact Checking. (n.d.). The influence of bots (electronic flies) on shaping user opinions. Retrieved January 24, 2026 ↩︎
- Brenner, G. H. (2022, April 25). How we believe lies despite the obvious truth. Psychology Today ↩︎
- Vosoughi, S., Roy, D., & Aral, S. (2018). The spread of true and false news online. Science, 359(6380), 1146–1151. ↩︎
- -Kovalenko, O. (2023, December 7). The harmful effects of disinformation and how to combat them. HURIDOCS. ↩︎
- مصدق، آية. (2025، 18 يوليو). ثقافة الترند: حين يصبح التقليد خوفًا من الاختلاف. مدونات الجزيرة. ↩︎
- Parlement européen. (2025, 3 juin). Désinformation: 10 étapes pour se protéger et protéger les autres. Consulté le 24 janvier 2026, à l’adresse ↩︎
- Disinformation: 10 steps to protect yourself and others ↩︎
- صحيح مسلم، رقم الحديث: 2986. ↩︎
- أخرجه أبو داود (4990)، والترمذي (2315)، والنسائي في (السنن الكبرى) (11126)، وأحمد (20046). ↩︎
- انظر شرح الحديث السابق. موقع الدرر السنية. ↩︎



