الجماهير كنز استراتيجي في معادلة الصراع بين الثوار والأنظمة، وهي العامل الذي ادعى البعض أن من امتلكه فقد حمل لواء النصر، فهي العامل الحفاز الأهم للنصر ووقود الثورة الأول وسلاحها الأساسي؛ هي ملاذ الثوار والجانب الرئيسي من الدعم والمؤن. فإذا تأملت تجارب الثورات السابقة كالتجربة الكوبية أو الفيتنامية ستجد أن الأنظمة تكون على حافة الهاوية إذا وقفت أمامها الجماهير متحدية النظام ووجوده المهيمن على بلادها و أموالها و معتقداتها. ستجد الفلاح الذي وقف أمام النظام حاملاً فأسه في مواجهة المعتدي و الشيخ الكبير والمرأة المساندين للثوار. فكانت المعركة ضد النظام حقاً معركة أمة تقودها نخبة من الثوار معركة يفهمها الجماهير ويعلمون لماذا عليهم محاربة النظام ويعوا كم التضحيات الواجبة لدفع النظام الجائر.

ومن المعلوم أيضاً أن الجماهير إن لم تكن واقفة فى صفك فهي واقفة في صف النظام تساعده وتقف بجانبه ضدك ولك فى التجربة المصرية 30يونيو مثالاً، فقد رأينا المواطنين الشرفاء ورأينا من برروا للنظام قتله للأبرياء ووحشيته ضد الضعفاء رأينا من ادعى الباطل و حمل لواءه من أجل مصلحته الشخصية و عقله الذى لم يفقه شيئاً سوى حاجته. فهذا كلام مفهوم لدى الكثيرين و لكن ما نود أن نلقي الضوء عليه في هذا المقالهو : كيف نفهم الجماهير لكى يكسبها حاملوا لواء التغيير؟

وإن أفضل من حلل عقلية الجماهير وعواطفها هو جوستاف لوبون الطبيب والمؤرخ الفرنسي الذي ولد بفرنسا عام 1841م وتوفى عام 1931م. وألف مجموعة من الكتب عن سلوك الجماعات ووسائل التأثير فى الجماهير وكيف أنها يُمكن أن تصنع شيئاً جيداً وقد تقود إلى الخراب، حيث يرى أيضاً أنها هى التي تساعد القائد كى يُصبح طاغية فيما بعد من خلال خنوعها له والالتزام بطاعته الذي يقودها إلي الذل والمهانة. وأفضل تلك الكتب و أهمها كتاب سيكلوجية الجماهير.

أولاً: بتعريف الجمهور:

هم مجموعة من الأفراد لها روح جماعية وخصائص محددة تذوب فيها الشخصية الفردية الواعية لصالح الروح الجماعية ليتشكل تركيب جديد لا يُعتبر حاصل مجموع سمات أولئك الأفراد بل تكون أقل من ذلك بكثير فالفرد وسط الجماهير يكون منومًا مغناطيسياً يحركه اللاواعي ولا يحركه الواعى و هذه أولى الخصائص للجمهور فى طور التشكل و قد يكون هذا الجمهور مجرماً و قد يكون بطلاً كما أشرنا فى أول المقال.

ثانياً: عواطف الجماهير:

تتسم عواطف الجماهير بعدة صفات منها
1_سرعة الانفعال والخفة
فالمحرضات هى التي تقود الجماهير وتسوقها من حالة إلى حالة أخرى فالعوطف انفاعلية ودائمة التقلب ولا تعبأ بأى عقبة تقف أمامها خصوصاً وأن عددها الكبير يُشعرها بامتلاك القوة التي لا تُقاوم فليس هناك مفهوم للمستحيل.
2_سرعة تأثر الجماهير و سذاجتها وتصديقها لأي شيء
الجماهير تتأثر سريعاً بأى شائعة أو حدث وتنتشر بينها إنتشار العدوى، و قد تصدق أشياء عكس بعضها تماماً فيتم تكوين صور للأحداث داخل أدمغتها لا علاقة منطقية لهم و يُرى أن الفئة الأكثر تأثراً بذلك من الجمهور هم النساء و الأطفال.
3_التضخيم و التبسيط
إن العواطف التي تُعبر عنها الجماهير سواء أكانت طيبة أم شريرة تتميز في رأيه بطابعٍ مزدوج بمعنى: أنها مضخمة جداً ومبسطة جداً فنجد أن الفرد المنخرط في الجمهور يقترب كثيراً من البدائية فهو غير قادر على التمييز الدقيق للأشياء وينظر للأمور بصورة عامة وككتلة واحدة.
4_التعصب والنزعة المحافظة:
نزعة التعصب موجودة لدى معظم فئات الجماهير فالأفكار التي تُطرح عليها إما أن تقبلها كاملة وتعتبرها حقيقة مطلقة أو ترفضها وتعتبرها أخطاء مطلقة (إذا قلت لرجل كبير السن من مؤيدى النظام أن الجيش موالي للغرب ويحمي مصالحه فلاحظ الرد)
5_أخلاقيات الجماهير
أخلاق الجماهير قد تكون مجرمة لا تفعل سوى القتل والحرق والخراب، وقد تكون أيضاً جماهير قادرة على التضحية والجود وذلك أن الذي يحركها قيم مثل المجد  والشرف والدين.

ثالثاً: أفكار الجماهير:

قسم جوستاف أفكار الجماهير إلى فئتين:
1- فئة الأفكار الأساسية: تلك التي تُقدم لها البيئة والوراثة والرأى العام استقراراً كبيرً كالأفكار الدينية القيمية الموجودة لدى الشعوب، فهي صعبة التغيير بين يوم وليلة فهى المهيمنة على الفرد داخل اللاواعي وتشبه مياه نهر يجرى ببطء.
2- فئة الأفكار الثانوية: وهى الأفكار التي تتشكل تحت تأثير اللحظة وهى أفكار عابرة ومثال على ذلك الإنبهار بفرد ما أو عقيدة ما، وتشبه الأمواج الصغيرة المتغيرة دائماً والمتحركة على السطح.
و هذان النوعان من الأفكار لكي يؤثران على الجماهير لابد أن تصل إليهم بشكل مفهوم وبسيط جدًا.

رابعاً: عقلية الجماهير

عقلية الجماهير بسيطة ولا تفهم الأشياء الصعبة أو تحاول فهمها فهي عاجزة عن التفكير المتعقل ومن أثره أنها تربط بين أشياء متنافرة بالأساس ليس بينها إلا علاقات سطحية ظاهرية، كمثال من يقول أن الثلج شفاف يذوب بالماء إذاً فالزجاج شفاف يذوب بالماء! وكذلك التعميم المباشر لحالات فردية وخاصة كأن يرى رجل مسلم يسرق إذاً فكل المسلمين يسرقون!

خامساً: العوامل المشكلة لأفكار الجماهير وآرائها

1_العرف والتقاليد الموروثة: فهى أهم تلك العوامل و أكثرها تأثيراًّ على الجماهير
2_الزمن : أحد العوامل أكثر نشاطاًّ وتعجباًّ فتجد بعض الأفكار التى لا يُمكن بل يستحيل تحقيقها في فترة ما تبدو معقولة في فترة أخرى.
3_المؤسسات السياسية والإجتماعية: فلا ريب أن تلك المؤسسات لها تأثير واضح على الشعوب فانظر كيف يؤثر الإعلام على الشعوب ويكّون عقليتها وكذلك المدارس والجامعات.

سادساًّ: العوامل المساهمة في تشكيل آراء الجماهير

1_الصور والكلمات والشعارات: تتأثر الجماهير بالصور وتبهرها، وعلينا كذلك الاستخدام الذكي للكلمات و العبارات المناسبة في شكل فني لبق ككلمات (الحرية، العدالة، الحق) فهي كلمات تحتوي على أمل بتحقيقها كأنها حل لمشاكل الحياة اليومية.
2_الأوهام: تعرضت الشعوب دائماً لثأثير الأوهام فباسم هذا الوهم قدست الشعوب جيوشها واعتبرتهم الحامية لها لا الحامية لمصالح أعدائها. وباسم تلك الأوهام أيضاً أصبحوا مقتنعين بفقر بلادهم رغم كثرة مواردها ومقتنعين بعدالة الظلم والجور الواقع عليهم، شعوب لا تعيش إلا في الوهم.
3_التجربة: التجربة خير دليل على الشيء أو ضده فعندما تفعل شيء ما وترى نتيجته فبالتأكيد لن تقتنع بعكسه.
4_العقل أم العاطفة: محركي الجماهير كما يرى جوستاف لوبون عليهم ألا يتوجهوا إلى عقلها بل إلى عاطفتها فالعاطفة هي المحرك الأقوى للجماهير فعلينا إثارتها بالمحاجات العاطفية والصور المحرضة لما ندعو إليه.

سابعاً: الفرق بين العقائد الثابتة والعقائد المتحركة للجماهير

العقائد الثابتة هي العقائد المترسخة في عقول وقلوب الجماهير وتحتاج فترة كبيرة لتغييرها وتلك العقائد غالباً ما تكون الوجه والمكون لحضارتها.
أما الآراء المتحركة فهي طبقة سطحية جداً من الآراء والأفكار التي تولد وتموت باستمرار.

ويبقى سؤال: هل نحن نتناول هذا من أجل أن نصبح جماهيريين نُريد أن نُدخل تلك الجماهير فى صفوفنا دون إفهامها القضية والمعركة وإخضاعها بالعبودية لله وحده أم ماذا؟؟ بالتأكيد هذه ليست دعوة لأن تكون شعبوياً لا يهمه شيء سوى جلب تأييد الشعب له لكى يفعل ما يريد بسلطته وقوته وبخداعه للشعب كما يركز على الخطاب العاطفي المفتقد للعقل والرؤى الواضحة فكل ما يقف مؤيداً له فهو مع الشعب أما من يقف في وجه طغيانه فهو ضد الشعب كأن هذا الظالم= الشعب.

فبالتأكيد هذا لم يدعو إليه ديننا فلم يدعو لخداع الشعب بالشعارات البراقة الزائفة من أجل الحصول على مكاسب شخصية لنا، بل جاء الإسلام رحمةً وهدى للعالمين جاء ليخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام..
وجاء خطاب القرآن للناس ملييء بالمحاجات العقلية و كذلك مثيراً لعواطفهم وقلوبهم فكم قرأنا فى القرآن من آيات مثل (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا)
فقد وردت كلمة يتفكرون في القرآن عشر مرات، وكلمة “لعلهم يتفكرون” ثلاث مرات وكلمة”يعقلون” اثنتين وعشرين مرة.

والخطاب القرآنى جاء فيه من حث العاطفة الكثير والكثير ألم تقرأ قول الله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
ألم تقرأ قوله تعالى أيضاً: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا)

فلم يكتف الخطاب القرآني بالعقل وحده ولم يكتف بحث العاطفة بل جاء للناس بخطاب إيماني عاطفي يستحث العقل على التفكر والتدبر، وتلك مرتبة أعلى من التفكر والتعقل، ومن هنا فواجبنا نحن المسلمون أن نلتزم بكلام ربنا وخطابه لنا في حث الناس ودعوتهم إلى ما ندعو إليه من الرجوع إلى التوحيد وعبادة رب البرية والوقوف في وجه الظالمين الجائرين.

بقلم: محمد بن علي

1475

الكاتب

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.