كانت الهجمة الفكرية الشرسة التي تعرض لها الفكر الإسلامي في القرنين الماضيين شديدة لدرجة أنها بدأت تساور الشكوك الكثير من المفكرين والباحثين الإسلاميين وذلك منذ مطلع القرن الماضي، وكان سقوط الخلافة الإسلامية سبباً جوهرياً في بداية الحديث عن طرح قضية هل الإسلام له منظومة سياسية نستطيع تطبيقها في العصر الحديث؟ بل تعد ذلك إلى سؤال طرحه علي عبد الرازق في عام 1925، وهو هل يوجد في الإسلام نظرية سياسية يمكن دارستها والخروج منها بنظام سياسي؟ أم أنه لا يوجد نظرية سياسية وكل الحاصل هو مجرد ممارسات تاريخية؟

في أطروحته «السلطة في الإسلام نقد النظرية السياسية» (الصادرة عن المركز الثقافي العربي بيروت ينطلق عبد الجواد ياسين من فرضيتين أساسيتين:

أولاهما: أن النظرية السياسية في الإسلام نظرية وضعية لم يؤسسها النص، بل التاريخ.

وثانيتهما: عدم استجابة هذه النظرية لمعايير الحداثة السياسية والاجتماعية. ومن خلال ما سماه( تعددية السلفيات الإسلامية) يدرس الكاتب ثلاثة نماذج في مقاربته لإشكالياته: أهل السُنّة والجماعة، الإمامية الاثنا عشرية، والإباضية أي الخوارج، التي أسست بدورها لعقول لا يجمعها سوى الخلاف على السلطة، وهنا أدت الفرق الكلامية والمذهبية دورها في تأجيج جدلية الصِدام عبر حشد أكبر قدر ممكن من الأدبيات السياسية، التي لم تخرج بنظرية تحمل بذور التطور لجهة ما يفرضه الواقع من متغيرات، ما أحالها الى نوع من التكرار الفقهي تحت لواء الخلافة حيناً والإمامة حيناً آخر. وبكثير من القراءة الواقعية يؤرخ ياسين للمشهدية التاريخية المنتجة لهذه السلفيات؛ فمنذ نشأتها لم تعمل على مقارعة نظريات الحكم خارج مجالها، ما جعلها عبارة عن طاقة فقهية تدخل في سياق الرد والرد المضاد، ولم تستطع حتى اللحظة تحديث إرثها السياسي، فدخلت فيما اصطلح عليه ياسين بـ (أزمة العقل الإسلامي المعاصر)

هذا الجدل الدائر في العالم العربي منذ مطلع القرن إشتعل جداً في الفترة الأخيرة خاصة بعد الثورات العربية والتي نجحت في إسقاط أنظمة عتيدة وهزة أنظمة أخري، و لكن الصراع المستعار الآن علي جميع الجبهات الفكرية والتي تطرح نفسها كبديل عن النظم الموجودة جعل كثير من الكتاب والمفكرين يطرحون الإسلام كبديل عن النظم البائدة خاصة وهو النظام الذي كانت المنطقة العربية تحكم به قبل نشأة الدولة الوطنية في العصر الحديث، ولكن نخبة من مفكري هذه الأمة رفضت أن يكون حتي في الإسلام نظرية سياسية، كأنهم يريدون اعتقال قسري لعقولنا، فكيف تعيش أمة طوال ثلاثة عشر قرناً بدون نظام سياسي يحكمها وكيف ملكت الآرض فترة من الزمن وهي لا تعرف كيف تسوس شعوبها.

وكانت الخلافة الإسلامية هي الحديث الطاغي على كثير من ألسنة المثقفين والكتاب في الصحف المصرية في الأيام القليلة الماضية، وبالطبع كان الهجوم على الخلافة والرد على السؤال المطروح دائماً وهو هل الإسلام به نظام سياسي يصلح للحكم أم لا؟ وهو السؤل المطروح منذ مطلع القرن السابق.

بعض الأمثلة علي ذلك:

1- نشرت جريدة المصري اليوم مقال للدكتور عمار علي حسن  بعنوان التجديد السياسي لـ«الإسلاميين» (2) (فإيمان الإسلاميين بحتمية عودة الخلافة، رغم أنها نظام حكم أبدعه صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يأمر به رب العزة، سبحانه وتعالى، طالما قادهم إلى معارك مريرة، مسلحة تارة وفقهية تارة أخرى، استنفدت على وجهيها جهدا كبيرا كان يمكن استخدامه في تطوير أفكار الحركة الإسلامية، بما يؤهلها لطرح برامج عصرية للحكم، ويفرض دمجها في الشرعية السياسية والمشروعية القانونية، وكان أيضا يمكن استخدامه في تشخيص داء التخلف المادي والفكري الذى يعانى منه المسلمون حاليا، حتى يكون بمقدرتهم وصف الدواء الناجع، الذى يعيد إليهم ولو جزءاً من قوتهم الحضارية التي غربت منذ قرون. أن التعلق بآمال عريضة والتمسك بغايات سامية مسألة ضرورية لإعطاء الحركة في الواقع المعيش زخما أكبر وتصورا أعمق وإصرارا أشد، شريطة أن تكون هذه الآمال وتلك الغايات قابلة للتحقق، وليست مجرد أوهام تتبدد حين يتم وضعها محل اختبار عملي).

 

2- وجاء في ندوة التي عقدتها كلية الآداب بجامعة طنطا، تحت عنوان «مصر إلى أين؟»، أوضح الدكتور  العوا، أن فكرة الخلافة الإسلامية غير مطروحة على الإطلاق في هذا الوقت، وأنه لن يقبل بعودة نظام الخلافة الذى ارتبط في فترة حكم النبي وخلفائه الراشدين، وبرر موقفه من عدم عودة الخلافة بأن خليفة المسلمين يناط به إمامة المسلمين في الصلاة، وتسيير الجيوش، وتقسيم الغنائم وتعيين القضاة، وغيرها واتخاذ القرارات دون غيره وهو ما لم نقبله في مصر بعد ثورة 25 يناير، لأن التفرد بالحكم أورثنا الذل والمهانة وصنع الفراعين واللصوص. وأضاف نريد حكما دستوريا ولفترة واحدة، وأفضل ألا تجدد، وحكومات تحاسب أمام البرلمان بعد أن قضينا 40 عاما لم نوجه سؤالا واحد للحكومات.

 

3- وفي يوم 25/5/2011 نشرت المصري اليوم مقال للكاتب علاء الأسواني بعنوان (هل نحارب طواحين الهواء طرح فيه السؤال المطروح منذ أكثر من مائة عام (هل كانت الدول الإسلامية المتعاقبة تطبق مبادئ الإسلام سواء في طريقة توليها الحكم أو تداولها السلطة أو معاملتها للرعية. ؟!) وكانت إجابته (أولاً أن الخلفاء الذين تولوا الحكم عن طريق القتل والمؤامرت كانوا في أحيان كثيرة حكاما أكفاء، أحسنوا إدارة الدولة الإسلامية حتى أصبحت إمبراطورية ممتدة الأطراف. لكن طريقتهم في تولى السلطة والحفاظ عليها لا يمكن بأي حال اعتبارها نموذجا يتفق مع مبادئ الإسلام. ثانياً: إن الصراع الدموي على السلطة لم يقتصر على حكام المسلمين في ذلك العصر، وإنما كان يحدث بين ملوك أوروبا بنفس الطريقة من أجل انتزاع العروش والمحافظة عليها. وكان أبشع ما في هذا المقال هو الافتراء علي الخليفة الثالث عثمان بن عفان عندما قال (حدثت مخالفات من الخليفة عثمان بن عفان، الذي لم يعدل بين المسلمين وآثر أقاربه بالمناصب والعطايا، فثار عليه الناس وقتلوه،) فنسأل الله لنا وله الهداية. وفي برنامجه على قناة الحياة تكلم الشاعر الكبير فاروق جويدة قائلاً (إن الذين يحاولون تحويل مصر إلي دولة دينية أو دولة خلافة إسلامية، أنها لا تصلح لخلافة إسلامية ولا تصلح لتلك الدعوات في الوقت الراهن).

 

4- واما الدكتور محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين ( قبل توليه الرئاسةفقد أطلق  تصريحات مضادة لتطبيق الشريعة وقال بصراحة: ” إن الجماعة لا تسعى لفرض الشريعة الإسلامية في مصر ” وأن فكرة الوطنية بوصفها إطارا أعلى من الشريعة يجمع كل المصريين فقال : ” لا نريد أبدا أن ننفرد بسلطة ولا نريد أبدا أن نسيطر على برلمان وليس هذا في مصلحة مصر ونحن نقدم مصلحة الوطن على كل مصلحة سواها، نريد برلمانا متجانسا الأغلبية فيه متوافقة وليست لفصيل واحد “.وحتى عندما سئل عن حكم شرعي واضح للعامة وهو حكم تحريم الخمر قال : ” إن البرلمان هو الذي سيقرر ذلك ” وفسر مرسي المرجعية بأنه لا تعني تطبيق الأحكام الشرعية فقال : ” إن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع هذا النص يُحترم والنص واضح، مبادئ الشريعة الإسلامية وليس تفاصيل أحكام الفقه.

5- ‏وأكد الدكتور كمال الهلباوي المتحدث الإعلامي السابق للإخوان في أوروبا إن حكم مصر ليس هو الخلافة الإسلامية‏، ‏ وذلك في أول لقاء جماهيري عقد بدار الحكمة، مشيرا إلى أن ولاية مصر ليست الولاية العظمي أو الخلافة.

هذه بعض الآراء التي انطلقت علي الساحة المصرية في الفترة الأخيرة، هذه الآراء هي ترديد لما قاله كثير من المستشرقين أولاً ثم ردده ورائهم من المطبوعين بهم ثقافة وفكراً، بدء من كتاب علي عبد الرازق المشكوك في نسبه إليه وميل أكثر الباحثين إلي إنه لطه حسين رواية عن أستاذه المستشرق مرجليوث وهو الحاقد علي الإسلام ظاهراً وباطناً، ثم أنتشر هذا الرأي وأصبح هو الرأي السائد في جميع الأوساط الفكرية والإسلامية، وأصبح الرأي الذي يقول بخلافة واحدة لا يقول به إلا بعض التيارات السياسية الإسلامية، بل وأصبح رأيها يعتبر خارج عن مجموع الآراء المتبنة داخل العقل البحثي في العالم الإسلامي.

أن ” القائلين بأن الخلافة ليست هي النظام السياسي للإسلام، فأي النظم السياسية جاء بها الإسلام، علي أن لا يقول لنا إن الديمقراطية والتعددية والشورى والدول المصطنعة والحدود الوهمية بين الدول، والفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة، إن هذا هو النظام الذي أتي به الإسلام، أو إن الإسلام لم يأتي بنظام محدد – الكلمة التي قالها المستشرقين ورددها أبناء الإسلام بدون دارية – لم يعد هذا الكلام مقبول بعد كل الدارسات والكتب التي ناقشت الخلافة كنظام سياسي وحيد للإسلام، و إن المسلمين لم يعرفوا غيره طوال تاريخهم،  ولم يخرج من علماء المسلمين ومفكريهم طوال تاريخهم من يقول لنا إن الخلافة ليست نظاماً إسلامياً .
أنني أتعجب عندما أري الغرب يعلن في صراحة أنه يعيش حالة من الخوف نتيجة انتشار فكرة عودة الخلافة، وأصبح القادة في الغرب يعتبرونها حقيقة قد تحدث في أي لحظة،  و لكننا نجد من أبناء الإسلام من ينكر ليس فقط كونها عائدة فقط بل ينكر كونها من الإسلام.
إن هذا القول لم يكن يقوله الصبيان في دولة الخلافة “وكان استحالة صدور هذا الرأي في أيام وجود الدولة الإسلامية، الأمر الأخر هو إن جمع من هؤلاء قد تربوا على القوالب الفكرية المصطنعة في العالم الغربي.

فكرة الخلافة:

إن فكرة الخلافة التي يتهكم عليها هؤلاء الذين نحسبهم منا وينتمون بهويتهم إلى هذه الأمة هي من صميم أفكار الإسلام وليست فكرة دخيلة عليه كالفكرة الرأسمالية والديمقراطية والاشتراكية. بل هي من أمهات أفكاره، وهي نظام حكمه. وقد وردت أحاديث كثيرة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تبين ذلك منها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ» ‏. ‏ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ»‏.‏ وما رواه أحمد عن حذيفة (رضي الله عنه) في حديث يبشر بعودة الخلافة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ». إذن من استهزأ بالخلافة أو تهكم عليها أو اعتبرها وهماً وخيالاً وحلماً كأنما سفّه هذه الأحاديث واستنقص من شخص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه، لأن فكرة الخلافة ونظام الخلافة ليس من اختلاق المتحدث ولم (يفبركها) من عنده، بل أخذها كغيره من المسلمين من الإسلام ومن الأدلة الشرعية التي جاءت تبين ذلك. ولهذا كان الاعتراض على هذه الفكرة أو الاستنقاص منها جرم عظيم.
إن الذين يبغضون الخلافة لا ينامون الليل خوفاً منها، كلما اقتربت ولذلك يبدئوا في المحاولات بكل الأساليب لإقناعنا بأن فكرة الخلافة فكرة فاسدة لا تتناسب مع زمن التعددية والحريات وما شاكل ذلك. ثم يبدأ في سرد التاريخ من كتب الشيعة ومن الكتب التي تمتلئ بالأحاديث الموضوعة والمختلقة ليثبتوا إن الخلافة لم تكن إلا تاريخ أسود على المسلمين، والعكس هو الصحيح.
الخلافة ليست بدعة ولم تحكم العالم فترة وجيزة ومن بعد اختفت إلى الأبد بل أن هذا النظام استمر لعدة قرون ولم تسقط الدولة الإسلامية إلا بمؤامرات شديدة من الداخل والخارج. هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى فإن القضية هنا لا تتعلق بالحكام وسلوكياتهم، وإنما تتعلق بالنظام ذاته.

أي لا تتعلق بالخلفاء والولاة وعمال الدولة والأحداث والوقائع، وإنما تتعلق بنظام الحكم والدستور والقوانين، هذه هي المسألة الجوهرية في قضية الخلافة. فحينما نتحدث عن الوقائع التاريخية فإنه من الممكن أن يحصل مثلها في أي زمان، سواء كان زمن الخلافة أم هذا الزمان، لأن الذين يسوسون الناس هم بشر غير معصومين.

فصحيح أنه كان هناك ظلم وتجاوزات لا يقرها الإسلام، وأن الذين حكموا المسلمين وصلوا إلى سدة الحكم عن طريق الوراثة وولاية العهد. وصحيح أنه كانت هناك دويلات انفصلت عن جسم الخلافة كليا أو جزئيا، وأنه كان هناك قتل وسجن وتعذيب وعزل لبعض الخلفاء، وأنه كانت هناك مذابح ومطاردة، وكان هناك تمرد على الدولة وثورات وقلاقل ومعارك واصطدام بين جيوش المسلمين، لكن رغم ذلك كله فإن الأمة لم تعرف قط في حياتها أيام الدولة الإسلامية أن حكامها حكموها بأحكام الكفر ولو ليوم واحد، بل حكموها على مدى القرون التي خلت بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم-ولم تدخل أحكام الكفر بلاد الإسلام إلا في أواخر الدولة العثمانية لما وصل حزب الاتحاد والترقي للحكم، فما حدث إذن في تاريخ الأمة هي حوادث وأمور تتعلق بالبشر وسلوكياتهم وليس بنظام الحكم.

فالبيعة مثلا سواء أخذت بمشورة من المسلمين أو بالقهر فإنها في كل الأحوال هي بيعة لخليفة وليست لملك، لأن الملوك لا يحتاجون إلى بيعة، وكرسي الملك تابع لسلالة العائلة المالكة ولا ينازعهم في ذلك أحد، أما الذي تعقد له الخلافة في الإسلام لا يشترط فيه أن يكون من سلالة الخليفة السابق له، ولهذا تعاقب على الحكم خلفاء ليسوا من سلالة واحدة مثل الأتراك العثمانيين الذين ليس لهم أي علاقة بسلالة الأمويين أو العباسيين، كما أن النظام الملكي يختلف عن نظام الحكم في الإسلام، وأما الظلم والتعدي على الحقوق الذي يتحدثون عنه فذلك كان ولا شك ولكن ليس بشكل دائم ومستمر على طول تاريخ الأمة، بل عاشت الأمة الإسلامية ولفترات طويلة في هناء واطمئنان وعدل وازدهار حتى أن المضطهدين في العالم حينذاك كانوا يفرون إلى الدولة الإسلامية لتحميهم وترعاهم مثلهم مثل بقية رعاياها دون تمييز أو تفاضل، ومهما يكن فإن الشرع طلب منا طاعة أولي الأمر على شرط أن لا يحكموننا بالكفر أو يأمروننا بمعصية، فإن أحسنوا إدارة شؤوننا فقد أحسنوا لأنفسهم وإن أساؤوا فقد أساؤوا لأنفسهم لأن الله سائلهم يوم الحساب عما استرعاهم، فعن ” ‏أَبَي حَازِمٍ ‏قَالَ قَاعَدْتُ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏خَمْسَ سِنِينَ ‏فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ ‏‏عَنْ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏كَانَتْ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ‏” [البخاري ومسلم].

هذا الحديث يعطى دلالة واضحة عن لا يجوز أن يكون للمسلمين أكثر من خليفة، وأكثر من دولة واحدة، والثانية إن الخلافة ليس اختراع الصحابة بل هو النظام الذي تكلم عنه الرسول في الأحاديث النبوية، كلام مباشر وصريح لا يحتاج إلي تأويل أو اجتهاد في اختراع نظام سياسي للدولة الإسلامية، مادام الشرع قد أتي بنظام محدد، وتبقي الاجتهادات في كيفية تطبيق هذا النظام فيما لم يرد فيه نص أو فعل عن الرسول والصحابة في وسط تجمع منهم ويكون دليله إجماع الصحابة، وهو الدليل المتفق عليه داخل أهل السنة.

 الخلافة في الفكر الشيعي:

العجيب في الدكتور العوا إنه بالرغم من كلامه عن رأيه في الخلافة، يمتدح ما يسمي بولاية الفقيه في النظام الإيراني الحديث واعتبر أنه ابتكار حل الإشكالية التي مازالت مثار جدل داخل أهل السنة، وغاب عنه الفرق بين الرأيين، فالشيعة يتكلمون عن خليفة بعينه وله مواصفات، ففي الفكر الشيعي الاثني عشري: فإن الحكم يكون محصورا في الأئمة من نسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهم اثني عشر أماما آخرهم الإمام المهدي الذي اختفي في السرداب منذ أكثر من ألف ومائتي عام حين كان طفلا وهو محمد ابن حسن العسكري والذي ينتظر الشيعة الأمامية ظهوره، وفي غيبة الإمام الثاني عشر الذي طالت غيبته تم طرح نظرية “ولاية الفقيه” من جانب آية الله الخوميني ومهمة هذا الفقيه هي أن ينوب عن المهدي المختفي وقد لاقت تلك النظرية العديد من المؤيدين والمعارضين في الحوزات العلمية، ووفق تلك النظرية فإنه لابد من تشكيل حكومة إسلامية بواسطة فقيه عادل، ويعهد إلى نفسه بمبادرة تشكيل هذه الحكومة في إيران.

وبناء على اعتقاد الإمام بتأثير الزمان والمكان على الاجتهاد في الأحكام الإسلامية، وعلى أساس حصول ضرورات في شكل الحكم الإسلامي، قدم الخوميني فكرة “الجمهورية الإسلامية” كنموذج يناسب أفكار، ومعايير المجتمع البشري لهذه الفترة، هذا الولاية ليست محل إجماع بين فقهاء الشيعة أنفسهم ورغم ذلك يمتدحها الدكتور العوا و يعتبرها بمثابة طوق النجاة للفكر السياسية الإسلامي وهذا رأي جانبه الصواب كثيراً لعدم وجود إشكاليه داخل نظام الخلافة كما يراه أهل السنة، ومازالت كتب السياسية الشرعية التي كتبها فقهاء المسلمين السابقين أو التي كتبها المسلمين المعاصرين تطرح الفكر السياسي للإسلام، أم الأفكار الانهزامية والتي لا تعبر عن الإسلام الصحيح نظرا لسقوطها أمام الزحف الثقافي الغربي والتي أدت بنا إلي البحث عن حلول لمشكلة ليست موجودة من الأساس .

بقلم: محمود طرشوبي: كاتب مصري وباحث في الحركة الإسلامية.

1512

الكاتب

محمود طرشوبي

كاتب صحفي متخصص في الشأن السياسي وخاصة الاسلام السياسي و لي عدة أبحاث منشورة في عدد من الصحف و المراكز البحثية.

التعليقات

  • د. عماد الحسيني الرابطة العالمية لخريجي الأزهر منذ شهرين

    نداء للدكتور الصلابي، ومن خلاله: لعلماء الأمة.. حقناً للدماء ودرءً للفتنة وإبراءً للذمة
    الحمد لله الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد
    صاحبا الفضيلة د.علي الصلابي ومفتي ليبيا.. السيد فايز السراج الرئيس غير التوافقي للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة عقب مؤتمر الصخيرات.. السادة أصحاب الفضيلة بسواعد الإخاء.. أصحاب الفضيلة بالسلطة القضائية السودانية.. أصحاب الفضيلة مفتي السودان وليبيا والجزائر واليمن.. هيئة كبار العلماء بمصر والسعودية.. شيوخ الصحوة والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.. شيوخ وعلماء ومفتي ودعاة العالَمَين الإسلامي والعربي.. تحية من عند الله مباركة طيبة.. وبعد:
    فلأن الفكر لا يُرد إلا بالفكر، فقد سُطِّر هذا المقال بشأن الرد على الإخواني الليبي د.على الصلابي، ثاني أعضاء (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) المدرجين في قائمة الإرهاب التي أعلنتها الإمارات ومصر والسعودية والبحرين، بعد الشيخ القرضاوي.. في محاولة تبرئة نفسه مما يجري في ليبيا الآن، نافياً أن يكون وجماعته: من (الخوارج).. وقد نوهتُ في هذا المقال لبعض الخطوط العريضة التي لم تخرج عن نصوص الشرع، والتي يمكن بشيء من التجرد أن يعيد د.الصلابي ومعه مفتي ليبيا النظر فيما يدينان الله به ويثوبان إلى رشدهما، إن كانا يبغيان حقاً حقن الدماء، ويريدان صدقاً معرفة الحق وينتويان العمل به والرجوع إليه.. وليعلم القارئ أننا بصدد فكرٍ ظلاميٍّ دموي لطالما ألفيناه يُفني ولا يُحيي، ويُقصي ولا يُدني، ويُفرق ولا يقرب، ويخرب ويدمر ولا يعمر، ومن ثم وجب على كل المنضوين تحته أن يعلموا أصوله وخطاياه وخباياه، وبخاصة لو كانوا محسوبين على أئمة الإسلام ويتكلمون باسمه.. ونقول:
    إنه يكفي أن يكون د.الصلابي وكل من كان على مثاله من الأئمة والدعاة: منتمياً لجماعة الإخوان، حتى يُحكم عليه بأن يده ملطخة بدماء الموحدين بشكل أو بآخر، وأنه آثم وخارجي يحمل بذور فكر الحرورية وتكفير المجتمعات الإسلامية والخروج على حكام المسلمين ومنهم –بالطبع– الأئمة المتغلبون.. فليس بخافٍ على أحد تكفير أئمة الإخوان: (وجدي غنيم) و(محمد عبد المقصور) و(سلامة عبد القوي) وكيل وزارة الأوقاف بحكومة د.مرسي، وغيرهم كثير بمصر وغيرها؛ لمن أراده الله أزلا أن يكون –من غير الإخوان– حاكماً للمسلمين، يكفرونه بالعين ويجهرون بذلك ليل نهار دون ما ضوابط شرعية، ولا تحققٍ لشروط ولا انتفاءٍ لموانع، بل ويكفرون من يؤيدونه من جموع المصريين وهم عشرات الملايين، ولك أن تقول إنهم يفعلون ذلك مع كل من يناصبهم العداء حكاماً أو محكومين، في: ليبيا والسودان واليمن والجزائر وتونس وغيرها، وهذا وحده كاف لأن يتبرأ من هذا الفكر الخارجي التكفيري: كل من يريد لنفسه السلامة، وكل من يريد أن يقف على خطر هذه الجماعة الإرهابية المارقة، وكل من يريد أن يتبع نهج أهل السنة وسلف الأمة، على الأقل خوفاً على نفسه من أن ترتد عليه هذه الكلمة.
    =ودعونا نقرُّ ونعترف بأن فتنة عصفت في الآونة الأخيرة بالمسلمين، أضلعتهم وطالت الأخضر واليابس، وكادت أن تهلك بديار الإسلام الحرث والنسل، وأن القتل قد استحر بشبابٍ وجندٍ مسلمين وعلى يد مسلمين مثلهم، وأن هذه الحروب فيما بينهم قد طال أمدها وأنها لا زالت مستعرة، وأن أكثر الدعاة –قصدوا أو لم يقصدوا، دروا أو لم يدروا– هم سببٌ في تأجيجها، وأنه قد تحقق فينا ما نهى عنه الرسول في قوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقوله: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة جاهلية، ومن قُتل تحت راية عُمِّيَّة يغضب للَعَصبة ويقاتل للعَصبة فليس من أمتي، ومن خرج من أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي بذي عهدها، فليس مني)، وقوله: (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.. يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، وأنه لا بد من وضع حدٍّ لهذه المأساة.. وأبدأ بمجموعة من الثوابت علّها تضيء لجميعنا طريق الهداية والرشاد.
    أولاً: تحقيقاً لموعود رسول الله صلوات الله عليه الذي جاء في قوله: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يَرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة.. الحديث)، قرر علماء وسلف الأمة أن المرحلة الأخيرة التي تلي الحكم الجبري لم يتركها النبي للاجتهاد، بل قال –في إشارة إلى آخر من تؤول إليه الخلافة التي ستكون على منهاج النبوة في آخر الزمان بعد الحكم الجبري –: (لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً.. ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملؤها قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وعدواناً)، وقال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً مني – أو قال: من أهل بيتي – يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاًً كما ملئت ظلماً وجوراً).
    وما ألمح إليه –صلى الله عليه وسلم– هنا من أن: الخلاقة سابقاً ولاحقاً لا تخرج عن (قريش)، جاء التصريح به في قوله: (الأئمة من قريش)، وعليه علق (الماوردي) في (الأحكام السلطانية) ص 3 وما بعدها بقوله: “وبه احتج أبو بكر يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة، لما بايعوا سعد بن عبادة، فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا: (منا أمير ومنكم أمير)، تسليماً لروايته –بأبي هو وأمي– وتصديقاً لخبره.. وفي الحديث الصحيح: (قدِّموا قريشاً ولا تَقََدَّموها)، وليس مع النص المُسَلّم به شبهةٌ لمنازع فيه، ولا قولٌ مخالفٌ له”إ.هـ.. وبشأنه يقول (الإمام أحمد) في كتاب (السنة): “والخلافة في قريش ما بقي اثنان، ليس لأحد أن ينازعهم فيها، ولا يَخرج عليهم، ولا نُقِرُّ لغيرهم بها إلى قيام الساعة”، وهذا يصدقه ما رواه البخاري من حديث: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان)، وحديث: (إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد، إلا كبّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين)، وحديث: (الناس تبع لقريش في الخير والشر)، يعني: في الإسلام والجاهلية، كما في رواية: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم)، وقد علق النووي في شرح مسلم بعد ذكره جملة من الأحاديث في ذلك، فقال – وبنحوه ابن حجر في باب (الأمراء في قريش) 13/ 126 وما بعدها –:
    “هذه الأحاديث وأشباهها، دليل ظاهر على أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك مَن بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرَّض بخلافٍ من غيرهم، فهو محجوج عليه بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم وبالأحاديث الصحيحة، قال القاضي عياض: (اشتراط كونه قرشياً: هو مذهب العلماء كافة)، قال: (وقد عدّها العلماء في مسائل الإجماع، ولم يُنقل عن أحد من السلف فيها قولٌ يخالف ما ذكرنا، وكذلك مَن بعدَهم في جميع الأعصار)، قال: (ولا اعتداد بقول النَّظّام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش)”، لاحظ معي كل كلمة مما ذكرنا، وعض على هذه النصوص بالنواجذ، فإن إثم مخالفتها تلحق (أردوغان) ومن يسانده، وتقضي بالخروج على إجماع وجماعة أهل السنة.
    على أن الإمام النووي لم يكتف بما سبق أن ذكره، حتى جعل يؤكد ويصرح بأن هذا الحكم باق ببقاء الزمان قائلاً: “وبيّن النبي أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا، ما بقي في الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله عليه السلام.. فمن زمنه إلى الآن: الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم فيها، وتبقى كذلك ما بقي اثنان كما قاله”.. وعبارة الطبري بعد أن ساق الأدلة: “وإذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن الخوارج من غير قريش”.. وهذا –بالطبع– حكمٌ شرعي ثابت، يقضي بأن من طلبها وسعى إليها من غيرهم، حكمه حكمهم إلى آخر الدنيا، وكل لبيب بالإشارة يفهم.
    هذا، وقد خلص د. الدميجي في كتابه (الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة) ص 265 إلى القول بأن “القرشية شرط من الشروط التي وردت النصوص عليه صريحة، وانعقد إجماع الصحابة والتابعين عليه، وأطبق عليه جماهير علماء المسلمين، ولم يخالف في ذلك إلا النزر اليسير من أهل البدع كالخوارج وبعض المعتزلة والأشاعرة”، ثم نقل أقوال الأئمة في اشتراطها، ولم يكتف بذلك حتى فنّد كلَّ ما خالف إجماعهم.
    ومن غير مَن ذكرنا، فقد نص على كونها في قريش وساق الإجماع لذلك: الشافعي، وذلك في وصيته التي رواها عنه الحسين بن هشام البلدي ومعتقده الذي رواه عنه أبو ثور، وكذا الإمام الطبري في (التبصير في معالم الدين)، والبربهاري ت 329 في كتابه (شرح السنة) ص39، وغيرهم كثير.. وعليه فمَن تجرأ وخرج عن إجماع أهل السنة أو تابع مَن فعل ذلك، فقد التحق وارتضى لنفسه أن يكون في مصاف المعتزلة وكلاب أهل النار.
    بل وصل الأمر –في تثبيت الخلافة في قريش وقصرها عليهم– إلى حدِّ أن ذكر النبي عدد أولئك الخلفاء حسماً لمادة الخلاف، وذلك قوله عليه السلام في صحيح مسلم: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً.. كلهم من قريش)، ولفظ البخاري 7222: (يكون اثنا عشر أميراً.. كلهم من قريش).. وفي تأخر المهدي وعدم اشتراط تواليهم؛ يقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية 55 من سورة النور: و”لا يشترط –في الاثني عشر– أن يكونوا متتابعين.. وقد وُجد منهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ.. ومنهم المهدي الذي اسمه يطابق اسم رسول الله وكنيتُه كنيتَه، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً”إ.هـ بتصرف، وينظر فتح الباري لابن حجر 13/ 224 وما بعدها.
    وعمن ولي الخلفاء الراشدين أفاد ابن حجر في الفتح 13/ 277 بعد تحقيق مستفيض، أن الخلافة الوارد ذكرها في الأحاديث وأنها لا تكون إلا في قريش، والتي اجتمع عليها من يقوم بها كما ورد في حديث جابر، انحصرت بعد الخلفاء الراشدين في: (يزيد بن معاوية)، ثم (عبد الملك بن مروان)، ثم أولاده الأربع: (الوليد وسليمان ويزيد وهشام)، وتخلل بين سليمان ويزيد: (عمر بن عبد العزيز).. وبعدهم “انتشرت الفتن وتغيرت الأحوال ولم يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك”.. وبذا يصير (مهدي أهل السنة المنتظر) هو الخليفة الثاني عشر بلا منازع.
    وبالمناسبة فإن ما سوّغ لعبد الملك بن مروان إرسال الحجاج وفعله ما فعل بابن الزبير والكعبة، إلا كونه من قريش، وإلا لما تأتى لهما ولا لابن عمر –مضرب المثل في الحفاظ على السنة– أن يخالفوا الأحاديث الواردةَ بشأن ذلك.. ومع كثرة ما ارتكباه، فقد صلى ابن عمر خلف الحجاج وأذعن لسلطان عبد الملك، حتى إنه –كما أورد البخاري (7203، 7205، 7272)– كتب لعبد الملك يقول: “إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بنيَّ قد أقروا بمثل ذلك)، وذكر ابن حجر في الفتح 13/ 261 في (كتاب الاعتصام بالسنة) ما نصه: “والغرض منه هنا: استعمال سنة الله ورسوله في جميع الأمور”.
    ما يعني ويؤكد: أن خلافة المسلمين الحقة لدى أهل السنة بيِّنة المعالم بحيث لا تشتبه على منصف أو باحث عنها، وأن جماعة أهل السنة الموعودة بالنصر والتمكين، خليفتها في: (الإمامة العظمى) قد حُدِّد وحسم أمره وعُلم بالضرورة من خلال النصوص الصريحة والوقائع الحاصلة[ينظر كتابنا (إماطة اللثام فيما تمس الحاجة لمعرفته من عقائد وأحكام) ط. دار ابن عباس بالقاهرة: المقدمات، وصفحات: 74، 290، 329، 417، 535 وما بعدها].

    ثانياً: وأما الإمامة الصغرى ببلدان عالمينا العربي والإسلامي، فلا تنطق شروطها بحال على جماعة الإخوان لعدة أسباب شرعية.
    منها: حرصهم عليها وتنصيبهم مراقب عام لها في كل دولة، يستوجبون له حق السمع والطاعة دون من سواه من الأئمة الممكنين أصحاب الشوكة، وقد نُهينا شرعاً نحن معاشر أهل السنة أن نولي هذا الأمر رجلاً حرص عليها، للحديث المتفق عليه: (إنا والله لا نُوَلي هذا العمل أحداً سأله أو أحداً حرص عليه)، وقد ذكره النووي في (رياض الصالحين) ضمن ستة أبواب عقدها في: (أمر ولاة الأمور بالرفق برعاياهم)، و(الوالي العادل)، و(وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية)، و(النهي عن سؤال الإمارة)، و(حث السلطان في اتخاذ وزير صالح)، و(النهي عن تولية الإمارة لمن سألها وحرص عليه) وهي جديرة أن تقرأ ويُعمل بها لمسيس الحاجة إليها وكونها تمثل واجب الوقت.
    ومنها: أخذهم بيعات لمن نصّبوهم، ينازعون من خلالها الأمر أهله، وفي سبيل تحقيق ذلك أمر البنا بأخذ البيعات العامة ليس على نصرة الإسلام، وإنما على موالاته وجماعته ومرشديه حتى في المعصية، ومعاداة من خالفهمم.. ونصها –كما في كتاب (قانون النظام الأساسي لهيئة الإخوان وشُعَبِها) ص7–: (أُعاهد الله العلي العظيم، على التمسك بدعوة الإخوان المسلمين، والجهاد في سبيلها، والقيام بشرائط عضويتها، والثقة التامة بقيادتها، والسمع والطاعة في المنشط والمكره، وأقسم بالله العظيم على ذلك، وأبايع عليه، والله على ما أقول وكيل)، وهي بيعات كما ترى لم تكن ولم تقع إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فحكمها البطلان، وقد نهينا معاشر أهل السنة عن بيعات مطلقة كهذه، تكون لغيره عليه السلام في المعصية على نحو ما تكون في الطاعة، كما نُهينا عن: منازعة الأمر أهله وعن الخروج عن ولاة المسلمين من أصحاب الشوكة، وجميع كتب الاعتقاد على إقرار ذلك والتأكيد عليه، ونذكر على سبيل المثال قول أحمد في (أصول السنة) ص 64:
    “والسمع والطاعة: للأئمة وأمير المؤمنين البَرِّ والفاجر.. ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وقد كان الناس اجتمعوا عليه.. بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية، ولا يحلُّ قتالُ السلطان ولا الخروجُ عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق”.. وقول الإمام الطحاوي: “ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة”، وقول ابن أبي العز في شرح ذلك: “وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا: فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير للسيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل)”، وقول الألباني تعليقاً عليه: “وفي هذا بيان لطريق الخلاص من ظلم الحكام الذين هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، وهو أن يتوب المسلمون إلى ربهم، ويصححوا عقيدتهم، ويربُّوا أنفسهم وأهليهم على الإسلام الصحيح، تحقيقاً لقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. الرعد/ 11)”.. والكلام هنا منصب بالطبع على من لم يكن همه وحرصه على تولي الإمامة، أما من كان كذلك فحديث (إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله أو حرص عليه) يلزمه.
    ومنها: ما يترتب على هذا، من: وجود بيعات في كل دولة لأناس غير ممكنين ولا أصحاب شوكة ولا سلطان، وهذا ما لا يجوز شرعاً، وبحقه يقول شيخ الإسلام في (منهاج السنة)1/ 115: “النبي أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين، الذين لهم سلطان يَقدرُون به على سياسة الناس، لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلاً”، وفيه 1/ 527: “بل الإمامة عند أهل السنة تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها – يعني: لكونهم وكما أُثبتت الأحداث والوقائع الأدرى بما يحيق بالبلاد من أخطار والأقدر على فهم سياسات أعداء الإسلام– ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماماً، ولهذا قال أئمة السلف: من صار له قدرة وسلطان يفعل بهما مقصود الوِلاية، فهو من أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم ما لم يأمروا بمعصية الله، فالإمامةُ مُلك وسلطان”.
    ومن وجود أكثر من إمام في ديار الإسلام، وهذا فيه ما فيه من تفريق الأمة، ومن مخالفة ما جاء به ديننا الحنيف، ففي رواية لحديث مسلم: (من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان)، وفي أخرى: (فاقتلوه)، وفي أخرى: (إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما)، “وهذا –على حد قول ابن كثير في تفسير (إني جاعل في الأرض خليفة)– قول الجمهور، وقد حكا الإجماع عليه غير واحد، منهم إمام الحرمين” ابن الجويني، ونص كلامه كما في (الإرشاد إلى قواطع الأدلة في الاعتقاد) ص 169: “والذي عندي فيه، أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمَخَاليف غير جائز، وقد حصل الإجماع عليه”، وهو الموافق لقول الأثبات من المحدَثين، ففي (المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان) 1/ 367: “البيعة لا تكون إلا لولي أمر المسلمين، وهذه البيعات المتعددة مبتدَعة، وهي من إفرازات الاختلاف، والواجب على المسلمين الذين هم في بلد واحد وفي مملكة واحدة، أن تكون بيعتهم واحدة لإمام واحد، ولا يجوز المبايعات المتعددة” إ.هـ.
    ومنها: أن جماعة الإخوان تجعل من التمسك بتلابيب الحكم، والوصول من خلاله إلى ما نادي به البنا من (أستاذية العالم) بأي سبيل ولو على أشلاء ودماء الموحدين، أصلاً من أصول الدين وجزءً من معتقداتها، وتلك هي عقيدة الخوارج وأيضاً الروافض الذين رفضوا إمامة أبي بكر وعمر ويتقربون إلى الله بلعنهما، خلافاً لأهل السنة الذين يتعبدون الله بالولاء، وبالسمع والطاعة في غير معصية لصاحب الشوكة المسلم، برَّاً كان أو فاجراً، والدعاء له بالصلاح والهداية ما لم يأت كفراً بواحاً لنا فيه من الله برهان، والأحاديث ونصوص أصحاب الاعتقاد في ذلك أكثر من أن تحصى.
    ومنها: أن الإخوان يعتبرون مجتمعات المسلمين مجتمعات جاهلية، وأن من خالفهم أو كشف سوآتهم أو ردّ شبهاتهم: كافر وخارج عن جماعة المسلمين التي يمثلونها –بزعمهم– دون سواهم، ولا ندري مَن يحكمون إذن؟!.. وهذا يؤكده: ادعاؤهم بأن جماعتهم –على ما بها من أخطاء شرعية تفوق الحصر– هي جماعة المسلمين، وأن أئمتهم هم أئمة المسلمين، وأن الخارج علي أي منهما خارج عن الإسلام، كذا دون ما تمكين ولا إمام فعلي.
    وحتى لا يُدّعى علينا أن البنا فيما رسخه في أتباعه لم يقل بهذا ولا ارتضاه، لك أن تنظر إلى قوله في كتابه (دعوتنا) ص 16، يقول عن دعوته: “هي دعوة لا تقبل الشركة، إذ إن طبيعتها الوحدة، فمن استعد لذلك فقد عاش بها وعاشت به، ومن ضعف عن هذا العبء فسيُحرم ثواب المجاهدين، ويكون مع المُخَلّفين، ويقعد مع القاعدين ويستبدل الله لدعوته به قوما آخرين”، إنه التحريض بعينه لكل من لم يكن في جماعته، وجعله في عداد المنافقين.. ويقول في (مذكرات الدعوة والداعية) ص 263: “دعوتكم أحق أن يأتيها الناس، ولا تأتى هي أحداً، وتستغني عن غيرها، وهى جماع كل الخير، وما عداها لا يَسْلمُ عن النقص، إذن فأقْبِلوا على شأنكم ولا تساوموا على منهاجكم، واعرضوه على الناس في عزة وقوة، فمن مد لكم يده على أساسه فأهلاً ومرحباً في وضح الصبح وفلق الفجر وضوء النهار، أخ لكم يعمل معكم ويؤمن إيمانكم وينفذ تعاليمكم، ومن أبى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه”.. ماذا يفهم من هذا سوى ما قرّرناه آنفاً؟.
    ثم هو لا يقف عند هذا حتى يصنع من نفسه مطابقة واضحة وحقيقية مع النبوة، فالناس حياله –وعلى نحو ما جاء في بداية مجموعة رسائله– “واحد من أربعة: إما مؤمن بدعوته، وهذا يشبه المؤمنين السابقين الأولين ممن شرح الله صدورهم لهدايته.. وإما متردد شأنه كذلك شأن المترددين من أتباع الرسل.. وإما نفعي: إن كشف الله الغشاوة عن قلبه وأزاح كابوس الطمع عن فؤاده، سينضم إلى كتيبة الله، وكذلك كان شأن قوم من أشباهه حين أبوا مبايعة رسول الله.. وإما متحامل وهو الذي يأبى إلا أن يلج في غروره، وهذا حاله (إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء.. القصص/ 56)، و(اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)”إ.هـ.. كما جاء في (مجموعة رسائله) ص 181 ما نصه: “وإن أبيتم إلا التذبذب والاضطراب، والتردد بين الدعوات الحائرة والمناهج الفاشلة، فإن كتيبة الله ستسير غير عابئة بقلة ولا كثرة، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم”.. لقد فرض البنا لنفسه ولجماعته العصمة، وجعلهما –كذا بالجزم– كتيبة الله، ولا ندري ضد مَن سوى مخالفيه من المسلمين؟، فهل شُرع الجهاد لمثل هذا، أم ضد المشركين والمعتدين من أهل الكتاب؟!.
    وفي سبيله لترسيخ هذا المفهوم الخاطئ، يقول منظِّر الجماعة الذي شقيت به دولته، أ.سعيد حوى في (دروس في العمل الإسلامي) ص 19: “ولا زالت دعوة الإخوان وحدها، هي الجسم الذي على أساسه يمكن أن يتم التجمع الإسلامي في العالم”، ويقول في (آفاق التعاليم) ص 13: “لئن كان البنا بمجموع ما حباه الله هو المرشح الوحيد؛ لأن يطرح نظريات العمل الإسلامي، فالدعوة التي أقامها تركيب ذو نِسب معينة، فمتى اختلفت هذه النسب حدث الفساد”، ويقول عن جماعته: إنها “الجماعة التي ظهرت بها الآن صيغة الحق الوحيدة المتعارف عليها خلال التاريخ، والمتمثلة بأهل السنة والجماعة”.
    وقد أدى كل هذا بالطبع لأن تُصبِغ الجماعة هذا التصور بصبغة الإسلام وتتعسف في إسقاط الأدلة عليه، فيقرر حوى (في آفاق التعاليم) ص 15 ومعه كتيبة الإخوان، بأنهم المعنيون “بقوله  في الحديث المتفق عليه: (أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)”، ويردف مؤكداً هذا المعنى فيقول: “إن الأصل الذي لا يجوز أن يغيب عن المسلم، هو أنه لا بد للمسلمين من جماعة وإمام، وأن الواجب الكبير على المسلم، أن يكون ملتزماً بجماعة المسلمين وإمامهم، وهذا هو المفتاح الأول لفهم قضية الإخوان”.
    وكانت نتيجة ذلك بالضرورة: الوقوع في هوة تكفير الغير؛ والحكم على ديار المسلمين بأنها ديار جاهلية وكفر؛ وأن الخارج على جماعة المسلمين التي هي جماعة الإخوان، خارج عن الإسلام حلال الدم، لحديث: (من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه).. يقول حوى في كتابه (من أجل خطوة إلى الأمام) ص40 بعد أن ساق الحديث، ساحباً إياه على من خالف جماعته وإمامها: “وعلى كل مسلم ألا ينتسب لتنظيم أو جهة ليست من الجماعة، لأن الطاعة لا تجوز إلا لولي الأمر من المسلمين، وتحرم على غيرهم اختياراً”.. على أن حديث حذيفة الذي ذكره حوي نصَّ على أن شغور الزمان من إمام، أمر وارد وذلك قوله: (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟)، وردُّه عليه السلام: (فاعتزل تلك الفرق).
    ومعلوم بالضرورة أن مثل هذه الادعاءات التي ذكرها البنا وحوى، أكبر دليل على بدعية من يقول بها على ما أفاده ابن القيم في آخر (مختصر الصواعق)، بل إن ذلك وحده كاف لمنابذتهم، والقضاء ببطلان بيعاتهم، والحكم عليهم بأنهم خوارج وأصحاب بدعة، لا يُجالسوا ولا تُقرأ كتبُهم ولا يُسمع لأئمتهم، إذ في أمثالهم قال أحمد –وقد سُئل عمن كان هذا حاله فكلح وجهه–: “إنما جاء بلاؤُهم من هذه الكتب التي وضعوها، تركوا آثار رسول الله وأصحابه وأقبلوا على هذه الكتب” ص280 وما بعدها.
    ولا يَرِدُ على ما ذكرنا: أنَّا ابتلينا بحكام لا يهتدون بهدي النبي ولا يستنون بسنته، لأن جوابه يتمثل في قول شيخ الإسلام بـ (منهاج السنة) 1/ 556 –وهو يتحدث عما يقتضيه حديث حذيفة من وجوب طاعة الإمام ذي السلطان الموجود بالفعل والذي هذا حاله، لكن له القدرة على عمل مقصود الوِلاية ولم يأت كفراً بواحاً لنا فيه من الله برهان –: “وهو عليه السلام قد أخبر أنه بعد ذلك يقوم أئمة لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته، وبقيام رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس، وأمر مع هذا بالسمع والطاعة للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فتبين أن الإمام الذي يطاع: هو من كان له سلطان، سواء كان عادلاً أو ظالماً”، وجوابه كذلك: أن ذلك ناشئ عن قصورنا نحن في تربية النشْ على منهج السلف ودعوة الناس إليه، ففي الخبر: (كما تكونوا يُولى عليكم).
    وما على المؤمن الحق – حيال كل ما ذكرنا – إلا أن يُسلِّم وبخاصة في هذه القضايا الملحة والمعاصرة، والتي تمثل فقه الواقع: بما وردت به النصوص ولا يبتدع في دين الله ما يعود على الأمة بالخراب والدمار على ما هو حاصل في زماننا تحت دعاوى عودة الخلافة وأستاذية العالم، فإن من وراء ذلك منازعة الأمر أهله، ومن دونه تدمير الأمة وإعمال القتل في أفرادها، وإنفاذ ما يخطط له لأعداء الإسلام.. هذا ما سمح به الوقت، وأظن أن فيه الكفاية في الحكم على جماعة الإخوان وكل من ينتمي إليها ويفعل فعلها، من الخوارج وممن يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية[وللمزيد من ذلك ينظر كتابنا (إماطة اللثام عما تمس الحاجة لمعرفته) صفحات: 280، 444، 535 وما بعدها].. نسأل الله أن يحفظنا وديارنا وولاة أمورنا على طاعته، وان ينجنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.. إنه ولي ذلك والقادر عليه.. اللهم آمين.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. د. عماد الحسيني الرابطة العالمية لخريجي الأزهر

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    مشاركة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.