Want create site? Find Free WordPress Themes and plugins.

كانت الهجمة الفكرية الشرسة التي تعرض لها الفكر الإسلامي في القرنين الماضيين شديدة لدرجة أنها بدأت تساور الشكوك الكثير من المفكرين والباحثين الإسلاميين وذلك منذ مطلع القرن الماضي، وكان سقوط الخلافة الإسلامية سبباً جوهرياً في بداية الحديث عن طرح قضية هل الإسلام له منظومة سياسية نستطيع تطبيقها في العصر الحديث؟ بل تعد ذلك إلى سؤال طرحه علي عبد الرازق في عام 1925، وهو هل يوجد في الإسلام نظرية سياسية يمكن دارستها والخروج منها بنظام سياسي؟ أم أنه لا يوجد نظرية سياسية وكل الحاصل هو مجرد ممارسات تاريخية؟

في أطروحته «السلطة في الإسلام نقد النظرية السياسية» (الصادرة عن المركز الثقافي العربي بيروت ينطلق عبد الجواد ياسين من فرضيتين أساسيتين:

أولاهما: أن النظرية السياسية في الإسلام نظرية وضعية لم يؤسسها النص، بل التاريخ.

وثانيتهما: عدم استجابة هذه النظرية لمعايير الحداثة السياسية والاجتماعية. ومن خلال ما سماه( تعددية السلفيات الإسلامية) يدرس الكاتب ثلاثة نماذج في مقاربته لإشكالياته: أهل السُنّة والجماعة، الإمامية الاثنا عشرية، والإباضية أي الخوارج، التي أسست بدورها لعقول لا يجمعها سوى الخلاف على السلطة، وهنا أدت الفرق الكلامية والمذهبية دورها في تأجيج جدلية الصِدام عبر حشد أكبر قدر ممكن من الأدبيات السياسية، التي لم تخرج بنظرية تحمل بذور التطور لجهة ما يفرضه الواقع من متغيرات، ما أحالها الى نوع من التكرار الفقهي تحت لواء الخلافة حيناً والإمامة حيناً آخر. وبكثير من القراءة الواقعية يؤرخ ياسين للمشهدية التاريخية المنتجة لهذه السلفيات؛ فمنذ نشأتها لم تعمل على مقارعة نظريات الحكم خارج مجالها، ما جعلها عبارة عن طاقة فقهية تدخل في سياق الرد والرد المضاد، ولم تستطع حتى اللحظة تحديث إرثها السياسي، فدخلت فيما اصطلح عليه ياسين بـ (أزمة العقل الإسلامي المعاصر)

هذا الجدل الدائر في العالم العربي منذ مطلع القرن إشتعل جداً في الفترة الأخيرة خاصة بعد الثورات العربية والتي نجحت في إسقاط أنظمة عتيدة وهزة أنظمة أخري، و لكن الصراع المستعار الآن علي جميع الجبهات الفكرية والتي تطرح نفسها كبديل عن النظم الموجودة جعل كثير من الكتاب والمفكرين يطرحون الإسلام كبديل عن النظم البائدة خاصة وهو النظام الذي كانت المنطقة العربية تحكم به قبل نشأة الدولة الوطنية في العصر الحديث، ولكن نخبة من مفكري هذه الأمة رفضت أن يكون حتي في الإسلام نظرية سياسية، كأنهم يريدون اعتقال قسري لعقولنا، فكيف تعيش أمة طوال ثلاثة عشر قرناً بدون نظام سياسي يحكمها وكيف ملكت الآرض فترة من الزمن وهي لا تعرف كيف تسوس شعوبها.

وكانت الخلافة الإسلامية هي الحديث الطاغي على كثير من ألسنة المثقفين والكتاب في الصحف المصرية في الأيام القليلة الماضية، وبالطبع كان الهجوم على الخلافة والرد على السؤال المطروح دائماً وهو هل الإسلام به نظام سياسي يصلح للحكم أم لا؟ وهو السؤل المطروح منذ مطلع القرن السابق.

بعض الأمثلة علي ذلك:

1- نشرت جريدة المصري اليوم مقال للدكتور عمار علي حسن  بعنوان التجديد السياسي لـ«الإسلاميين» (2) (فإيمان الإسلاميين بحتمية عودة الخلافة، رغم أنها نظام حكم أبدعه صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يأمر به رب العزة، سبحانه وتعالى، طالما قادهم إلى معارك مريرة، مسلحة تارة وفقهية تارة أخرى، استنفدت على وجهيها جهدا كبيرا كان يمكن استخدامه في تطوير أفكار الحركة الإسلامية، بما يؤهلها لطرح برامج عصرية للحكم، ويفرض دمجها في الشرعية السياسية والمشروعية القانونية، وكان أيضا يمكن استخدامه في تشخيص داء التخلف المادي والفكري الذى يعانى منه المسلمون حاليا، حتى يكون بمقدرتهم وصف الدواء الناجع، الذى يعيد إليهم ولو جزءاً من قوتهم الحضارية التي غربت منذ قرون. أن التعلق بآمال عريضة والتمسك بغايات سامية مسألة ضرورية لإعطاء الحركة في الواقع المعيش زخما أكبر وتصورا أعمق وإصرارا أشد، شريطة أن تكون هذه الآمال وتلك الغايات قابلة للتحقق، وليست مجرد أوهام تتبدد حين يتم وضعها محل اختبار عملي).

 

2- وجاء في ندوة التي عقدتها كلية الآداب بجامعة طنطا، تحت عنوان «مصر إلى أين؟»، أوضح الدكتور  العوا، أن فكرة الخلافة الإسلامية غير مطروحة على الإطلاق في هذا الوقت، وأنه لن يقبل بعودة نظام الخلافة الذى ارتبط في فترة حكم النبي وخلفائه الراشدين، وبرر موقفه من عدم عودة الخلافة بأن خليفة المسلمين يناط به إمامة المسلمين في الصلاة، وتسيير الجيوش، وتقسيم الغنائم وتعيين القضاة، وغيرها واتخاذ القرارات دون غيره وهو ما لم نقبله في مصر بعد ثورة 25 يناير، لأن التفرد بالحكم أورثنا الذل والمهانة وصنع الفراعين واللصوص. وأضاف نريد حكما دستوريا ولفترة واحدة، وأفضل ألا تجدد، وحكومات تحاسب أمام البرلمان بعد أن قضينا 40 عاما لم نوجه سؤالا واحد للحكومات.

 

3- وفي يوم 25/5/2011 نشرت المصري اليوم مقال للكاتب علاء الأسواني بعنوان (هل نحارب طواحين الهواء طرح فيه السؤال المطروح منذ أكثر من مائة عام (هل كانت الدول الإسلامية المتعاقبة تطبق مبادئ الإسلام سواء في طريقة توليها الحكم أو تداولها السلطة أو معاملتها للرعية. ؟!) وكانت إجابته (أولاً أن الخلفاء الذين تولوا الحكم عن طريق القتل والمؤامرت كانوا في أحيان كثيرة حكاما أكفاء، أحسنوا إدارة الدولة الإسلامية حتى أصبحت إمبراطورية ممتدة الأطراف. لكن طريقتهم في تولى السلطة والحفاظ عليها لا يمكن بأي حال اعتبارها نموذجا يتفق مع مبادئ الإسلام. ثانياً: إن الصراع الدموي على السلطة لم يقتصر على حكام المسلمين في ذلك العصر، وإنما كان يحدث بين ملوك أوروبا بنفس الطريقة من أجل انتزاع العروش والمحافظة عليها. وكان أبشع ما في هذا المقال هو الافتراء علي الخليفة الثالث عثمان بن عفان عندما قال (حدثت مخالفات من الخليفة عثمان بن عفان، الذي لم يعدل بين المسلمين وآثر أقاربه بالمناصب والعطايا، فثار عليه الناس وقتلوه،) فنسأل الله لنا وله الهداية. وفي برنامجه على قناة الحياة تكلم الشاعر الكبير فاروق جويدة قائلاً (إن الذين يحاولون تحويل مصر إلي دولة دينية أو دولة خلافة إسلامية، أنها لا تصلح لخلافة إسلامية ولا تصلح لتلك الدعوات في الوقت الراهن).

 

4- واما الدكتور محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين ( قبل توليه الرئاسةفقد أطلق  تصريحات مضادة لتطبيق الشريعة وقال بصراحة: ” إن الجماعة لا تسعى لفرض الشريعة الإسلامية في مصر ” وأن فكرة الوطنية بوصفها إطارا أعلى من الشريعة يجمع كل المصريين فقال : ” لا نريد أبدا أن ننفرد بسلطة ولا نريد أبدا أن نسيطر على برلمان وليس هذا في مصلحة مصر ونحن نقدم مصلحة الوطن على كل مصلحة سواها، نريد برلمانا متجانسا الأغلبية فيه متوافقة وليست لفصيل واحد “.وحتى عندما سئل عن حكم شرعي واضح للعامة وهو حكم تحريم الخمر قال : ” إن البرلمان هو الذي سيقرر ذلك ” وفسر مرسي المرجعية بأنه لا تعني تطبيق الأحكام الشرعية فقال : ” إن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع هذا النص يُحترم والنص واضح، مبادئ الشريعة الإسلامية وليس تفاصيل أحكام الفقه.

5- ‏وأكد الدكتور كمال الهلباوي المتحدث الإعلامي السابق للإخوان في أوروبا إن حكم مصر ليس هو الخلافة الإسلامية‏، ‏ وذلك في أول لقاء جماهيري عقد بدار الحكمة، مشيرا إلى أن ولاية مصر ليست الولاية العظمي أو الخلافة.

هذه بعض الآراء التي انطلقت علي الساحة المصرية في الفترة الأخيرة، هذه الآراء هي ترديد لما قاله كثير من المستشرقين أولاً ثم ردده ورائهم من المطبوعين بهم ثقافة وفكراً، بدء من كتاب علي عبد الرازق المشكوك في نسبه إليه وميل أكثر الباحثين إلي إنه لطه حسين رواية عن أستاذه المستشرق مرجليوث وهو الحاقد علي الإسلام ظاهراً وباطناً، ثم أنتشر هذا الرأي وأصبح هو الرأي السائد في جميع الأوساط الفكرية والإسلامية، وأصبح الرأي الذي يقول بخلافة واحدة لا يقول به إلا بعض التيارات السياسية الإسلامية، بل وأصبح رأيها يعتبر خارج عن مجموع الآراء المتبنة داخل العقل البحثي في العالم الإسلامي.

أن ” القائلين بأن الخلافة ليست هي النظام السياسي للإسلام، فأي النظم السياسية جاء بها الإسلام، علي أن لا يقول لنا إن الديمقراطية والتعددية والشورى والدول المصطنعة والحدود الوهمية بين الدول، والفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة، إن هذا هو النظام الذي أتي به الإسلام، أو إن الإسلام لم يأتي بنظام محدد – الكلمة التي قالها المستشرقين ورددها أبناء الإسلام بدون دارية – لم يعد هذا الكلام مقبول بعد كل الدارسات والكتب التي ناقشت الخلافة كنظام سياسي وحيد للإسلام، و إن المسلمين لم يعرفوا غيره طوال تاريخهم،  ولم يخرج من علماء المسلمين ومفكريهم طوال تاريخهم من يقول لنا إن الخلافة ليست نظاماً إسلامياً .
أنني أتعجب عندما أري الغرب يعلن في صراحة أنه يعيش حالة من الخوف نتيجة انتشار فكرة عودة الخلافة، وأصبح القادة في الغرب يعتبرونها حقيقة قد تحدث في أي لحظة،  و لكننا نجد من أبناء الإسلام من ينكر ليس فقط كونها عائدة فقط بل ينكر كونها من الإسلام.
إن هذا القول لم يكن يقوله الصبيان في دولة الخلافة “وكان استحالة صدور هذا الرأي في أيام وجود الدولة الإسلامية، الأمر الأخر هو إن جمع من هؤلاء قد تربوا على القوالب الفكرية المصطنعة في العالم الغربي.

فكرة الخلافة:

إن فكرة الخلافة التي يتهكم عليها هؤلاء الذين نحسبهم منا وينتمون بهويتهم إلى هذه الأمة هي من صميم أفكار الإسلام وليست فكرة دخيلة عليه كالفكرة الرأسمالية والديمقراطية والاشتراكية. بل هي من أمهات أفكاره، وهي نظام حكمه. وقد وردت أحاديث كثيرة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تبين ذلك منها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ» ‏. ‏ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ»‏.‏ وما رواه أحمد عن حذيفة (رضي الله عنه) في حديث يبشر بعودة الخلافة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ». إذن من استهزأ بالخلافة أو تهكم عليها أو اعتبرها وهماً وخيالاً وحلماً كأنما سفّه هذه الأحاديث واستنقص من شخص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه، لأن فكرة الخلافة ونظام الخلافة ليس من اختلاق المتحدث ولم (يفبركها) من عنده، بل أخذها كغيره من المسلمين من الإسلام ومن الأدلة الشرعية التي جاءت تبين ذلك. ولهذا كان الاعتراض على هذه الفكرة أو الاستنقاص منها جرم عظيم.
إن الذين يبغضون الخلافة لا ينامون الليل خوفاً منها، كلما اقتربت ولذلك يبدئوا في المحاولات بكل الأساليب لإقناعنا بأن فكرة الخلافة فكرة فاسدة لا تتناسب مع زمن التعددية والحريات وما شاكل ذلك. ثم يبدأ في سرد التاريخ من كتب الشيعة ومن الكتب التي تمتلئ بالأحاديث الموضوعة والمختلقة ليثبتوا إن الخلافة لم تكن إلا تاريخ أسود على المسلمين، والعكس هو الصحيح.
الخلافة ليست بدعة ولم تحكم العالم فترة وجيزة ومن بعد اختفت إلى الأبد بل أن هذا النظام استمر لعدة قرون ولم تسقط الدولة الإسلامية إلا بمؤامرات شديدة من الداخل والخارج. هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى فإن القضية هنا لا تتعلق بالحكام وسلوكياتهم، وإنما تتعلق بالنظام ذاته.

أي لا تتعلق بالخلفاء والولاة وعمال الدولة والأحداث والوقائع، وإنما تتعلق بنظام الحكم والدستور والقوانين، هذه هي المسألة الجوهرية في قضية الخلافة. فحينما نتحدث عن الوقائع التاريخية فإنه من الممكن أن يحصل مثلها في أي زمان، سواء كان زمن الخلافة أم هذا الزمان، لأن الذين يسوسون الناس هم بشر غير معصومين.

فصحيح أنه كان هناك ظلم وتجاوزات لا يقرها الإسلام، وأن الذين حكموا المسلمين وصلوا إلى سدة الحكم عن طريق الوراثة وولاية العهد. وصحيح أنه كانت هناك دويلات انفصلت عن جسم الخلافة كليا أو جزئيا، وأنه كان هناك قتل وسجن وتعذيب وعزل لبعض الخلفاء، وأنه كانت هناك مذابح ومطاردة، وكان هناك تمرد على الدولة وثورات وقلاقل ومعارك واصطدام بين جيوش المسلمين، لكن رغم ذلك كله فإن الأمة لم تعرف قط في حياتها أيام الدولة الإسلامية أن حكامها حكموها بأحكام الكفر ولو ليوم واحد، بل حكموها على مدى القرون التي خلت بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم-ولم تدخل أحكام الكفر بلاد الإسلام إلا في أواخر الدولة العثمانية لما وصل حزب الاتحاد والترقي للحكم، فما حدث إذن في تاريخ الأمة هي حوادث وأمور تتعلق بالبشر وسلوكياتهم وليس بنظام الحكم.

فالبيعة مثلا سواء أخذت بمشورة من المسلمين أو بالقهر فإنها في كل الأحوال هي بيعة لخليفة وليست لملك، لأن الملوك لا يحتاجون إلى بيعة، وكرسي الملك تابع لسلالة العائلة المالكة ولا ينازعهم في ذلك أحد، أما الذي تعقد له الخلافة في الإسلام لا يشترط فيه أن يكون من سلالة الخليفة السابق له، ولهذا تعاقب على الحكم خلفاء ليسوا من سلالة واحدة مثل الأتراك العثمانيين الذين ليس لهم أي علاقة بسلالة الأمويين أو العباسيين، كما أن النظام الملكي يختلف عن نظام الحكم في الإسلام، وأما الظلم والتعدي على الحقوق الذي يتحدثون عنه فذلك كان ولا شك ولكن ليس بشكل دائم ومستمر على طول تاريخ الأمة، بل عاشت الأمة الإسلامية ولفترات طويلة في هناء واطمئنان وعدل وازدهار حتى أن المضطهدين في العالم حينذاك كانوا يفرون إلى الدولة الإسلامية لتحميهم وترعاهم مثلهم مثل بقية رعاياها دون تمييز أو تفاضل، ومهما يكن فإن الشرع طلب منا طاعة أولي الأمر على شرط أن لا يحكموننا بالكفر أو يأمروننا بمعصية، فإن أحسنوا إدارة شؤوننا فقد أحسنوا لأنفسهم وإن أساؤوا فقد أساؤوا لأنفسهم لأن الله سائلهم يوم الحساب عما استرعاهم، فعن ” ‏أَبَي حَازِمٍ ‏قَالَ قَاعَدْتُ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏خَمْسَ سِنِينَ ‏فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ ‏‏عَنْ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏كَانَتْ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ‏” [البخاري ومسلم].

هذا الحديث يعطى دلالة واضحة عن لا يجوز أن يكون للمسلمين أكثر من خليفة، وأكثر من دولة واحدة، والثانية إن الخلافة ليس اختراع الصحابة بل هو النظام الذي تكلم عنه الرسول في الأحاديث النبوية، كلام مباشر وصريح لا يحتاج إلي تأويل أو اجتهاد في اختراع نظام سياسي للدولة الإسلامية، مادام الشرع قد أتي بنظام محدد، وتبقي الاجتهادات في كيفية تطبيق هذا النظام فيما لم يرد فيه نص أو فعل عن الرسول والصحابة في وسط تجمع منهم ويكون دليله إجماع الصحابة، وهو الدليل المتفق عليه داخل أهل السنة.

 الخلافة في الفكر الشيعي:

العجيب في الدكتور العوا إنه بالرغم من كلامه عن رأيه في الخلافة، يمتدح ما يسمي بولاية الفقيه في النظام الإيراني الحديث واعتبر أنه ابتكار حل الإشكالية التي مازالت مثار جدل داخل أهل السنة، وغاب عنه الفرق بين الرأيين، فالشيعة يتكلمون عن خليفة بعينه وله مواصفات، ففي الفكر الشيعي الاثني عشري: فإن الحكم يكون محصورا في الأئمة من نسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهم اثني عشر أماما آخرهم الإمام المهدي الذي اختفي في السرداب منذ أكثر من ألف ومائتي عام حين كان طفلا وهو محمد ابن حسن العسكري والذي ينتظر الشيعة الأمامية ظهوره، وفي غيبة الإمام الثاني عشر الذي طالت غيبته تم طرح نظرية “ولاية الفقيه” من جانب آية الله الخوميني ومهمة هذا الفقيه هي أن ينوب عن المهدي المختفي وقد لاقت تلك النظرية العديد من المؤيدين والمعارضين في الحوزات العلمية، ووفق تلك النظرية فإنه لابد من تشكيل حكومة إسلامية بواسطة فقيه عادل، ويعهد إلى نفسه بمبادرة تشكيل هذه الحكومة في إيران.

وبناء على اعتقاد الإمام بتأثير الزمان والمكان على الاجتهاد في الأحكام الإسلامية، وعلى أساس حصول ضرورات في شكل الحكم الإسلامي، قدم الخوميني فكرة “الجمهورية الإسلامية” كنموذج يناسب أفكار، ومعايير المجتمع البشري لهذه الفترة، هذا الولاية ليست محل إجماع بين فقهاء الشيعة أنفسهم ورغم ذلك يمتدحها الدكتور العوا و يعتبرها بمثابة طوق النجاة للفكر السياسية الإسلامي وهذا رأي جانبه الصواب كثيراً لعدم وجود إشكاليه داخل نظام الخلافة كما يراه أهل السنة، ومازالت كتب السياسية الشرعية التي كتبها فقهاء المسلمين السابقين أو التي كتبها المسلمين المعاصرين تطرح الفكر السياسي للإسلام، أم الأفكار الانهزامية والتي لا تعبر عن الإسلام الصحيح نظرا لسقوطها أمام الزحف الثقافي الغربي والتي أدت بنا إلي البحث عن حلول لمشكلة ليست موجودة من الأساس .

بقلم: محمود طرشوبي: كاتب مصري وباحث في الحركة الإسلامية.

1392

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.
الكاتب

محمود طرشوبي

كاتب صحفي متخصص في الشأن السياسي وخاصة الاسلام السياسي و لي عدة أبحاث منشورة في عدد من الصحف و المراكز البحثية.

اترك تعليقًا

*
*
*

موضوعات ذات صلة
مشاركة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.