اختيارات المحرر

فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ… هندسة الكتمان (قراءة يوسفية في فقه الاستعداد لرمضان)

تخيّل معي أنك تعيش في غربةٍ قاسية عن أهلك منذ أعوام، ثم جاءت اللحظة المرتقبة التي أنعم الله فيها عليك برؤيتهم، لكن بدلاً من الاحتفاء بك، وقفوا أمامك يتهمونك زوراً وبهتاناً؛ في لحظة كهذه، والكرامة مجروحة، والقُدرة على الرد حاضرة، والحقيقة تتوثّب على لسانك… كيف ستكبح جماح نفسك وتجبرها على الكتمان؟

في هذا الموقف العصيب، تجلّى أحد أوجه عبقرية يوسف عليه السلام حين ابتلع الإهانة وتحكّم في طوفان المشاعر التي غمرته في تلك اللحظة الحرجة، ليُخلّد القرآن صنيعه بهذا الوصف البليغ: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ}.

إنّ هذا “الإسرار” لا يجب أن يمرّ علينا مرور الكرام، خاصةً ونحن نستعد لشهر رمضان؛ فهذا الموقف يُعدُّ مدرسة متكاملة في مجاهدة النفس، وكمال الصوم، وترميم العلاقات، وصولاً إلى هيبة القيادة وحكمة القرار؛ تلك المساحات التي تفتقدها حياتنا المعاصرة. 

ولعلّ من حكمة الله عزّ وجل أن تتكرر هذه المدرسة في حياتنا كل عام عبر فريضة الصيام؛ فالصيام في جوهره ليس امتناعاً عن المباحات فحسب، بل هو تمرينٌ عميق على “الإسرار“: أن يُمسك الإنسان عمّا في جوفه وصدره، ويجعل سرّه مع الله وحده. وكما أسرَّ يوسف ما اضطرب في نفسه من حزنٍ وألمٍ وغضب، يُطالَب الصائم أن يُسرَّ جوعه وعطشه وإخلاصه بعيدًا عن أعين الناس.

 أولاً: الكتمان والنفس

أول دروس “هندسة الكتمان” في قصة يوسف عليه السلام هو درس “مجاهدة النفس” والمتمثّل في الفصل الدقيق بين ما يختلج في النفس وما يُسمح له بمغادرتها. حين سمع يوسف اتهام إخوته، شعر بالألم -بحُكم بشريّته- فقال في نفسه: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}، لكنه أمسك لسانه عن الرد العاجل، فكان إمساكه هذا عبادةً قبل أن يكون خُلُقًا.

الكتمان والنفس

وهنا تتجلّى حقيقة الصيام التي لخّصها الحديث القدسي: “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به.. فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم” (متفق عليه). فالصيام ليس كفّاً عن الطعام فحسب، بل كفٌّ عن اندفاع النفس حين تُستفز، وضبطٌ للسان حين يستشيط العقل غضباً. فإذا كان الصائم يترك المباح امتثالاً لأمر الله، فكتمان الغضب أولى وأدعى، وهو جوهر قوله تعالى:  ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.

في علم النفس المعاصر، وتحديدًا في دراسات “الذكاء العاطفي”، تبرز قيمة هذه اللحظة اليوسفية بوصفها أعلى درجات ضبط النفس. فالتمايز الحقيقي بين الشخصية الرزينة والشخصية الاندفاعية لا يكمن في نوعية أو شدة ما يتعرضان له من استفزاز، بل في تلك اللحظات الثمينة التي نملكها بين وقوع الحدث وبين استجابتنا له.

ولعلّ الطبيب النفسي فيكتور فرانكل (Viktor Frankl) قد لخّص هذه الحكمة في كتابه ” الإنسان يبحث عن المعنى” بقوله: “بين المثير والاستجابة توجد مسافة، في تلك المسافة تكمن حريتنا وقدرتنا على النمو“. 

فنصيحتي لك وأنت مقبل على رمضان أن تجعل من صيامك هذا العام معسكراً لزيادة هذه “المسافة”؛ تدرّب على “ثواني يوسف” قبل أن ترد على كلمةٍ جارحة أو رسالةٍ مستفزة، فمن مَلَك تلك المسافة، مَلَك حريّته.

ولهذا لمّا سُئل النبي ﷺ الوصيةَ الجامعة، قال: “لا تغضب”.

ثانياً: الكتمان والعالم

وإذا كان الكتمان في لحظة الاستفزاز هو لبّ حقيقة الصوم وتزكية النفس، فإنّ ميدانه الأوسع لا يظهر في الخصومات العابرة، بل في أقرب الدوائر إلينا: دوائر الرحم، حيث يكون الجرح أعمق، والكلمة أمضى، والقطيعة أيسر مما نظن.

  1. الكتمان وصلة الرحم

في هندسة العلاقات الإنسانية، يُعدّ الصمت عند الزلّة أرقى صور حفظ الوصل بيننا وبين أحبّتنا. لم يُسر يوسف عليه السلام الإساءة في نفسه عجزًا، بل تغافلًا؛ لأنه أدرك أنّ مواجهة إخوته ببهتانهم في تلك اللحظة الحرجة كانت ستغلق أمامهم باب الندم وتقطع عليهم طريق العودة. فالمواجهة التي تُبنى على تخجيل القريب لا تُقيم وُدّاً، بل تدفعه إلى التمترس دفاعًا عن كرامته المجروحة.

الكتمان وصلة الرحم

ونحن نتهيأ لرمضان، شهر صلة الأرحام، يتبيّن لنا أنّ أعظم ما يقف حائلاً بيننا وبين وصل أحبتنا هو الإصرار على استحضار “فواتير الماضي“. هنا يتجلّى معنى الكتمان بوصفه عبادة اجتماعية؛ أن تمتلك الحقيقة، وتعرف موضع الخطأ، ثم تختار أن تُسرَّه في نفسك لتُبقي باب الرجوع مفتوحًا. فهذا التغافل ليس ضعفًا، بل فقهًا في حفظ المودة.

ومن هنا نفهم أنّ تصفية القلوب في شعبان لا تكون بفتح الملفات القديمة، ولا بمحاسبة الأرحام على كل هفوة، بل بدفن الزلّات في مقبرة الكتمان. فمن أراد أن يُرفع عمله في شعبان وهو واصلٌ لرحمه، فليتعلم كيف يبتلع الكلمة الجارحة صيانةً لما بقي من ودّ.

تذكّر أنّ كسب القلوب أبقى أثرًا من كسب المواقف، وأنّ “صلة الرحم” لا تعني أن يكونوا مثاليين، بل تعني أن تكون أنت “يوسفيّاً” في سعة صدرك.

ولعلّ الاستعداد الحقيقي لرمضان يبدأ من تدرّبك في هذه الأيام على إخفاء ما اعتمل في صدرك، تعبيداً لطريق الوصل قبل أن يهلّ هلال رمضان؛ فالحرمان الحقيقي هو أن يدركك الصيام وقلبك مُثقل بالخصومة.

  1. الكتمان وعبادة السر

يمتدّ هذا المعنى إلى علاقتنا بالعالم من حولنا، في زمنٍ باتت أدواته لا تكتفي باستدراج الناس إلى الكلام، بل تُغريهم بكشف أدق تفاصيل حياتهم. فنحن نعيش في زمن “السيولة المعلوماتية”  أو ما يُعرف بالـ (Over-sharing)، حيث تحولت الخصوصية من “حصن” يحمي هيبة الإنسان إلى “سلعة” تُعرض في مزاد “الإعجابات”. فكل شعور عابر، وكل خاطرة إيمانية، بل حتى تفاصيل العبادات، أصبحت تُعرض في بث مباشر حتى أطلق البعض عليها: “استعراض التقوى“.

وبهذا فقد تحوّل شهر الصيام -للأسف- إلى مهرجانات من “الاستعراض الرقمي”؛ من تصوير الموائد إلى تصوير الدموع في المحاريب، مما أفقد العبادة جوهرها الحقيقي القائم على الإخلاص لله عز وجل.

فأين نحن من تلك القمة في هندسة الكتمان التي رسمها النبي ﷺ حين ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله، وكان منهم: “وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ”؟ إنها أقصى درجات السيادة على النفس؛ أن تكتتم الجارحةُ عن الجارحة، فكيف بمن لا يستطيع أن يكتم سرّه عن الغريب؟

إنّ “إسرار” يوسف ليس دعوة إلى الانغلاق، بل تذكير بحقٍّ إنساني أصيل: الحق في الغموض. فالكتمان ليس قطيعة مع العالم، بل صيانة للذات من الابتذال، وحفظ لمساحة داخلية تبقى عصيّة على الاستهلاك والاستباحة. وقد لاحظ باحثو السلوك الرقمي أنّ الإفراط في كشف تفاصيل الحياة الخاصة ينتهي إلى تآكل الهيبة وهشاشة البناء النفسي؛ إذ يصبح الإنسان مكشوفًا، متوقعًا، وسهل الاستهداف.

الكتمان وعبادة السر

وتذكّر أنّ “الخصوصية هي الوقود الذي يحرك الكاريزما والهيبة“. فكلما قلّ ما يعرفه الناس عن انفعالاتك اللحظية وتفاصيل حياتك، زادت هيبتك في عيونهم وقوتك أمام نفسك. لذا اجعل من رمضان القادم “مساحة يوسفية” مغلقة؛ تدرّب في شعبان على أن تفعل خيراً ولا تنشره، وأن تسرَّ هماً ولا تشكوه إلا لله، فمن مَلَك سرَّه.. مَلَك نفْسه.

ثالثاً: الكتمان والحكم

وإذا كان الكتمان يزكّي النفس، ويحفظ الوصل والهيبة، فإن امتحانه الأشدّ يظهر حين تتجاوز المسألة حدود الشعور والعلاقة، لتلامس القرار والسلطة ومسار الأحداث. هنا لا يعود الصمت شأنًا باطنيًا، بل يتحول إلى موقف قيادي كامل.

  1. القيادة 

في لحظة الاتهام، لم يكن يوسف عليه السلام أخًا جُرحت كرامته فحسب، بل صاحب سلطة ومسؤول قرار، يُدير شؤون الدولة، ويقودُ دفّة البلاد في أحلك أزماتها. لذلك تحوّلت الإهانة من اختبارٍ شخصي لرزانته، إلى برهانٍ على بلوغه كمال الأهلية في القيام بمهمته التي تداخلت فيها أعباء النبوة بتبعاتِ السياسة. حين قيل له: {فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}، كان الرد متاحًا، والانتصار اللفظي ممكنًا، لكن يوسف اختار ما هو أبعد أثرًا وأعمق نظرًا.

القيادة الرشيدة لا تُقاس بسرعة الرد، بل بقدرة القائد على حماية المسار من الاستفزازات الجانبية. فالقائد الذي ينشغل بالدفاع عن صورته في كل موقف، قد يكسب لحظة، لكنه يبدّد الرؤية. يوسف أدرك أنّ إشباع الغضب في تلك اللحظة قد يربك الخطة الكبرى: إصلاح القلوب، ولمّ الشمل، وتهيئة مستقبل لم يحن أوانه بعد.

ولا يسعنا هنا أن نغفل ذكر القاعدة الذهبية التي تقول: “إذا أردت أن تقود الأوركسترا، فعليك أن تعطي ظهرك للجمهور”. 

من هنا يمكن فهم الاستعداد الرمضاني بوصفه تدريبًا على انتزاع “جهاز التحكم” بمشاعرك من أيدي الآخرين. اجعل صمتك عن الإساءة “مناورة قيادية” تزيدك هيبة، وتذكر أنّ يوسف لم يصل إلى العرش إلا بعد أن أتقن فن الصمت في أحلك الظروف.

  1. السياسة

ويمتدّ هذا المنهج إلى السياسة؛ حيث لا تُقاس القوة بما يُقال على الملأ، بل بما يُحسن القادة كتمانه. فالمعلومة هي العملة الأثمن، والقدرة على تأجيل استخدامها هي ذروة الحنكة الدبلوماسية. في تلك اللحظة المفصلية، كان يوسف عليه السلام يتصرف بوصفه مسؤولاً عن خزائن الدولة (وزيراً للمالية)، يستقبل وفدًا خارجيًا. وحين وُجّه إليه الاتهام الجائر، كان بوسعه أن يحوّل المشهد إلى محاكمة علنية تُسقط هيبة الخصوم أمام الحاشية والخدم، لكنه اختار طريقًا آخر: صمتًا محسوبًا يحفظ به هيبة الدولة التي يُمثّلها. 

هذا ما يُعرف في فن التفاوض بـ “الاحتياطي التكتيكي ” (Tactical Reserve)؛ وهو أن تدرك حقيقة الخصم تماماً، وتعرف نقاط ضعفه، لكنك “تُسرّها” في نفسك لتستخدمها في اللحظة التي تخدم مصلحة الدولة العليا، لا لتشفي غليلك الشخصي. بهذا المعنى، فإنّ ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ﴾ ليست مجرد خُلق فردي، بل منهج سياسي يمنع القضايا المصيرية من الانزلاق إلى صراعات شخصنة تُبدّد المصالح وتُربك المسارات.

ويؤكد هذا المعنى هدي النبي ﷺ في إدارة الشأن العام؛ فقد روى الإمام البخاري في صحيحه: “كان رسولُ الله ﷺ إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها”. فكتمان المقصد كان حمايةً للهدف الأسمى ومنعاً للخصم من التحكم في مجريات الأمور.

القيادة والكتمان

لذا يجب علينا أن نعي جيداً أنّ الأمة التي “تُسِرُّ” خططها وأوجاعها وتعمل في صمت، هي الأمة التي تمتلك زمام أمرها. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى “عقليات يوسفية” في مراكز القرار وفي أوساط النخب السياسية؛ عقولاً لا تستفزها الكلمات، ولا تُبعثر أوراقها الانفعالات اللحظية. فمن أسرَّ وجعه وقرّر العمل بصمت من خلف الستار، هو من سيتمكن في النهاية من الجلوس على “عرش” الغلبة والتمكين.

خاتمة: السيادة تبدأ من الداخل 

في نهاية هذا الطواف خلف ثوانٍ معدودة من حياة يوسف عليه السلام، ندرك أنّ ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ﴾ لم تكن مجرد استجابةٍ عفوية أو حدثٍ عرضي، بل كانت منهج حياةٍ متكامل. لقد رأينا كيف يمكن لهذه الآية أن تكون “درعاً” يحمي توازننا العاطفي، و”بوصلةً” توجّه القادة في الأزمات، و”غراءً” يرمّم العلاقات المنكسرة، و”حصناً” يحمي خصوصيتنا في زمن الاستباحة الرقمية، وصولاً إلى كونها “دبلوماسيةً” راقية تدير أعقد الملفات بحكمة ورويّة.

وهكذا لم يكن صمت يوسف عليه السلام فراغًا، بل امتلاءً بالحكمة. ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ لم تكن لحظة عابرة في قصة، بل قانوناً في السيادة:

مَن لم يملك نفسه في لحظة الاستفزاز، لن يملك قراره في لحظة التمكين.

علي جاد المولى

كاتب مصري ومهندس نظم مقيم في تونس، حاصل على بكالوريوس الهندسة من جامعة الأزهر، وشهادة… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى