بالرغم من انشغال العالم اليوم أو منذ نهايات العام الماضي على وجه الدقة بانتشار وباء كورونا الذي خرج من الصين، إلا أن ذلك لم يمنع من استمرار تغطية المأساة الإيجورية التي أدمت قلوب مسلمي العالم أو منصفيه على حد سواء؛ بعدما صمتت حكومات العالم المتحضر وتواطأت حكومات الدول المسماة زورًا بالإسلامية، وأنكرت الحكومة الصينية بشراسةٍ تُحسَد عليها ارتكابها فظائعًا بحق أولئك الموحدين المغلوبين على أمرهم.

منذ ما يربو على العام خرجت تقارير صحفية وإعلامية لعدد من الصحف والقنوات الغربية، تفيد بوقوع اضطهاد ممنهج من الصين الشيوعية بحق أقلية الإيجور المسلمة المتمركزة في منطقة شينجيانج شرق البلاد، بل ونعتت هذه التقارير ما يجري في تلك المنطقة المحاصرة إعلاميًا والمعزولة جغرافيًا عن بقية أرجاء المعمورة ب”الممارسات النازية”.

اعتقد “حكام بكين” أنهم وأدوا القضية الإيجورية وأخرسوا الألسنة، وأنهم سيتمكنون من إبادة مسلمي المنطقة الغربية من البلاد دون ضجيج، لكن “رب السموات والأرض” قلب الطاولة على حكام بلاد التنين الملاحدة على يد شخص لم يعتقد أبرع المحللين السياسيين أن يتمكن من فعل ما فشل فيه الإعلاميون والساسة.

المأساة الإيجورية المزمنة.. إذا عرف السبب بطل العجب 1

غرّد اللاعب الألماني ذو الأصول التركية “مسعود أوزيل” المحترف في أرسنال الإنجليزي على تويتر أواخر ديسمبر من العام الماضي، منتقدًا تصرفات حكام الصين القمعية والعنصرية بحق مسلمي الإيجور ومستنكرًا وقوف العالم متفرجًا على هذه المأساة ومتسائلًا باستنكار:

            أين الدول الإسلامية مما يجري لإخوانهم في الدين؟

ثارت ثائرة الحكومة الصينية على ما فعله أوزيل ومنعت دخوله البلاد، لكن ذلك لم يوقف موجة التعاطف مع أولئك المعذبين في الأرض، ونشرت صحيفة “الجارديان” البريطانية الشهيرة تحقيقًا مُرَوِّعًا عن طرق التعذيب المستخدمة من السلطات الصينية ضد الإيجور وعدد المعتقلات المستخدمة للتنكيل بهم، وعلى الدرب نفسه سارت قناة “السي إن إن” التي سربت لوسائل الإعلام وثائق حول أسماء معتقلي المعتقلات الجماعية في مناطق الإيجور، وكعادة الصينيين عندما تنكشف فظائعهم تنكر خارجيتهم صحة هذه الوثائق.

لمحة من المعاناة تاريخيًا

بدأت المعاناة الإيجورية مع أنظمة الصين المتعاقبة منذ ضم الدولة المسلمة “تركستان الشرقية” قسرًا للصين البوذية عام 1760؛ لما تحتويه من معادن كالنفط والغاز والفحم، وتصاعد الاضطهاد ضدهم منذ حكم “الأسرة المنشورية” عام 1911، فقد نكل حكامها بالمسلمين وامتهنوا تعاليمهم الدينية وعينوا عليهم ولاة وثنيين؛ للتضييق عليهم ودس الدسائس بينهم وبين غيرهم من العرقيات والأديان الموجودة ليتسنى لهم البطش بالمسلمين وإحلال المُلَل المنحرفة محلهم .

زادت أوضاع الإيجور سوءًا في الأعوام التالية مما دفعهم للثورة وإعلان الاستقلال في  الثاني عشر من نوفمبر 1933، لكن التحالف الصيني-السوفيتي أجهض الثورة الوليدة معدمًا عشرة آلاف مسلم وأعاد الأمور أسوأ مما كانت عليه، وكمكافأةٍ للسوفييت على قمع مسلمي الإيجور حصلوا على حق التنقيب عن المعادن والإشراف على مزارع الثروة الحيوانية، لكن ذلك لم يمنع الإيجور من الثورة من جديد.

اندلعت ثورة عارمة في السابع من نوفمبر 1944 أعلنت على إثرها في الخامس عشر من الشهر نفسه بدعم من السوفييت، لكن الصين أرسلت الحملة تلو الحملة؛ لإعادة الإيجور لحظيرة الطاعة حتى نجحت فى السيطرة على الأوضاع في يناير 1946، وكنوع من استرضاء الإيجور منحت حكومة بكين الإيجور الحكم الذاتي في نفس العام.

جمهورية الصين الشعبية الشيوعية

المأساة الإيجورية المزمنة.. إذا عرف السبب بطل العجب 3

ماوتسي تونج ثوري شيوعي صيني ومؤسس جمهورية الصين الشعبية.

سيطر الشيوعيون بقيادة “ماوتسي تونج” على الصين في الأول من أكتوبر 1949، وبدأ مع حكمهم الفصل الأكثر قتامة في تاريخ الإيجور إذ غير اسم المنطقة من “تركستان الشرقية” إلى “شينجيانج“، والتي تعني بالصينية الحدود الجديدة، وهجَروا عشرات الآلاف من المسلمين واستبدلوهم بالبوذيين من عرقية الهان ومنعوا تعليم الإسلام في المدارس وهدموا عشرات المساجد واستبدلوا تحفيظ القرآن بتعاليم ماو منكلين بكل من بدا عليه السمت الإسلامي.

ثار الإيجور مجددًا عام 1966 في كاشغر بالتزامن مع عيد الأضحى، وقد أرهقت صلابة المسلمين سلطات القمع التي قتلت منهم عشرات الآلاف، ومجددًا عادت القبضة الشيوعية لتُدمِي العنق الإيجوري واستغلت الصين هجمات سبتمبر 2001 لتزيد من قتل الإيجور دون محاكمات عادلة.

ازداد الجنون الصيني مع زيادة التواجد الأمريكي في آسيا الوسطى بين 2001 و2012، وأخمدت بكين انتفاضة عارمة في أورومتشي أوائل يوليو 2009 بعد قتل الشرطة الصينية إيجوريين دون تهمة مزهقة أرواح آلاف المسلمين الأبرياء.

طريق الحرير الجديد

المأساة الإيجورية المزمنة.. إذا عرف السبب بطل العجب 5

طريق الحرير الجديد

وفي 2013 طرح الرئيس الصيني الحالي “شي جين بينج” خلال زيارته للجارة كازاخستان مشروع طريق الحرير الجديد باسم “مبادرة الحزام والطريق” بتكلفة تسعمائة مليار دولار.

وينقسم المشروع الصيني الضخم إلى:

1- حزام طريق الحرير البري: طرق برية وسكك حديدية تبدأ من آسيا الوسطى فروسيا وصولًا إلى أفريقيا وأوروبا عبر بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي، وستشمل مرافق المشروع إقامة بنى تحتية كالموانئ وشبكات السكك الحديدية وأنابيب النفط والغاز وخطوط الإنترنت والكهرباء وستشكل ستة ممرات برية عصب التجارة والنقل، وتشمل:

  • الجسر القاري الأوراسي الجديد.
  • الممر الصيني-المنغولي-الروسي.
  • الممر الصيني-الباكستاني.
  • ممر الصين-شبه القارة الهندية.
  • ممر الصين-آسيا الوسطى-غرب آسيا.
  • ممر الصين-بنجلاديش- الهند- ميانمار.

2- حزام طريق الحرير البحري: سيرتكز هذا الطريق على بناء روابط بين الموانئ الصينية -خاصة الرئيسية منها- وموانئ المحيط الهادئ عبر بحر الصين الجنوبي من ناحية، ومن ناحية أخرى طريق يربط موانئ العملاق الآسيوي بموانئ القارة العجوز.

وقد لقي المشروع دعم جارين هامين للصين هما “باكستان” الجار الغربي و”روسيا” الجار الشرقي، نظرًا لما ستستفيده الدولتان اقتصاديًا واستراتيجيًا من ذلك المشروع الهام، حتى أن الصين تمكنت في الرابع عشر من نوفمبر 2016 من عقد اتفاق مع الحكومة الباكستانية بقيمة ستة وأربعين مليار دولار لتمر البضائع الصينية من شرق البلاد إلى بحر العرب عبر ميناء جوادر خاصة مع إطلالة الميناء على مضيق هرمز الاستراتيجي، ومن ثم سيكون بوابة دخول المنتجات الصينية لبقية أنحاء العالم في وقت أقل بكثير مما يستغرقه في بقية الموانئ.

“طريق الحرير الجديد” هو إعادة إحياء لذلك الطريق الاقتصادي الهام الذي كان يبدأ من مدينة تشانج آن الصينية وينتهي في أوروبا مارًا قي طريقه بدول آسيا الوسطى الإسلامية، وهو الشطر البري من تلك الرحلة الطويلة والذي استخدم منذ القرن الثاني قبل الميلاد حتى نهاية القرن الخامس “الطريق الشمالي”.

أما الشطر البحري الذي ظهر في القرن السادس عشر فكان يبدأ من البحر الأحمر في شبه الجزيرة العربية وينتهي في مصر وبقية دول حوض البحر المتوسط “الطريق الجنوبي”، وكانت الامبراطورية الصينية تصدر من خلاله الحرير-أهم سلعها تنتجها في ذلك الوقت- لذا سمي الطريق بذلك الاسم.

لكن النسخة الحديثة من ذلك الطريق ستتعدى الحدود القديمة لتضم دول أمريكا اللاتينية ومنطقتي جنوب المحيط الهادئ والبحر الكاريبي، ولم تضع الصين وقتًا في الحصول على توقيع العديد من دول العالم ومنظماته منذ عام 2017 حتى وصل عددهم في يوليو 2018 إلى أكثر من مائة دولة ومنظمة.

وحتى تستقطب الصين دعم الدول التي سيمر عبرها مشروعها وعدت بكين بتقديم ثمانية مليارات دولار، كما أسست الحكومة الصينية صندوقًا استثماريًا لتمويل مشروعها القومي يتجاوز رأس ماله مئات المليارات من الدولارات باسم “حزام واحد طريق واحد” ونفذ ثمانية وعشرون مشروعًا في عدة دول ضمن نطاق المنطقة المستهدفة بالمشروع بقيمة استثمارات بلغت خمسة مليارات وأربعمائة مليون دولار.

وقد بدأت الصين تجني ثمار المشروع بزيادة أرباح صادراتها لدول المشروع “الحزام والطريق” بنسبة ستة عشر في المائة، ليس ذلك وحسب بل نجحت الصين في الحصول على موافقة إيطاليا على الانضمام للمشروع خلال زيارة الرئيس الصيني إلى روما في الحادي والعشرين من مارس 2019، ما سيمكن الإيطاليون من الاستثمار في السوق الصينية في مقابل تأهيل الشركات الصينية للموانئ الإيطالية الداخلة في نطاق المشروع بموجب الاتفاق الموقع مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي.

خطت الصين خطوة أكبر في طريق تحويل المشروع لواقع ملموس، ذلك بعقد قمة “مبادرة الحزام والطريق” في العاصمة الصينية بحضور خمسة وثلاثين رئيس دولة وحكومة بين الخامس والعشرين والسابع والعشرين من أبريل 2019، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية مع الدول المشاركة تجاوزت قيمتها أربعة وستين مليار دولار.

مكان الإيجور من الإعراب في طريق الصين الحريري الجديد

المأساة الإيجورية المزمنة.. إذا عرف السبب بطل العجب 7

بالتزامن مع المشروع هدمت الصين بشكل ممنهج عشرات من مساجد الإيجور، كما انتزعت الأطفال من ذويهم في معسكرات اعتقال لتعليمهم العقيدة الشيوعية وشددت الإجراءات لمنع الإيجور من صوم رمضان وأجبرتهم على شرب الخمر وتناول لحم الخنزير، وعينت مراقبًا للأسر المسلمة يعيش معهم في منازلهم للتأكد من عدم ممارستهم أيًا من شعائر الإسلام .

كما أودعت السلطات الفاشية ما يربو على مليون مسلم في معتقلات جماعية استخدمت لها مدارس وجامعات الإقليم بعدما عجزت السجون عن استيعابهم، وأجرت حكومة بكين كذلك الآلاف من عمليات التعقيم القسري لنساء الإيجور لتقليل عدد المسلمين مجبرةً المسلمات على الزواج من  صينيين بوذيين.

إلى هنا يتعجب القارئ:

إذا كانت الصين تحقق هذه الطفرة الاقتصادية الهائلة، فلم التنكيل بمسلمي الإيجور؟

هنا بيت القصيد في القضية الإيجورية العادلة بأكملها، فمدينة “كاشغر” -ثاني أكبر مدن “شينجيانج” بعد العاصمة أورومتشي- كانت معبرًا هامًا على طريق الحرير القديم حتى أطلق عليها مؤرخو تلك الحقبة “لؤلؤة طريق الحرير” ومع مطالب الإيجور المتكررة بالاستقلال عن الصين لا الحكم الذاتي الشكلي -كما هي حالهم الآن- سيعرض المشروع الصيني برمته للخطر هذا أولًا.

أما ثانيًا ستخسر الصين كذلك ميناءً هامًا لنقل البضائع للعالم والنفط لآسيا الوسطى ألا وهو ميناء ألاشانكو، والذي تستورد منه الصين ما يفوق ضعف إنتاجها من النفط سنويًا كما يمر عبر تلك المنطقة ثمانمائة وواحد وخمسون قطار بين الصين وأوروبا.

وثالثًا خشية الحكومة المركزية في بكين من انفراط عقد الدولة إذا نجح الإيجور في الاستقلال بإقليمهم خاصةً مع مطالبة سكان التبت بالأمر نفسه لذا كان التنكيل الممنهج بالإيجور رسالة تحذير لكل من يحذو حذوهم.

لكل الأسباب السابقة نكلت وتنكل الصين بالإيجور، وحتى تضمن وقوف الدول الإسلامية في صفها وقعت بكين اتفاقيات معهم بشأن طريق الحرير، وهنا لم يبق للإيجور المنكوبين إلا الله والشعوب الإسلامية من بعده في انتظار العقاب الإلهي الذي سيحيق بالصين.

216

الكاتب

اترك تعليق

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.