
التجديد المزعوم: نبت شحروري آثم
لا تزال الشبهات التي ترد على ديننا تتجدد وتعاد صياغتها بما يناسب زماننا، لتتشربها القلوب الغضة والنفوس التي لم تنشأ على دعائم سوية، ولم تتلق الأصول كما جاءت صحيحة صافية. وتزداد ضراوة الهجوم بعد كل ضربة للأعداء يتسلطون بها علينا بالقوة الفاجرة، وبالتخطيط الماكر الذي يستغل الغفلة والوهن والثغرات التي يزداد اتساعها يومًا بعد يوم.
وأكثر ما يجد فيه المغرضون ومدّعي التجديد أو المترددون في إيمانهم رواجًا لأفكارهم وأهوائهم، حين تبدو للعيان ظاهرة أخطاء من اشتهروا بالعمل الإسلامي في واقع معقد، أو حين تقع النوازل والأزمات التي ترتبت على سوء تقدير، أو خطأ في الرؤية والنظر ممن قدموا أنفسهم باعتبارهم الحل الإسلامي، والبديل الأصلح لما قد ثبت فشله من حلول غربية منبتة الصلة بثقافتنا وتاريخنا.
ورغم الحقيقة المؤلمة في واقعنا التي تفرض علينا مراجعة الخطاب الشرعي والدعوي والسياسي، وكذلك الممارسات العملية في ميادين العمل المختلفة، سياسية كانت أو اقتصادية أو إعلامية أو إغاثية أو غيرها، ممن يتقدمون إلى الناس بصفة العاملين للدين والحريصين على إعادة الروح الإيمانية والقيمية إلى الأمة، إلا أن المعالجة لا تكون بتجديد مزعوم يستبعد الفكرة الإسلامية ويرفض وجودها، بل بمراجعة العمل نفسه، ومن قام به، ليتبين الخلل الواقع ويظهر مدى توافق العاملين مع أفكارهم وشعاراتهم.
ورغم أهمية الكشف عن الثغرات الحقيقية، والتخلي عن خطاب اللوم للآخرين بلا تغيير وعمل حقيقي على تلافي ما تكرر كثيرًا من أخطاء، إلا أننا نريد أن نسلط الضوء هنا على ناحية أخرى من المشهد حيث يقف المستثقلون لتكاليف الدين والمبغضون له يتربصون بتلك السقطات شرًا، ليرددوا ما سبق وردده أسلافهم من مستشرقين ومستغربين، أن المشكلة في المنهج وأن الخلاص يكمن في تجديد يكمن في تخليص الدين وقيمه وشرائعه من هيكله، بل من لحمه ودمه، فلا يبقى منه إلا قشور تُلصق لتغطى عوار الفكرة المصدرة والمنهج البديل الغارق في التبعية والتعلق بالمادية.
وقد ظهر في زماننا المعاصر شخصيات عرفت بحمل لواء التخريب بزعم التجديد، وصارت مثلًا وعلمًا على ذلك الاتجاه الذي يحطب بليل، ويجمع غثاء الجاهلية المعاصرة ويعيد صياغته بخلاصات من الهوى والتعالم والفكر المتغرب المستقر عنده.
وكان من أشهر تلك الشخصيات، المهندس محمد شحرور الذي زعم أنه يقرأ القرآن قراءة معاصرة، ويقدم للأمة فهمًا جديدًا لدينها وشرعها، ينقذها من حالها الذي لا يسر ومن الظلامية والتقليد الذي وقعت فيه، ويسير بها إلى التقدم.
وإن كانت ردود أهل العلم والتخصص منذ كتابه الأول قد بينت فساد منهجه وأثبتت ضحالة فكره وبعد ما بينه وبين علوم اللغة والدين والشرع، إلا أن النبتة التي غرسها ما زال لها متعهدون، وما زالت تظهر بين حين وآخر ثمار لها مرة تتفتح عن لطخات سود قد تشوّه وجوه بعض أبنائنا إذا أمسك بها، وتبعثر عقله وتذهب به إلى التخليط والهذيان. لذلك نحتاج أن نقدم لهم صورة عامة عما يراه هذا التيار، في مقابل ما تحتاجه الأمة فعلًا من تجديد أو إصلاح.
مهاجمة رجل القش
يرى ذلك التيار أن منهج السلف والتمسك بالنص وبفهم القرون الأولى لم يثمر إلا اعتناءً فارغًا بالمظاهر والقشور، وأن علينا أن نساير الزمان، فنقبل أن نحدّث الفهم بآليات زماننا من قراءات مجتزئة ونظريات مفككة وقوالب تحليلية، وننظر إلى النصوص الدينية باعتبارها وحدات مفرقة، يصب كل منها في قالب فكري أنتجه عقل حداثي، أو توصل إليه نظر علموي أو مادي، بلا ضابط من لغة أو فقه أو دليل.
ولو رحنا ننظر إلى واقع الأمة التي يعيب عليها الداعون إلى تجديد الفكر وتجديد المنهج وإعمال العقل على طريقتهم في النصوص لتخرج لنا فهمًا جديدًا؛ لوجدنا أن الذي يغلب عليها في سائر مجالاتها فكر مختلط لا يمت إلى النهج الأول إلا بشيء يسير، فالذي ينقمون عليه في الأساس ليس موجودًا، إنما هم يهاجمون صورة يسعى المحبون إلى استعادتها، ونهجًا يود أهل الإسلام أن يكون حاكمهم.
وكأنما يتعمدون السطو على مخزن الذخائر الذي تملكه الأمة، وما زال قادرًا على أن يغيّر وجه الأرض إن عادت إليه مكتفية به منطلقة منه، ظنًا منهم أنهم بذلك قادرون على طمسه وإذهاب نوره، في سبيل أن تتركز الوجهة ناحية ذلك الركام من الهشيم، الذي تخلفه الأمم الغائبة عن الوعي المنطلقة من شهواتها والقائمة على التسلط والسطو والاحتكار.
فالواقع أن الوحي وتراث الإسلام وعلومه لم يعد هو منطلق الأمة ولا صاحب التأثير والمركزية التي تدور حولها، ولم تعد أخلاق الإسلام هي الحاكمة أو المحركة للناس في تعاملهم وواقعهم وحياتهم العامة، وذلك هو الغالب في مجالات الحياة المختلفة إلا القليل مما لا يقاس عليه.
بل ما يراه كل أحد أنها نسيت وظيفتها وتراجعت عن دورها وأصبحت تابعة لا متبوعة، وقابعة في الظل تتلقى الضربات بدلًا من أن تتقدم وتغيث غيرها، وذلك في ظل ثقافة مخلطة وأحكام شرعية معطلة ودين فردي لا يتدخل في شئون الحياة.
فأين ما ينقمون عليه من نصوص الوحي وأحكامه وهديه في حياتنا حتى نحتاج لها تأويلًا جديدًا وفقهًا مستحدثًا واستنباطًا محرفًا لا يمت للغة وللدين بصلة؟ إنما تطبق يوم تطبق بفهم سقيم مختلط بالطبع والعادة والانتقاء المصلحي، فيظن من لا يعلم أن الإشكال في المعنى القديم، بينما هو في النفس التي تخلط والمجتمع الذي لا يميز.
التعلل بمركزية القرآن

يظن بعضهم أنه يأتي بجديد حينما يتحدث عن القرآن كأصل ومركزية يرجع إليها المسلمون ويكتفون بها، ويطرحون ما عداها من الروايات التي قد يكون خالطها بزعمهم أخبار أهل الكتاب أو اختلطت بفهم الناقلين لها، أو شملها الكذب والوضع الذي كان سائدًا في عصور الفتنة وابتداع المذاهب.
وهي دعوى قديمة وإن اختلفت طرقها وأساليب طرحها، تهدف إلى عزل البيان النبوي عن وظيفته التي تحددت أصلًا من قبل الله سبحانه، الذي أنزل الوحي قرآنًا يُتلى وسنة تُبين وتُفصل وتُشرح، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله وجميع هديه بيانًا للوحي بصورتيه، الكتاب والسنة ومثالًا عمليًا له، فالرسول والرسالة وحدة واحدة لا تنفك ولا تنفصل.
أما حديث الأخذ بالقرآن وطرح ما عداه، فهو إذن عام للمعاول والفؤوس أن تهدم وتقطع وتخفي لا الأصل فحسب، بل تأتي على الدين كله حينها حتى يبقى كقصر فارغ لا معالم له، وحاشا كتاب الله الذي تعهد الله بحفظه أن يمكّنهم من ذلك.
فمن تمام حفظ الله لوحيه أن قيض له رجالًا ثقات وأئمة هدى، قاموا على حفظه وبيان معالمه واستنباط أحكامه ووضع أصول الفقه فيه بقواعد منهجية منضبطة، وجعل له حملة في كل جيل ينفون عنه تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين، لتبقى الرسالة الخاتمة خالصة من الشوائب يصل إليها كل من أراد الحق ويحث عنه.
وهل يقدر أحد أن يأتي في أي علم من علوم الدنيا كالطب والهندسة والفلك والجغرافيا وغيرها، فينفي كل ما قرره الأوائل، وكل ما توصل إليه العلماء في كل عصر، ويزعم أنه الأولى بالفهم وبتوجيه البشرية في هذا العلم، وأن أحدًا ممن سبقه لم يكن في مثل عقله وذكائه، ناهيك ألا يكون قد درس من هذا العلم شيئًا ولم يعرف ألفه من بائه؟
بل لو جاز أن يُقبل ذلك في تلك العلوم لتطور البشرية وتطور أدواتها، فالدين على عكس العلوم الطبيعية لا يتطور بتقدم الزمن، وإنما هو وحي نزل من السماء إلى أهل الأرض على رجل منهم، فكلما كان العهد قريبًا بنزول الوحي، وبمن نزل عليه، كان العلم أصفى وأقرب إلى الحق، وكلما بعد، دخل التأويل والتحريف بشتى صوره وأنواعه.
فما بالنا بزمان، لم يعد للشريعة سلطان وظهور سوى في صدور الرجال وفي سطور الكتب! فليزعم من شاء ما شاء، فالأصول والمبادئ تؤخذ من أهلها العالمين بها، وليس من المتطفلين الأدعياء.
ولماذا يهاجمون المنهج والأصول؟
وإذا تتبعنا حقيقة هذه الدعوات، وجدنا أنها في حقيقتها لا تنطلق من مركزية القرآن كما يزعمون، ولا من الحرص على الأمة أن تتبع الوحي صافيًا أصيلًا كما يرددون، بل أصل بليتهم أنهم ينطلقون من عقل مشبع بثقافة اليوم الغالبة التي تجعل الإنسان ورفاهيته وتجربته هي الأصل، وإلا فالقرآن زاخر بآيات اتباع الرسول والرد إليه وإلى أهل العلم والذكر، وهي واضحة لمن كان له بصر أو أدنى صلة بلغة القرآن وعلومه.
لقد أصبح النظر إلى الدين، أصولًا وشرعًا وثقافةً وقيمًا مرتبطًا بذلك الإطار القيمي المنحرف والواقع العالمي المعادي للإسلام، فما دامت الروايات الغيبية لا تمنح الإنسان الحكم الأخير، وتغيير الرواية كما يريد، ولا تتفق والعقل التجريبي السائد، فهي خرافة لا ينبغي قبولها، وما دامت روايات السنة التي تم حفظها بعلم دقيق بلغ الغاية في الضبط والتحري، فيها ما لا يفهمه العقل الحديث فهي مكذوبة أو قيلت لأمر خاص، أو هي إجابات لزمان وأشخاص انتهوا وانتهى زمانهم.
ولو أنها نقد صادق لالتزم منهجًا صحيحًا، أو اتبع طريقة علمية، لكنها دعوات تتكأ على ثقافة وقيم مادية لا أصل ثابت ولا صحيح لها، فهي ذات منهج متناقض لا تستطيع أن تمسك فيه بشيء، عنوانه السخط على التراث والرغبة في تقطيع الأصول وضرب بعضها ببعض.
فقد تجدهم مرة يقولون إن ما ورد في القرآن من الأمر باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم خاص بصحابته وبزمانه أو بأحداث بعينها، ومرة يكون القرآن جاء للعالمين ومن ثم فيجب لأحكامه وشعائره أن تكون متوافقة مع كل شعب ومع كل ثقافة ولذلك يؤولون معانيه وتعاليمه.
ومع هذا التأويل والتحريف الذي لا يستند إلى دليل، تصبح المعاني والمفاهيم والتصورات والأحكام سائلة لا تحق حقًا ولا تبطل باطلًا، لا تطلب من ملحد ترك إلحاده، ولا تعاقب مشركًا على شركه، أو مجرمًا على إفساده، بل الجميع لهم مكان والجميع يمكن أن تظلهم مظلته.
وهي إما يجب أن تتجاوب مع واقع اليوم، فتمنح المرأة مثلًا ما تمنحه لها الثقافة المعاصرة من استحقاقات ومن حريات تفعل بها ما شاءت، أو أنها أحكام بنيت على فهم خاطئ، أو أن المقصد القديم منها قد انتهى وهو اليوم يتحقق بغير ذلك، وغير ذلك من التأويلات. وبهذا في رأيهم يكون الإسلام عصريًا ومتجددًا وأقرب إلى الواقعية.
بين الزعم والإشكال الحقيقي
لم يكن إشكال أمتنا يومًا في السنة التي حفظتها عقول كبار قيضها الله لتحفظ بيان الوحي ومصدر الإسلام الثاني، ولا في الفقه الذي وضع أصوله بالاستناد إلى الكتاب والسنة، سادات الأمة وكبرائها، وإنما كانت في البعد الكبير وطول العهد الذي أصاب من قبلنا، فعاد الناس تطغي عليهم ثقافتهم وطبائعهم الشخصية وعاداتهم المتوارثة.
ثم هم يخلطون هذا بالقليل الذي سمعوه أو قرأوه من نصوص الكتاب والسنة، فيخرج من ذلك التناقض الذي نرى والجهل والضعف الذي نلوم عليه. فإذا أردنا أن نتحدث عن تجديد وعن إصلاح، فنحن نحتاج أن نضع الحقائق بلا تزييف ونستخرج منها سبب الداء، ونعالجه بما يناسب طبيعة المريض وما يوافق أصوله.
وقد كان هذا المنهج الذي يقطع أوصاله المجددون لأنه في ظنهم ملئ بإشكاليات تضعف الأمة وتمنعها من التقدم، كان هذا المنهج هو الذي سار عليه المسلمون قرونًا فلم يتقدموا ولم يعمروا الأرض والإنسان فحسب بل ملكوا به الدنيا، فما الذي جعل هذا المنهج غير قابل للعمل في زماننا، وقد عمل في أزمان مختلفة وأصلح شعوبًا وأممًا في الشرق والغرب؟
ولم تسمى الخلافة الأولى راشدة، إلا أنها اتبعت ذلك المنهج وجعلته واقعًا في حياة الناس، فكان الوحي بمصدريه هو المرجع، وكان العقل الذي صنعه هذا الوحي واستند إلى مبادئه وأصوله، القائم على الفهم والنظر والاستنباط، يقيّم الوقائع وفقًا لتلك المرجعية، ويضع لها الحلول والمعالجات بالفهم الدقيق الذي لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، إنما يبدع ويخطط ويختار ويفتي بما يحقق مقاصد هذا الدين، ويعالج واقع زمانه دون إخلال بالمسلمات ولا تحريف لنص واضح أو تأويل لحكم ظاهر.
فالذي يجب على أولئك المنزعجون بحثه والنظر فيه، هو استعادة العقل المسلم الذي يأخذ النص المنزل مسلمًا به مؤمنًا بكماله وصلاحيته وبما فيه من حكم شرعية ومصالح مجتمعية، فيطرح آليات ووسائل تطبيقه في الزمان الحالي، بما يحقق الالتزام الشرعي والنفع الإنساني.
فهذا ما جاء الإسلام لأجله، وهذا ما تعنيه صلاحية أحكامه للناس أينما وجدوا وأيًا كان زمانهم. واستعادة ذلك العقل الذي حمل الإسلام أول مرة فأصلح به الأرض، يحتاج إلى النظر في واقع الانسان المسلم وما أصابه، وما يحتاجه لعلاج ذلك.
وهو ما يجب أن يكون شغل العلماء والمشتغلين بالإصلاح والتربية، فذلك أمر لا يحسنه كل أحد، ويحتاج تخليصًا للقلوب والعقول مما ورد عليه من انحرافات تاريخية، وما يدخل إليها من فتن وأغلاط ومخادعات معاصرة.
نظام التفكير وليس الأفكار
لا يتعرض دعاة هذا التيار إلى ما وصل إليه الإنسان المسلم من تغير أبعده عن دينه وعن قيمه – ربما لأن أول من ينطبق عليهم ذلك هم أنفسهم – وما يحتاج إليه من جهد لكي يعود قادرًا على أن يفقه شيئًا من الأصول والسياقات والمعاني الشرعية. لذلك فالأسهل لهم انتقاد تلك الأصول وتفكيك تلك المعاني والمفاهيم، فالإسلام بزعمهم يجب أن يكون موافقًا لآلة تفكيرهم، ولما دخل عقولهم من النظريات والأفكار والقيم النسبية.
وحقيقة الأمر، أن المسلم في زماننا يحتاج إلى إصلاح آلة التفكير، يحتاج أن يتعرف من جديد على ما كان بديهيًا مغروسًا في الفطرة، أو على الأقل يتعلمه من يدرسون أساسيات العلوم ومبادئها، لكنه اليوم قد فقدها رغم الدرجات العلمية التي يحصل عليها، والسنوات الطويلة التي يقضيها في سلك التعليم النظامي.
ومن ذلك أن يتعلم الفرق بين الخبر الصادق والشبهة، وما يقبل من الأخبار وما لا يقبل وما الضابط الصحيح لها. يتعلم كيف يصل إلى الحق، وكيف يفرق بينه وبين الواقع الذي قبله الناس لأسباب متعددة. يتعلم كيف يتدرج في الفهم من مسألة صغيرة إلى أكبر منها حتى يجد عنده أساسًا يبني عليه وينطلق منه. أن يعرض الأفكار ويرتبها ويقيسها على أصل وميزان، لا على وفق السائد الآن أو المقبول عالميًا، أو ما تميل له نفسه.
فإذا استطاع المسلم أن يكون كما أمره ربه ودعاه، صاحب عقل متزن يستوعب ما يلقى إليه، فيفند الصحيح من السقيم، ويعرف الخير من الشر ويعرف مآلات الأمور، واستطاع كذلك ألا يناقض قوله فعله، فتكون لديه الإرادة أن يصحح وأن يعالج الخطأ وأن يخالف السائد إذا ثبت خطأه، فإن الأفكار حينها لن تكون مشكلة، فالأصل حاضر ومحفوظ، سينضبط به كل ما يستجد وما يطرح، وتعرض عليه المفاهيم السائدة أو المستوردة والتصورات والإشكاليات والمواقف على أي شكل كانت، ليقول كلمته فيصحح أو ينفي أو يوافق.
الإنسان لا المنهج
لذلك فإن الأولى أن يكون ما يشغل المحبون لدينهم وأمتهم كيف يعود الانسان إلى فطرته، وكيف يتعرف على منهج ربه ويحسن فهمه وتلقيه، فهو الذي تدور عليه الفكرة وهو الذي يفسد أو يصلح، بدل أن يكون عملهم في المنهج تقطيعًا وهدمًا.
لكن الواقع أن اللوثة الإنسانوية جعلت أولئك وغيرهم يستثقلون ذلك الواجب وتلك المهمة، فلا يريدونها لأنفسهم ولا لغيرهم، إلا إذا كانت إصلاحًا معاكسًا، بحيث يترك الإنسان إيمانه وقيمه وأصول دينه الكبرى، معتقدًا أن كل شيء يحتاج إلى تفتيش وإلى شك وإلى مراجعة، وأنه أو غيره ممن يتبع، أصح عقلًا وأقوى فهمًا من علماء القرون الأولى.
فمن ذا الذي سيطلب من الإنسان أن يعتدل وأن يضبط غرائزه وشهواته، وأن يصلح ولا يفسد، وأن يجعل حق ربه أولًا، وأن يطيع ربه في معاملة غيره، وأن يقف مناصرًا ومدافعًا عن الحق والعدل، دافعًا لكل ظلم وشر، وهو يرى أنه مركز الدائرة ومستحقًا لكل شيء؟ بل أصبح الانسان في نسخته الحديثة يعتقد أن رؤيته وعقله أعلى من قواعد التفكير ومقتضيات العقل والفطرة، فلا بأس إذن أن يزن أمور الشرع وأحكامه وقواعده وقيمه بعقله ويقرر أنها تصلح أو لا تصلح!
فإذا صدق مدّعو التجديد، فليجددوا الروح في ذلك الإنسان الفاقد للمعنى، الذي يحتاج إلى وحي من السماء لم يتبدل ولم يتغير، يحتاج إلى شرع يقرر له الأصول فلا تضلله الحقيقة النسبية، ولا تفسد عقله وحسه المادية المجردة والمصلحة المتوهمة، يحتاج إلى أحكام ثابتة وقوة في الالتزام تجعله يتحمل كبد الحياة ومشقتها، ويقدر آلامها ويعمل لما بعدها.
إن محاولة تجديد الفكر والقيم الخاصة بهذا الدين بغير ما أتي به، التي يدعو إليها أصحاب المعاول ويتحمس لها من لا يعرف غرضها ولا يملك إيمانًا يعرف به خطرها، لن يثمر إلا مسخًا مشوهًا لا يعرفه ولا يرضى به أحد.
فلينشغل شباب الأمة ومن يهتمون بأمرها باستعادة الإنسان المؤمن ظاهرًا وباطنًا، قلبًا وعقلًا، الذي يتحرر من الفكر المادي ومن غلبة الهوى قبل أن يحاكم فكر أمته وتراثها الشرعي. وليكن التجديد الذي يسعون إليه أن تعود النفس التي تتلقى القيم كما جاءت وتعمل بها في واقعها، وتأخذ الحق وتحمله معها أينما ذهبت، فذلك هو الأجدى لصلاح أمتهم والأنفع لواقعهم، وبه كذلك يتخلص تراثهم وثقافتهم مما يكون قد علق بها من شوائب عصور الانحراف، مادام قد صلح إنسانها.