اختيارات المحرر

تستور وغرناطة

على جدران مدينة تستور ترتسم زركشات فريدة، يضفي ظلالها عبقا تاريخياً لماضٍ مجيد، في هذه المدينة التي تعتبر أندلساً صغيرة في أرض تونس، شعرت بأنني أرى من وراء الأبنية العتيقة أيام غرناطة وطليلطة، كأن جمال قصر الحمراء لامس هذه الربوع فاستحال نموذجاً صغيراً يهتف لناظريه بروعة الاندهاش لذلك الزمن الجميل، زمن الأندلس. 

تعترضك الصومعة الشامخة عند دخولك للجامع الكبير بتستور، الذي أسسه المهندس المعماري الأندلسي محمد تغرينو حوالي سنة 1630-1631 م، تعلو الصومعة ساعة صنعت لتدور عقاربها مع دوران الطواف بالكعبة، قد يكون وجود تلك الساعة أمراً طبيعياً في هذه الأيام، لكنه في زمن صناعتها كان عجيبة من عجائب الدنيا لعبقرية الابتكار.

 وفي ساحة الجامع صنع نموذج رخامي يرصد توقيت دخول الصلاة عبر تقاطع ظل خيط في الشمس مع المستقيمات المرسومة ومعها أحرف وأعداد ترمز لمعنى وتوقيت كل خط. 

كل ما في تستور يستثير الأسئلة عن هؤلاء الذين جاؤوا من هناك، هؤلاء الذين طُبعت أرواحهم على الجمال، وما برحت مخيلتهم الأندلس التي غادروها بأجسادهم، لكنهم تركوا أرواحهم فيها لحظة خروجهم منها فرسموا معالمها على جدران وأحياء مدينة تستور.

ما هي الأندلس؟ وكيف انتهى عهد الإسلام فيها؟ ومن هم الموريسكيون المؤسسين لمدينة تستور؟

حضارة الإسلام في الأندلس 

سنة 92 للهجرة (711م) عبر طارق ابن زياد -مُرسَلاً من موسى بن نُصير- البحر من المغرب في اتجاه شبه الجزيرة الأيبيرية لتبدأ حقبة تواجد الإسلام في الأندلس التي سقت أرضَها دماءُ الفاتحين من بلاد القيروان والمغرب الاسلامي، ثم قام في الأندلس حكم أموي سنة 138 للهجرة (756م) بقيادة صقر قريش عبد الرحمن الداخل. 

عاشت الأندلس خلال حكم الإسلام لها حضارة مزدهرة  تجلت من خلال العلوم والفنون التي أنتجها رجال ذلك الزمن، لم يقتصر الأمر على العلوم الشرعية واللغوية بل تعدى إلى  الطب الرياضيات والفلك والهندسة والجغرافيا والعلوم العقلية وغيرها.. 

“مراكز قرطبة الاسلامية وعلى رأسها مسجد قرطبة، الذي كان يحوي سبع وعشرين مدرسة، يرتاده يوميا أربعة ٱلاف عالم وطالب علم كان مفخرة للعلم، بل كان الأوروبيون يأتون لمراكز قرطبة لطلب العلوم الدينية والدنيوية.”1

كما عاشت الأندلس نهضة معمارية تداخلت فيها العلوم مع الوجهة العامة لقيم الإسلام بما يخدم الناس، فوُلدت تلك الصروح الفنية؛ كقصر الحمراء، وجامع قرطبة، والآثار التي لا تزال إلى يومنا هذا شاخصة تنادي في الزمن ماضيه المجيد.

قصر الحمراء
قصر الحمراء

من يرى الحمراء يفهم كيف شعر مؤسسو مدينة تستور، ما الذي كان يجيش في صدورهم من شوق، وما الذي تركوه خلفهم من روعة وجمال، لقد نطقت جوارحهم بذلك الإبداع المعماري في المدينة كأنهم لا يقدرون على حياة لا تذكرهم بالأندلس.

ما نسينا خبِّروها *** كيف ينساها الولوع

كيف ينساها مُحبّ *** بعدها عافَ الهجـوع

شهد الليل عليه *** وحكت عنه الدمــوع

أنهـا حب مكيـن *** عرشـه بين الضلـوع

كم تمنى أن يراها *** لو لـما فات رجوع

صار بعد الوصل دهرا *** في شذى الذكرى قنوع

انحسار حكم الاسلام للأندلس

لقد جرت سنة الله في الأندلس، فسنن الله لا تحابي أحداً، فعندما تفرق المسلمون وأصبحوا دول طوائف، يحكم كل دولة مَلِك يستقوي بالكفار ويواليهم، ويتآمر معهم على المسلمين، عندما فشا فيهم الترف والمجون، وبعُدَ الحكام عن حقيقة الدين، ثم ما أفشوه من أمراض في شعوبهم، فغمرت الدنيا القلوب، كتب الله للمسلمين الخروج من تلك الجنة الأرضية، عندما أنستهم الدنيا جوائز الجنة الأخروية.

قطفوا الزهرة منا *** زهرة كانت تضــوع

قد سقيناها دمانا *** مثلها كيف يضيــع

جنة عنها لهينا *** فطُردنا بالجمـــوع

وبها عشنا قروناً *** للدياجير شمــــوع

توسعت الممالك الصليبية داخل الأندلس منتهزة اقتتال ملوك الطوائف فيما بينهم، واستعانتهم على بعضهم بالكفار، فسقطت مدن الأندلس ببطء مدينة بعد مدينة بيد الصليبيين، ومعها سقط عز الإسلام في تلك الربوع. 

سقطت طليطلة سنة 1085 م 

وسقطت قرطبة  1236 م

وسقطت إشبيلية سنة 1248 م

هكذا توالى سقوط المدن المسلمة بيد الصليبية الناقمة، وبقيت مدينة غرناطة صامدة أمام هذه المد، صمدت أمام الحصار الطويل، وتحت الإكراه والاضطرار وقعت اتفاقية لتسليمها بشرط ضمان حقوق المسلمين فيها وأمنهم على دينهم ولغتهم، لكن الصليبية الناقمة نقضت العهد، وسقطت غرناطة سنة 1492م، لتبدأ بعدها حملة الاضطهاد وفتنة المسلمين عن دينهم وإرغامهم بالسيف والتعذيب والقهر على الكفر بالإسلام والدخول في دين الكنيسة. 

غرناطة
مدينة غرناطة

الموريسكيون واضطهاد الصليبية 

بعد سقوط غرناطة ونقض الصليبيين لمعاهدة استئمان المسلمين على دينهم ولغتهم وأعرافهم، مارسوا عليهم التنصير قسراً، ومُنعت اللغة العربية، وحرقوا المصاحف وكتب العلم، وفرضوا تنصير الأطفال وحديثي الولادة، وبدأ فصل دامٍ من فصول التعذيب في العالم، وهو جرائم محاكم التفتيش. 

كان عمل هذه المحاكم هو التفتيش عن عقائد المسلمين، حتى عند إظهارهم عدم اعتناقهم للإسلام، عذبت الصليبية الناقمة المسلمين بالحديد والنار، وفتنوا الناس عن دينهم، وابتكروا آلات استحدثوها لفنون وألوان التعذيب الجسدي والروحي، وفي غمار هذا التنكيل ظهر ما يسمى بالموريسكيين وهم المسلمون الذين أخفوا إسلامهم تحت وطأة تعذيب الكنيسة، وأُجبروا تحت القهر على التظاهر باعتناق المسيحية.

الموريسكيون (Los Moriscos) من “موريسكي” وهي كلمة إسبانية يُقصد بها معنى “العربي الصغير” أو “المسلم الصغير”، هكذا أراد الإسبان تسمية المسلمين ليضفوا عليهم صفات تحقيرية، تمهد لما سيفعلونهم فيهم من اضطهاد وسجن وتعذيب في ما بعد. 

لقد كانت هجرة الموريسكيين من أكثر صفحات التاريخ ألماً، فرّوا بدينهم من بطش الصليبية الحاقدة، واستقروا في مدن متناثرة في الأمة، منهم من رست به الأمواج على سواحل تونس، ومنهم من هاجر إلى المغرب، ومنهم من استقر في الجزائر، وآخرين في ليبيا، ومنهم من هاجر إلى عاصمة الخلافة العثمانية. 

أما من هاجروا إلى تونس فقد استقر عدد منهم في مدينة تستور، في تونس الخضراء حيث وجدوا من أهلهم المسلمين هنا كل الحفاء والترحاب، لقد جاؤوا وملئهم الوجد والحسرة، ومن ذا الذي لا يتحسر على أندلس قرطبة وإشبيلية وبلد الوليد، من ذا الذي لا يملؤه الشجن والشوق إلى عودة مجد أضعناه. 

يعجب الشرق علاها *** ولها الغرب خضوع

يارُبى الأندلس الخضراء *** يا طيب الربوع

كم لك اشتاق فؤاد *** وبك هام ولـــوع

نسأل الرحمن يوماً *** فيه نأتيك جموع2 (2)

“ولا غالب إلا الله”.3 (3)

المصادر 

  1. كتاب: تحت راية القرآن، للمجاهد الشهيد بإذن الله -محمد زكي حمد- ص  298.  ↩︎
  2. قصيدة: ما نسينا خبروها، في رثاء الأندلس. ↩︎
  3. اتخذ هذا الشعار كرمز لمملكة غرناطة، واشتهر نقشه على مساجد وجدران وقصور الأندلس خاصة في قصر الحمراء. ↩︎

مؤمن سحنون

أرجو أن أكون من الساعين لأن ننال يوما الحرية، الحرية بمعناها الشامل لأمة تعرف رسالتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى