السيرة النبوية
خبت أنوار الغرفة ببطءٍ، ولكن لم يأتِ الظلام كاملًا هذه المرة، بقيت خيوط ضوءٍ باهتةٍ تدور في الهواء من حولي. احتجتُ بعض الوقت لأدرك أنها ليست أضواءً، بل مخطوطات؛ عشرات المخطوطات القديمة كانت تحوم في الفضاء كطيورٍ ترفرف أجنحتها ببطءٍ، أوراقها تتوهج بلونٍ ذهبيٍّ خافتٍ، فتُلقي على الجدران المعدنية ظلالًا…
حَدَّقتُ في وجهه الصامت، في تلك الابتسامة الغامضة التي لا تُفارقه وكأنها سلاحه الخفي. كان سؤاله الأخير لا يزال يَرِنُّ في أُذُني كصدى انفجارٍ لم يخمد بعدُ: كلماته لم تكُن مجرَّد استفزازٍ، بل بدت كأنها صُمِّمت لنسف شيءٍ عميقٍ في داخلي. لم أَحِرْ جوابًا؛ ليس عجزًا عن الكلام، بل لأن…
“لماذا تُؤمن بإمكانية السفر عبر الزمن وكأنها حقيقة لا تُناقَش؟ هل جرَّبته بنفسك من قبل؟” ظلَّ السؤال معلقًا بيننا. لم يكن سؤالًا عن الفيزياء، ولا عن التكنولوجيا، كان سؤالًا عن شيءٍ أخطر؛ عن المصدر الذي أستمدُّ منه يقيني. شعرتُ وكأنّ جدارًا خفيًا بدأ يتشقق داخل رأسي، وأحسستُ أن أفكاري قد…
منذ أنْ غادرني ذلك الكائن الغامض، وسؤاله الأخير يَطِنُّ في أُذُني كَجَرَسٍ لا يكفُّ عن الرنين: هل نحن فعلًا نَفْصِلُ الدين عن الدولة لأنّ الإسلام يأمر بذلك؟ أم أننا نُكَرِّرُ ما زرعه فينا الاستعمار وأقنعنا أنه “الحقيقة”؟ حاولتُ أنْ أطرد السؤال، ففشلتُ. حاولتُ أنْ أنام، ففشلتُ أيضًا. كلما أغلقتُ عينيَّ…
علي جاد المولىمنذ 4 أسابيعالفَصلُ الثَّانِي: الِاتِّهَامُ
اسْتَيْقَظْتُ على برودةٍ تَنْخُرُ عظامي، كأنني سقطتُ في بِئْرٍ من جليدٍ أزرق. لا أتحدث عن بردٍ عادي، بل عن ذلك النوع من البرد الذي يجعلك تشكُّ لِلَحْظَةٍ أنّ الدم ما زال يجري في عروقك. فتحتُ عينيَّ بصعوبة؛ كان رأسي مُثْقَلًا، وأفكاري عالقةً في منطقةٍ ضبابيةٍ بين الحلم واليقظة، لكن جسدي…
لطالما أقنعتُ نفسي أننا وحدنا في هذا الكون الفسيح. نعيشُ على كوكبٍ صغير يدور حول نجمٍ عادي، في طرفٍ شبه منسي من مجرةٍ هائلة. لا رسائل من السماء، ولا حضارات بعيدة، ولا عيون تراقبنا من وراء النجوم. هكذا ظننت. لكن ماذا لو كان البشر يشبهون أسراب النمل أكثر مما يتخيلون؟…
لم أكن أؤمن كثيرًا بالقصص التي تبدأ بالاختطاف؛ كنت أظنها حيلة سهلة يلجأ إليها الكُتّاب حين يعجزون عن إيجاد مدخلٍ مقنع لأحداثهم. ولكن، حتى لو كانت بعض هذه القصص حقيقية، فلم يجل بخاطري يومًا أنّ شيئًا مثيرًا مثل هذا قد يحدث لي أنا. لماذا؟ دعني أعرفك بنفسي. تعال وألقِ نظرة…
ما يحدث في فلسطين ليس مجرد مقاومة… وما يجري في غزة ليس مجرد معركة. إنها لحظة من لحظات الاصطفاء التاريخي، يُختبر فيها صدق الثوابت، وتُكشَف فيها زيف التحالفات، ويُعاد فيها رسمُ خرائط المنطقة لا بالحبر ولا بالخطابات، بل بالدماء والصبر والمعرفة. ورغم أنّ سُحب الإعلام تمطر علينا سيلًا من الإحصاءات…
في صراع الوجود، هناك خَطَآن قاتلان: أن تنتظر حتى يُحدّد عدوك ساحة المعركة، أو أن تُساق إلى ميدان لم تختر زمانه ولا مكانه. وهكذا لم يقبل النبي ﷺ، وهو يبني دولة الإسلام الأولى في المدينة، أن يكون رهينة هذا الانتظار. خرج بنفسه على رأس جيش إلى الشمال حيث دومة الجندل،…
في ذلك اليوم المشهود كان الصحابة يواجهون أعظم امتحان لصدق إيمانهم: كيف تستمر الأمة بدون النبي صلى الله عليه وسلم؟ تجلّت الكارثة في عيون عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يهتف في ذهول: «إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله مات!»، بينما كان أبو بكر الصديق رضي الله…



