لكل شخص في عالمنا هذا حق أساسي ألا وهو حق التعلم. وحث الدين الإسلامي على التعليم في العديد من مواضع القرآن الكريم. فيقول الله -تعالى-: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (سورة العلق، 1-5)، وقال -تعالى-: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} (سورة طه، 114). كما أن هناك العديد من الأحاديث التي تحث على التعليم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم)، وهناك العديد من الأحاديث الأخرى التي تشجع على العلم وطلبه.

منذ انطلاق شرارة الثورة السورية في العام 2011م، بدأت موجات الهجرة الداخلية والخارجية تزداد يومًا بعد يوم؛ هربًا من الواقع المؤلم، والأعمال العسكرية التي لا ترحم، ولا تميز بين طفل وشيخ وامرأة. وكان لتركيا النصيب الأكبر من هذه الهجرات؛ وذلك بحكم الموقع الجغرافي المجاور لسوريا، وبحكم دعم الحكومة التركية لمطالب الشعب السوري المحقة.

وبما أن أغلب المهاجرين كانوا من العائلات، فكان لا بد من البحث عن حلول من أجل تعليم الأطفال. وهنا بدأت مرحلة جديدة من مراحل البحث عن واقع تعليمي يخدم مصالح المهاجرين، فبدأ إنشاء المدارس السورية المؤقتة. وخلال السنوات اللاحقة حدثت العديد من المتغيرات في ملف تعليم الطلاب السوريين في تركيا.

بداية مبكرة

منذ أن بدأت أُولى موجات هجرة السوريين إلى تركيا -بعد قيام الثورة السورية في العام 2011م- بدأ الأهل يبحثون عن واقع ملائم لتعليم أبنائهم. وفي هذه الفترة بدأ بعض التربويين السوريين بفتح المراكز الصغيرة، حاملين لواء التعليم للطلاب اللاجئين. وكانت هذه المراكز هي الملجأ الوحيد للطلاب ليُكملوا ما كانوا قد بدأوه؛ حيث إن هذه المراكز كانت عبارة عن أبنية مستقلة قدمتها الحكومة التركية، وكانت الدراسة فيها شبه مجانية.

مرحلة الاضطراب الإداري

وبعد ازدياد عدد السوريين في تركيا بعد عام 2013م؛ وجد أصحاب رؤوس الأموال أن فتح المدارس سيدر عليهم الكثير من الأموال، فبدأ إنشاء العديد من المدارس الأخرى، التي بدأت تأخذ الرسوم الدراسية من الطلاب. وكان بعض هذه المدارس عبارة عن أقبية تضم العديد من الغرف الصغيرة التي تصلح لأن تكون أي شيء إلا المدارس. ومع ذلك كان بعضها يقدم خدمة تعليمية وتربوية جيدة. وأطلقت الحكومة التركية على هذه المراكز اسم مراكز التعليم المؤقت، ولم تطلق عليها اسم مدارس؛ لأن أغلبها -بل ولربما كلها- لا تحقق الشروط اللازمة لأن تكون مدارس؛ حيث لا تتوفر فيها الساحات المطلوبة، ولا حجم الصفوف الملائم، وكانت أعداد الطلاب داخل هذه الغرف أكثر من الطاقة الاستيعابية لها.

واستمر الوضع على ما هو عليه فترة زمنية ليست بالطويلة. وبمبادرة من بعض التربويين السوريين القائمين على بعض المراكز التعليمية؛ تم إنشاء مجلس مديري المدارس السورية في إسطنبول في العام 2014م، وانضم إليه عدد لا بأس به من مديري هذه المراكز. وكانوا يقيمون اجتماعاتهم بشكل دوري، من أجل إصلاح الوضع العام لتعليم الطلاب السوريين لأنهم أمانة. لكن ومع ذلك حدثت بعض الخلافات بين المديرين التربويين والمديرين التجار الذين لا يرون الطالب إلا عبارة عن سلعة لا بد من تحقيق الفائدة المالية من خلالها، وهذه الخلافات منعت التربويين من إصلاح الأوضاع التعليمية.

تدخُّل اليونيسيف وأثره

وفي العام 2015م بدأت منظمة اليونيسيف بتقديم منح مالية شهرية للمعلمين السوريين. وهذه المنح هي التي أحدثت تغييرًا مفصليًا في واقع تعليم الطلاب السوريين في تركيا؛ حيث إن بعض مديري المدارس قاموا بخصم قسم من رواتب المعلمين؛ متذرعين بحجة أن هذه المنحة هي قسم من راتب المعلمين، وبعض المديرين لم يخصموا أي مبلغ من رواتب المعلمين.

وهنا بدأت شكاوى المعلمين لمديريات التربية في كل أنحاء تركيا؛ حيث إن المعلم السوري لا يأخذ الراتب الذي يكفيه، ولا يتمتع بحقوق المعلمين المتعارف عليها في قوانين العمل؛ فلا يتم إدخالهم إلى نظام التأمين الصحي، كما أن الأهل قدموا العديد من الشكاوى على أداء بعض المراكز. وبلغ عدد هذه المراكز في ولاية إسطنبول وحدها حوالي 53 مركزًا.

تدخُّل الحكومة التركيَّة

الطلاب السوريين

وهنا كان لا بد لوزارة التربية التركية من التدخل لوضع حد لمثل هذه الانتهاكات؛ فأصدرت قرارًا في شهر تموز من العام 2016م بإغلاق جميع المراكز التعليمية المؤقتة السورية، وتحويل الطلاب الموجودين فيها إلى المدراس التركية. على أن يكون دوامهم بعد انتهاء الدوام الرسمي التركي، ويكونوا بصفوف خاصة بهم، تمهيدًا للدمج وفق خطة مدروسة تستمر لثلاث سنوات. وقامت بإخضاع المعلمين السوريين لثلاث دورات تدريبية تربوية، والمعلم الذي لا يخضع لهذه الدورات لا يحق له الدخول في سلك التعليم.

وبالفعل بدأ تطبيق هذا القرار، وبدأ الطلاب السوريون يداومون في المدارس التركية في الدوام المسائي، وتم تعيين مدير تركي لكل مدرسة، وتعيين عدد من المعلمين الأتراك ليعلموا اللغة التركية لهؤلاء الطلاب. حيث إن عدد حصص اللغة التركية كان يُشكل 50% من مجموع الحصص الأسبوعية للطلاب.

لكن وللأمانة فإن الوضع في بعض هذه المدارس لم يُحقق الغاية المرجوة منه؛ لأن أغلب المعلمين كان يعتبر أن هذا العمل هو عمل إضافي، لأن الأجر الذي يأخذه المعلم لا يكفي لسد احتياجات الحياة الأساسية. فكان بعض المعلمين يعملون في الصباح بعمل آخر، وفي الناحية الأخرى عمل بعض المدرسين التربويين بأقصى طاقاتهم، لأنهم مدركون أهمية المهمة العظيمة التي يقدمونها.

ونتيجة لذلك قام بعض أولياء الأمور، والذين تسمح لهم ظروفهم المادية، بنقل أولادهم من هذه المدارس إلى المدارس الدولية الخاصة، والتي تتقاضى رسومًا مالية لا يستطيع أغلب الأولياء دفعها. وكان الوضع -ولا يزال- أفضل بكثير من الوضع الموجود في المراكز المؤقتة.

مشكلة تعلُّم اللغة التركية

واستمر الوضع على هذا الحال، إلى شهر أيلول من عام 2019م؛ حيث انتهت مهلة الثلاث سنوات التي وضعتها وزارة التربية التركية، لإغلاق جميع المدارس التي أسستها في العام 2016م. وتم بالفعل إغلاق هذه المدارس نهائيًا، وتم نقل جميع الطلاب السوريين إلى المدارس التركية. وهنا واجهت المدارس التركية أزمة كبيرة بسبب العدد الكبير من الطلاب السوريين.

وكان عدد لا بأس به من هؤلاء الطلاب لا يعرف اللغة التركية بشكل أكاديمي يسمح له بتلقي العلوم باللغة التركية، فصدر قرار جديد في العام 2019م من وزارة التربية التركية بإنشاء ما يُسمى بصفوف الدمج داخل المدارس التركية؛ حيث إن الطالب السوري في هذه الفصول يتلقى تعليم اللغة التركية فقط، لينتقل بعد نجاحه في الاختبار الذي يُقام مرتين في السنة إلى الصفوف العادية، ويبدأ بعدها بتلقي جميع العلوم باللغة التركية.

مشكلات تواجه الطالب السوريّ

الطلاب السوريين

وفي بيانات صادمة أصدرتها المديرية العامة لإدارة الهجرة في تركيا أن أكثر من ثلث الأطفال السوريين اللاجئين في تركيا، لا يذهبون للمدارس أو أي مؤسسة تعليمية؛ حيث يوجد 1.247.000 طفلًا سوريًا في سن التعليم، ويوجد فقط 800.000 طالب يتلقون التعليم ضمن المدارس، أما البقية فإنهم لا يذهبون إلى أي مركز تعليمي.

وخلال هذه الفترة الزمنية الطويلة، وبسبب سوء الأحوال المادية لأغلب الأسر السورية، تسرَّب الآلاف من الطلاب السوريين من المدارس، ليقوموا بالعمل وإعانة أُسرهم. وهذا الأمر أدى إلى تجهيل الكثير من الطلاب وحرمانهم من حقهم في التعليم. وهذا الأمر حتمًا سينعكس سلبًا على هؤلاء الطلاب وعلى أُسرهم في المستقبل. ونجد أن الكثير من هؤلاء الطلاب لا يعرفون حتى كتابة أسمائهم باللغة العربية، ولا يحملون أي قيمة لثقافتهم الأم ولا لتاريخهم ولا لعاداتهم ولا تقاليدهم.

أما في الجانب الآخر نجد أن البعض من أولياء الأمور حاولوا الحفاظ على اللغة العربية؛ فبدأوا يسجلون أبنائهم في دروس مسائية أو في أيام العُطل أو عن طريق التعليم عن بعد، بمراكز لتعليم اللغة العربية. وبالفعل لاقت هذه الخطوة نجاحًا لا بأس به، فاستطاع الطلاب تعلم أساسيات اللغة العربية.

مشكلات تواجه المُعلِّم السوريّ

وبما أننا نتحدث عن التعليم؛ لا بد من التطرق إلى أوضاع المعلمين السوريين. حيث في العام 2016م، بلغ عدد المعلمين السوريين التابعين لوزارة التربية التركية حوالي 12000 معلمًا، وفي الثاني من شهر تموز من عام 2021 تم فصل جميع هؤلاء المعلمين بسبب توقف الدعم المادي المُقدم من منظمة اليونيسف. ثم بعد ذلك في بداية شهر شباط من عام 2022م، تم إعادة قرابة 3000 معلم إلى عملهم وفق شرطين وهما: أن يكون المعلم حاصلًا على شهادة جامعية، وعلى شهادة لغة تركية B1 المستوى الثالث.

الخاتمة

الطلاب السوريين

هناك نتائج نصل إليها بالنظر إلى المشكلة. منها:

  • أثرت الحرب القائمة في سوريا على السوريين بشكل كبير؛ فاضطرت عشرات ألاف الأُسر من الهجرة إلى مناطق داخل سوريا أو خارجها هربًا من جحيم الحرب.
  • منذ بداية وصول السوريين إلى تركيا بدأوا بالبحث عن مرتكز لتعليم أولادهم.
  • بدأ إنشاء العديد من المراكز التعليمية الخاصة بالسوريين في تركيا، وكان لهذه المراكز العديد من المحاسن والمساوئ.
  • نتيجة تردي أوضاع المدارس وظلم بعض القائمين عليها، بدأت الشكاوى تصل يوميًا إلى مديريات التربية التركية؛ الأمر الذي دفع الوزارة للإشراف بشكل مباشر على المدارس السورية.
  • وضعت وزارة التربية التركية خطة خلال ثلاث سنوات تقضي بنقل جميع الطلاب السوريين إلى المدارس التركية ليكملوا تعليمهم.
  • ترك الآلاف من الطلاب المدارس بسبب سوء الأحوال المعيشية لأسرهم.

الحلول

لا بد من اللجوء إلى بعض الإجراءات لكي يستطيع أولياء أمور الطلاب السوريين المحافظة على لغتهم الأم، وعلى القيم التي لا بد من زرعها في نفوس هؤلاء الأطفال. ومن بين هذه الإجراءات:

  • من لديه القدرة المالية لا بد له من تسجيل أبنائه -خاصةً في المرحلة الابتدائية- في المدارس الدولية التي تُعلم اللغة العربية؛ ليتمكن الطلاب من تعلم اللغة العربية بشكل أكاديمي، وبعد ذلك لا ضير في نقلهم إلى المدارس التركية.
  • الأشخاص الذين ليس لديهم قدرةٌ مالية، لا ضير في أن يُسجلوا أبنائهم في المدارس التركية، مع تسجيلهم بنفس الوقت في أيام العُطل أو في المساء بدورات لتعليم اللغة العربية، حيث إن هذا الخيار مُتاح عن طريق التعليم عن بُعد وأُجوره ليست كبيرة.
  • اهتمام الأهل في المنازل بتعليم أبنائهم اللغة العربية وقراءة القرآن الكريم، ومتابعة بعض قنوات اليوتيوب التي تهتم بهذا الجانب.
  • عقد الندوات والمؤتمرات من قبل أهل الاختصاص بشكل دوري، والتي تهتم بضرورة تعليم اللغة العربية وزرع القيم التربوية في نفوس الأبناء.

422

الكاتب

عبدالله ياسين شيخ أوغلو

باحث في التاريخ الإسلامي، فخورٌ به، شغوف بالبحث العلمي، موضوعي وغير منحاز، مدركٌ لأهمية فهم التاريخ للتخطيط للمستقبل؛ لأن التاريخ يعيده الله.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.