اختيارات المحرر

التسليم لقضاء الله وقدره

لابد أن كل واحد منا قد مر في حياته بأزمة أو مشكلة لم يفهم معناها ولم يفهم الحكمة منها، تأتي بشكل مباغث غريب تحار عقول العباقرة عن تفسيرها، ويعجز أولو النهى والأحلام عن تبيان المغزى منها، ولكن هذه المرحلة هي المرحلة الممتازة لاختبار التسليم لله تعالى، والخضوع له جل وعلا. فبدل أن نتشكى من عدم موافقة الأقدار لما نهوى، علينا أن نقبل أن ما اختاره الله فهو خير لنا لا محالة. لذلك سأسعى هنا للتذكير بمعاني التسليم لله تعالى خاصة فيما يتعلق بالقضاء والقدر عسى أن نحققه في أنفسنا ونرضى بما قسمه الله تعالى لنا.

معنى التسليم

من دون الدخول في دوامة الأصل اللغوي وما يتبعها من اشتقاقات، يمكننا القول أن التسليم يدور معناه حول الانقياد والإذعان والخضوع، ومن أصله تُشتق لفظة ‘الإسلام’ كذلك، فالدين كله مبني على هذا المعنى العظيم، فالله تعالى يقول: ﴿… ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ﴾ [النساء: 65]، وجاء في التفسير الميسر شرحها كما يلي: (ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما انتهى إليه حكمك، وينقادوا مع ذلك انقيادًا تامًا، فالحكم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة في كل شأن من شؤون الحياة من صميم الإيمان مع الرضا والتسليم)، لذلك كان التسليم الركن الأصيل من الدين في باب الشرائع، ومن دونه لا يمكننا الوصول لفهم لماذا نصلي الظهر أربع ركعات وليست ثلاثة؟ ولماذا نصوم شهر رمضان وليس شهر شوال؟ وغيرها من الأسئلة التي طرحها علماء الشريعة -والأصوليون خاصة- قديمًا وحديثًا واكتفوا بالرد أن فيها معاني تعبدية لا نفهم كُنهها.

وكما يسهل علينا التسليم في باب العبادات وجب علينا كذلك التسليم في واقع الحياة لله رب العالمين خاصة في باب القضاء والقدر.

الإيمان بأسماء الله الحسنى 

الإيمان بأسماء الله الحسنى من المعينات على التسليم

من دون فهم أسماء الله الحسنى لن نتمكن من معرفة الرب تعالى الذي يقدر هذه المصاعب والآفات، فكلما عرفنا الرب سبحانه وتعالى وآمنا بكماله في كل الجهات علمنا أن ما يقضيه لنا ليس  إلا الخير. وسأكتفي هنا بالتلميح لاسمين من أسماء الله لشدة اتصالهما بمعنى التسليم، وهما اسما الرب تعالى الحكيم والعليم.

 فالإيمان بأن الله حكيم يعني أنه لا يدخل في تدبيره خلل ولا زلل، وأنه سبحانه وبحمده يفعل الصواب دائمًا. فمثلًا حينما ترى موت قريب لك تحبه في الدقيقة الفلانية وفي الساعة الفلانية وفي اليوم الفلاني وفي المكان الفلاني إنما ذلك راجع إلى كمال حكمته سبحانه وتعالى، فحتى إن وجدت في نفسك صعوبة لتقبل موته فحاول تذكير نفسك أن الله حكيم في اختيار هذا التوقيت بالضبط وهذا المكان بالضبط وهذه الحالة بالضبط، فليس عبثًا؛ بل صنيعه سبحانه وبحمده كله صادر عن حكمة بالغة لا يعتريها نقص.

أما عن اسمه العليم فهو الذي يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وأن علمه أحاط بكل شيء، فلا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى.

ولنتصور هذا المعنى على قدر عقولنا القاصرة، فلنتخيل أنفسنا داخل غابة كثيفة الأشجار. إذا سألتك كم من ورقة في الشجر، وكم من ورقة في الأرض، وفي أي دقيقة سقطت هذه الورقة من الشجرة إلى الأرض؟ وكيف سقطت؟ لاعتبرت سؤالي هذا خبالًا! فمن منا يفكر في عدّ الورق الموجود في الغابة؟ ووقت سقوطها.. إن هذا المجهود كبير جدًا تفنى فيه الأعمار، فكيف إذا أضفنا إليه أسئلة كم من ورقة كانت في الفصل السابق؟ وكم من ورقة ستكون في العام المقبل؟ وإلى متى ستبقى هذه الورقات في هذا المكان؟ وغيرها من الأسئلة حول هذه الأوراق لجعلنا حياتنا كلها حول هذه الأوراق، فكيف بمن يقول عن نفسه سبحانه وبحمده: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: 59]، هذا فقط عن الورقة، فما بالك بالأنهار والبحار بما فيها من عوالم الأسماك، والسماوات وما فيها من عوالم، والطيور والأراضين وما فيها من عوالم، ناهيك عن العالم الغيبي بما فيه من ملائكة وجن. 

كيف لي أنا كبشر ألا أثق في إله عظيم يُسيّر هذا الكون كله بإحكام وإتقان منذ بدء الخليقة، وهذا فيما نعلمه فقط، فكيف بما لم نعلمه!

إله بكل هذا العلم سبحانه وبحمده أليس جديرًا أن نُسلّم له أمورنا ونؤمن بأن ما قدّره لنا هو الحكمة لا محاله، خاصة أن هذا المعنى منصوص عليه صراحة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الموحى إليه بالحق: “عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ”. [رواه مسلم].

متاهة الأسئلة الخاطئة

حين تحل بك المصيبة لا تدخل في متاهات من الأسئلة التي لا جواب عليها: لماذا أنا؟ ما الذي فعلته حتى أستحق هذا؟ كثير غيري يعصون الله تعالى وأنا أفضل منهم حالًا لماذا ليس هؤلاء؟ هنا حاول أن تبني نفسك وقت الرخاء لتذكّر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ قَومًا ابتَلاهم، فمَن رَضيَ فله الرِّضا، ومَن سَخِطَ فله السَّخَطُ” [مسند الإمام أحمد]. فلعل هذا الابتلاء علامة حب الله لك وعلامة قربك من الله، عكس ما يتوهم في التصورات الخاطئة، ولا تنس الجواب القرآني لما يقع من مصائب: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]، فالله سبحانه قد عفا كثيرًا ولكن نحن من ننسى ذنوبنا وما اقترفته أيدينا. ولنتذكر كذلك أن بعض المصائب إنما هي رفعة للدرجات وتكفير للسيئات.

تسليم الصحابة في قصة خواتيم البقرة

وليس التسليم سهل المنال، ففي قصة الصحابة رضوان الله عليهم عند نزول آية: ﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ [البقرة: 284] يروي أبو هريرة أن الصحابة -رضوان الله عليهم- قالوا: (كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها) فكان صعبًا عليهم أن يُسلِّموا لأمر كهذا وإن كان من التشريعات، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشدهم لكيفية التعامل مع هذا الوضع حيث قال صلى الله عليه وسلم: “قولوا: ﴿سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ وبعدما تم التسليم وذلت ألسنة القوم به، أنزل الله البشرى العظيمة بخواتيم البقرة: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ….﴾ [البقرة: 285].

ولنأخذ من هؤلاء الصحابة عبرة وعظة فنُسلّم الأمر لله تعالى وننتظر الفرج من عنده، فقد كادوا يجزعون ولا يصبرون على ما ألم بهم، ولكن بهدي النبي صلى الله عليه وسلم أرشدهم لما هو أسلم لدينهم: (سمعنا وأطعنا). ولتكن كلماتنا في المصيبة مثل هذه المعاني، حيث نراقب عطايا الله في خضمها، وما أعده للصابرين المحتسبين، ومحاولة فهم بعض الحكم وراءها عسى أن تكون هذه المصيبة رفعة في الدرجات.

ربنا أفرغ علينا صبرًا

لم يؤقت ربنا سبحانه وتعالى الصبر بوقت معين، بل قال عز وجل: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: 109]، فحكم الله لا يُعلم متى يأتي ولكنه آتٍ لا محاله، لذلك فاستعن بالتحمل وحبس النفس عن التسخط على أقدار الله المؤلمة حتى تنتهي مصيبتك أو حتى يحكم الله حكمًا من عنده سبحانه وبحمده، وإن أحسست بضيق نفسك وبصعوبة ما أنت فيه، ما عليك إلا أن تقتدي بمن قاتلوا مع طالوت قائلين: ﴿رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا﴾ [البقرة: 250] مستلهمًا الصبر من الله وحده تعالى، فهو وحده القدير على أن يعينك ويقويك على تجاوز هذه المحن.

وفي الأخير نسأل السلامة والعافية من كل البلايا، ونسأله سبحانه أن يهب لنا صبرًا من عنده لتجاوز المحن.

المصادر

  1. موسوعة أسماء الله الحسنى- نوال العيد.
  2. أسباب نزول قوله تعالى: {آمن الرسول…}
  3. الأحاديث من موسوعة الدرر السنية.

مريم بنت أحمد

مسلمة مهتمة بدينها وبأمتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى