مما لا شك فيه لكل متأمل في آيات القرآن أنه يعطي خصوصية بالغة للمرأة، سواء في الأحكام المقتصرة عليها، أو في توجيهات الشريعة لأطر التعامل بين كلا الجنسين. وفي ظل الخطاب النسوي المتزايد حينًا بعد حين، وتأثيره البالغ على تأويل بعض المسلمين للخطاب القرآني ليتماشى مع وجهات النظر النسوية التي تضع النساء جنبًا إلى جنب مع الرجال، في الحقوق والواجبات لا المكانة، فإنه يجدر بنا إلقاء نظرة متفحصةٍ ومتأملة حول حيثيات هذا الخطاب، ونعتني بالخصوصية الإسلامية لا بالخصوصية الغربية.

بدايةً؛ هناك خطاب موجه بشكل مباشر للنساء، وهناك خطاب عام لكنه يرتبط بهنّ والذي يأتي غالبًا في صورة خطاب موجه للرجال فيما يخص علاقتهم مع المرأة. ومن المهم دائمًا عند الرغبة في تناول الخطاب من كافة جهاته أن يُبتدئ بالأحكام التي تشمل، انطلاقًا للأحكام التي تخص، لأن الشريعة بمثابة بناء مترابط لا أحكام متناثرة، ولا ينبغي أن نجرد الأوامر من طبيعتها أو أن نأخذ بعضها دون بعض، فإنه إذا كان الخطاب النسوي خطابًا متمركزًا حول المرأة، فإن الخطاب القرآني عن المرأة يسهم في تقوية الكل، لا انفصال الجزء. وكثيرًا ما ينبني على سياق التعامل بين الجنسين أحكامًا خاصة بجنس واحد، وهو ما دعا إلى المرور على أحكام المرأة التي صاغها الله عز وجل في القرآن كخطاب للرجل قبل تأمل الأوامر الموجهة لها بشكل مباشر.

النساء الكبرى.. وأحكام التعدد

سورة النساء الكبرى هي السورة الرابعة من سور القرآن الكريم، آياتها 176 آية، وسميت بالكبرى لأن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه ذكر لها هذا الاسم ولسورة “الطلاق” اسم النساء الصغرى لاشتمالها على أحكام أنثوية كذلك. ومعظم الأحكام فيها ترتبط بالمرأة غير أنها لا تخلو من الخطاب العام لكافة الناس، ويفسر العلماء سبب تسميتها بذلك إلى أنه من خصائص اللغة العربية تسمية الشيء بما يغلب فيه.

تنتقل آيات سورة النساء من العام إلى الخاص، فبعد بداية السورة التي توجه أمرًا للعموم: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ) تبدأ الأوامر التي ترتبط بالمرأة، وأول ما جاء منها هو في الآية الثالثة: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ).

ومما يُشكِل على الفهم ارتباط ذكر التعدد بذكر اليتامى، وقد جاء هذا السياق لأنه كان من العرب من إذا نكح المرأة اليتيمة بخسها حقها من المهر ولم يعطها مثل ما تُعطى النساء في هذا الزمن، ولهذا كانت الآية السابقة لهذه الآية تشتمل على أمر “وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ”، فكانت آية التعدد بمثابة دعوة لهؤلاء أن لهم الحق في الزواج من امرأتين أو ثلاث أو أربع، دون أن يكون لهم الحق في ظلم اليتامى، وفي تفسير ابن كثير: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه.

إذًا؛ لم يكن السياق القرآني للتعدد مجردًا من المناسبة، والانتباه لمثل هذه السياقات مهم، فلو أن آية التعدد لم تأت في ذيل دفع الحرام والترغيب في الحلال، لكان من السهل أن يؤخذ الحكم باعتباره أمرًا مستحبًا أو ترغيبًا عامًا، وحتى مع كونه ليس كذلك، فلا جدال على مشروعيته.

تأتي مشروعية التعدد بعد ذلك ضمن شرط واضح، وهو العدل، “فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً”، ومن اللطائف اللغوية في الآية تقييد الفعل بعدم حصول الخوف الذي هو انفعال نفسي لا فعل مادي، فلم يذكر احتمالية عدم العدل فقط، وإنما جعلها في إطار ما قبل الفعل، وفي ذلك أثر مراعاة الخطاب لحق المرأة مع كونه موجه للرجل لأن الحكم لا يرتبط به فقط.

القوامة تعزيز للمكانة لا تقليل لها

الخطاب القرآني المرتبط بالمرأة.. تأمل في الآيات والأحكام (1) 1

تعد القوامة من الأحكام المؤثرة حتمًا على طبيعة حياة المرأة، ويأتي في الآية الرابعة والثلاثين من سورة النساء: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِم)، ولسنا في صدد ذكر التفسيرات المختلفة للآية والتي تعود كلها إلى مرجعيةٍ واحدة وهو إسناد شؤون المرأة إلى وليها بغية اختياره الأقوم لها، لأنه يعولها ماديًّا ولأن للرجل حنكة تضبطُ عاطفة المرأة، ومن البديهي لكل من يُعمل عقله أن ما يسري على الغالبية، يشذ منه البعض. لذا فإن القرآن لا يحكم على كافة النساءِ بأنهن لا يعدلن الرجال حكمة، والعكس بالعكس، وتفوق الرجال في بعض النواحي يعادله تفوق النساء في نواحِ أخرى، وعلى رأسها مقاصد الأمومة، التي تبني الأمة رجالًا ونساءً.

والإسلام دينٌ يقوم على السواءِ، وكل أحكامه تبتغي الحياة المستقيمة للمرء، وحسن استعماله للاستخلاف في الأرض، ولذلك فإن آية القوامة جاءت في سبيل ترسيخ مبادئ الحياة الزوجية -وإن كانت تشريعًا عامًا-، ففي بقيتها: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)، فالأصل أن تكون المرأة صالحة قانتة، وأن يستحقّ الرجل قوامته باتباع أوامر الله.

قال ابن العربي في تفسير الآية: “قوله: (قَوَّامُونَ) المعنى: هو أمين عليها، يتولى أمرها ويصلحها في حالها، قاله ابن عباس، وعليها له الطاعة… وعليه –أي الزوج– أن يبذل المهر والنفقة ويحسن العشرة، ويحميها ويأمرها بطاعة الله تعالى، ويرغب إليها شعائر الإسلام، من صلاة وصيام، وعليها الحفاظ لماله، والإحسان إلى أهله وقبول قوله في الطاعات”. وقال الزمخشري: وفي الآية دليل على أن الولاية تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر.

فكم في زماننا من ذكور يتشدقون بالقوامة وليس لهم من الدين شيءٍ، ومن نساءٍ يتسلطن على أوليائهن الذين يتعهدهن بالعناية والرعاية والمودة والرحمة، ثم يتسلطن عليهم بحجة الحرية وتحقيق الذات! ولا يتعارض أبدًا مبدأ القوامة مع الحرية، غير أنه طالما رضي المرء بالاستناد إلى شريعةٍ، وآمن بإله واحد أحد، فحريته هنا مقيدة -إذا اتبعنا التفسير السائد للحرية- فكلنا رجالًا ونساءً، عباد لله تحت مظلة الإسلام.

وأخيرًا؛ فإنه لا يترتب على القوامة زيادة في مكانة الرجل في الإسلام، أو كونه مفضلًا عن المرأة في الثواب، إنما هي نموذج عيش مشترك يرجو نفس الغاية في الآخرة، ففي سورة الأحزاب آية 35 جاء الخطاب يشمل كلا الصيغتين، المذكر والمؤنث، رغم أنه من خصائص معظم آيات القرآن استخدام صيغة عموم تشمل كلا الجنسين: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)، وفي سورة التوبة: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (71)، وفي سورة النحل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (97).

جدير بالذكر؛ أن معظم أحكام المرأة التي ارتبطت بأمور الدنيا جاءت في شكل خطابٍ موجه للرجل، مثل آية التعدد وآية الصداق وآيات الميراث وحتى آيات الحدود، وأحكام الطلاق، أما ما ارتبط بأمور الآخرة فإنه -في الغالب- جاء كخطاب مباشر للمرأة، أو كتبليغ من الرسول إليهن، وفي هذا -ربما- تقوية لمعنى قوامة الرجل لأنه المعني بإدارة شؤون الدنيا، ليس ذلك وفقط، بل فيه ضوابط واضحة لأسس قوامته، فعليه أن يتبع هذه الأسس فيكون مستحقًا للقوامة وتظل هي مكلفةً بالسعي، ومشمولة في الاستخلاف في الأرض الذي لم يفرق بين ذكرٍ وأنثى، غير أن كلًا من القرآن والسنة قد خصصا لكلٍّ دوره، الذي قد يضطرب تحت الظروف، وقد يتأثر التعامل من خلاله تبعًا لفساد الفطرة، لكن هذا لا ينبني عليه أي تغيير جذري لأصل الحال.

400

المصادر
الكاتب

رقية كمال الدين

أكتب، لأنه لا ملاذ آخر لي على وجه البسيطة. مهتمة بالعلوم الإنسانية وبالدراسات الإسلامية الفكرية.

التعليقات

  • رقية حسن منذ أسبوعين

    هي المرة الأولى التي أطالع فيها مقال من هذا النوع لكاتبة، ولا أخفيكم أن الأسلوب والتحليل في تناول هذا الموضوع على حساسيه نال إعجابي، وزاد هذا الإعجاب أضعاف عندما انتبهت أن الكاتب امرأة مما دفعني لإعادة قراءته مرة أخرى ومشاركته.

    رد

    اترك تعليقًا

    *
    *

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.