مراجعة كتاب في قبضة التنين.. الإبادة والمحرقة الصينية للمسلمين الإيغور

«عندما نطرح السؤال التالي: من هو أكبر وأبشع قاتل جماعي في القرن العشرين؟ سيكون الجواب البديهي غالبا: (هتلر) وربما (ستالين) لكن في تعداد أسوأ 10 قتلة وإبادة للبشر في التاريخ البشري الحديث والمعاصر، احتل ستالين المرتبة الثانية، واحتل هتلر المرتبة الثالثة! أما الأسوأ على الإطلاق والذي تصدر قائمة أبشع القتلة، فكان (ماو تسي تونغ) مؤسس وزعيم جمهورية الصين الشعبية»!

وقد تصدَّر القائمة بفارق «مريحٍ» جدا. فما هي الجرائم التي ارتكبها (ما وتسي تونغ) وخلفاؤه حتى اليوم تجاه المسلمين في الصين؟ ولماذا يغفل العالم عن الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الملايين من الإيغور المسلمين في (تركستان الشرقية/شينجيانغ) غرب الصين، منذ عهد (ماو تسي تونغ) وحتى الرئيس الصيني الحالي (شي جين بينغ) ؟

هذه قصةٌ مؤلمة يحكيها الأستاذ حسن قطامش في كتابه الجديد (في قبضة التنين.. الإبادة والمحرقة الصينية للمسلمين الإيغور)، الصادر عن مجلَّة تبيان، فيقدِّم السياق التاريخي للمحْنة وتاريخ الإسلام في المنطقة، ويوثِّق الجرائم والفظاعات التي ترتكبها الصين بتقارير صحفية وميدانية، ومن مصادر متعددة ذات مهنية عالية، وعن شهودٍ عايشوا «المحرقة».

يأتي الكتاب في 318 صفحة من الحجم المتوسِّط، ويتوزَّع على 25 فصلا؛ يسمِّي المؤلف الفصل «محرقة» تشبيها لجرائم الصين بمحرقة الهولوكست… في الكتاب إذن 25 محرقةً كل واحدةٍ منها تحكي جانبا من المعاناة؛ من القتل والسجن إلى الاغتصاب والتعذيب، إضافة إلى قطع النسل وغسل أدمغة الأطفال في إبادة ثقافية وعرقية شاملة. في نهاية كلِّ فصلٍ يحيل المؤلف إلى مجموعة من المصادر الصحفية والاستقصائية المهمة. وفي نهاية الكتاب يسرد أكثر مِن 150 مرجعا مهما في الموضوع.

من هو حسن قطامش؟

حسن قطامش إعلامي مصري له إسهامات كبيرة في الإعلام الهادف؛ أسس وأشرف على مشاريع إعلامية كبيرة، نشر كتبا عدة آخرها: (في مواجهة الظلمات.. في طغيان دين الإلحاد السينمائي) الصادر عن مركز (رواسخ)، وله مقالات كثيرة منشورة في مجلات ومواقع إلكترونية مهمة.

يبدأ الكتاب بتمهيد يتحدث فيه عن تاريخ الإسلام في تركستان الشرقية؛ حيث دخلها الإسلام في القرن الهجري الأول، وظلَّ أهلُها متمسِّكين بالإسلام على مدى قرونٍ من محاولة طمس الإسلام وتغييبه في المنطقة. ولكن التحوُّل الفارق حدث مع استلام الحزب الشيوعي للسلطة وتمكينه لعقيدةٍ إلحادية ترى في الدين عدوًّا منافسا وخطرا على الولاء للإيديولوجية الشيوعية الصينية.

وجد الإيغور أنفسهم معزولين عن المجتمع الصيني؛ فهم ينتمون إلى العرق التركي، ويدينون بالإسلام، ويتكلمون لغتهم الخاصة (وهي مكتوبة بالحروف العربيَّة)، ويسكنون في إقليمٍ غنيٍّ بالموارد وذي مساحة شاسعة، وقد ضاقوا ذرعا بسيطرة الإمبراطورية الصّينية فقامت ثورات شعبيَّة تنادي بالانفصال، وكانت شرارتها الأولى أنِ اعتدى رجلُ أمن على امرأة مسلمة، فقامت الانتفاضة واستقلت «جمهورية تركستان الشرقية»، لكنها سرعان ما عادت لقبْضة التنين الشيوعي 1944م بمساعدةٍ مِن روسيا؛ فقتلت الصين قادة الإيغور وأزهقت 10 آلاف نفس، وبدأت حملةً من الاضطهاد والقتل الجماعي البطيء.

لماذا الإيغور تحديدا؟

يُعد الإيغور ثاني قومية إسلامية في الصين بعد قوميَّة (الهوي) المسلمة، ومع ذلك تضطهد الصين الإيغور أكثر من غيرهم، وعندما يجد المسؤولون الصينيون ضغوطا وإحراجا دوليا يقولون: ها هم المسلمون من (الهوي) يتمتعون بالحرية الدينية! فلماذا تضطهد الصين الإيغور تحديدا؟ يقترح المؤلف ثلاثة أسباب رئيسية:

لأن الصين ترى الإيغور عرقا أدْنى

سببُ ذلك أن الإيغور متمسِّكون بهويَّتهم الإسلامية والثقافية بعيدا عن نسخة الإسلام الذي يفرضه الحزب الشيوعي؛ فبينما يتحدث (الهوي) لغة الماندرين الصينية ويندمجون في المجتمع الصيني، يصرُّ الإيغور على تحدث لغتهم وارتداء زيِّهم الإسلامي. وهو ما يتنافى مع عقيدة الحزب الشيوعي الذي يرى أن الثقافة الصينيَّة المعيارية هي ثقافة عرق (الهان)، وأن جميع القوميَّات الأخرى ينبغي أن تذوب فيه. تستند هذه العقيدة على الفكر الدارويني المادي الذي يرى أن البقاء للعرق الأقوى والأكثر «نقاء» وهو في نظرهم قوميَّة (الهان).

لأن الإلحاد هو دين الجمهورية

يؤمن الحزب الشيوعي أن الدين هو نوع من سحر الإيديولوجيا يخدع الناس ويمنعهم من التقدم والإنتاج؛ لذلك تنفر السياسات العامة من أي مظهر ديني في الأماكن العامة؛ وإذا كان لا بدَّ مِن وجود أدْيان فلتكن على النسخة الصينية، وطبقا لتوجيهات الزعيم (شي جين بينغ). ولأن المجتمع الإيغوري يرفض هذا «التصْيين» انتهجت الصين سياسة متطرِّفة تُكره الناس على اعتناق الفكر الشيوعي وتغسل أدمغة الأطفال: «وفقا لوثيقة نشرها موقع حكومي صيني، فقد قامت السلطات الصينية بفصل ما يقرب من نصف مليون طفل عن أسرهم -حتى (أكتوبر 2020)- ووضعتهم في مدارس داخلية، ويستهدف الحزب الشيوعي الحاكم تشغيل مدرسة أو مدرستين من هذا النوع في كل بلدة من بلدات (تركستان الشرقية/شينجيانغ) التي بلغ عددها 800 خلال عام واحد». المنهج الدراسي في هذه المدارس يتمحْور حول تمجيد العقيدة الشيوعية وتقديس الزعيم (شي جين بينغ) وتشويه الدين الإسلامي والثقافية الأصلية للإيغور.

 لأن إقليم تركستان مهم اقتصاديا واستراتيجيا

يستحوذ الإقليم على 16% تقريبا من مساحة الصين الإجمالية، وبه أهم احتياطاتها من اليورانيوم والقطن والنفط والفحم، وهو طريقها إلى النفط والغاز في الجمهوريات المحاذية لها مثل قرغيزستان، وفوق ذلك يتوقف مشروع «طريق الحرير الجديدة» على الاستقرار والتحكم في الإقليم؛ حيث تخطط الصين إلى إعادة إحياء خطوطها التجارية مع أوروبا والعالم عبر هذا المشروع. ورغم هذه الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية ما يزال الوضع الاقتصادي لسكان الإقليم ضعيفا مقارنةً بالأقاليم الأخرى.

في المحرقة 18 تحت عنوان: «الاستعباد المربح» يقول المؤلف: إن الصين تُجبر الإيغور على العمل قسريا في مزارع القطن، وفي ظروف غير إنسانية، ثم يُصدَّر ذلك القطن إلى الشركات الكبرى ويتحوَّل إلى ملابس لعلاماتٍ تجارية كبرى يتزيَّن بها المسلمون في شتى البقاع! علامات مثل ADIDAS و H&M تستورد القطن الذي يصنعه العمَّال الإيغور بشكل قسري!

في فصول الكتاب الـ 25 ما تخبرك عناوينه عن حجم المأساة التي يلاقيها المسلمون الإيغور، مثل:

(هكذا تقطع الصين نسل المسلمين، في بيتنا شيوعي ينام مع نسائنا، هدم عشرات آلاف المساجد وتخريبها، يتيم بأمر الدولة، الصين تعامل المسلمين كفئران تجارب، الاعتقال الجماعي باستخدام الذكاء الاصطناعي، لا رحمة على الإطلاق!).

أخيرا، هذا الكتاب مِن النوع الذي تخرج منه بحالةٍ من الحزن العميق على واقع إخوانك المؤمنين لا يوازيها إلا حالة الغضب العارم جرَّاء صمت الدول المسلمة عن هذه الجرائم مقابل القروض والصادرات الصينيَّة! وهو محاولة للفت الانتباه إلى القضية، والخروج من حالة النسيان؛ فقد ختم المؤلِّف كتابه بعنوان: «النِّسيانُ خذلان»!

لتحميل الكتاب من هنا.

بشار كباد

مهتمٌّ بقضايا اللغة العربية وآدابها، وبالعلوم الشرعية والمعارف الإنسانية. ومهمومٌ بقضايا النهضة والتمكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى