لا يزال البحث في تاريخ القدس الشريف يشغل حيزًا كبيرًا من تفكير الباحثين ورجالات التاريخ؛ فالعديد من المؤلفات تصدر بشكل دوري عن تاريخ القدس، وتُعقد المؤتمرات والندوات الخاصة بنفس الموضوع. وذلك للأهمية الدينية والروحية الكبيرة التي تتمتع بها هذه المدينة.

لم تكن دولة الخلافة العثمانية دولة عسكرية لا تمتلك عناصر التنظيم اللازم للدول التي تحكمها فحسب؛ بل إنها كانت دولة قائمة على إصلاح أوضاع المسلمين من كل النواحي؛ سواء السياسية منها أو الاجتماعية أو الاقتصادية. واهتمت هذه الدولة منذ دخولها إلى القدس الشريف أيام السلطان سليم الأول بإصلاح الأوضاع الاجتماعية للسكان فيها، لأنها أدركت أن إصلاحها هو إحدى الأولويات التي لا بد من الاهتمام بها، بحكم دورها في رعاية شؤون المسلمين الذين يقطنون ضمن حدود دولتهم.

وأما سكان القدس، فقد تنوعت مذاهبهم وأعراقهم؛ فنجد المسلمين الذين يشكلون أغلبية من يسكن في هذه المدينة، كما أن أعداد النصارى فيها كانت لا بأس بها، ويتركزون في أحياء معينة من المدينة، وأما بالنسبة لليهود فقد بدأ توافدهم إلى المدينة في نهايات القرن السادس عشر، وشكلَّوا بعد ذلك جزءًا من التركيبة السكانية في القدس، وبدأت أعدادهم تتزايد مع مرور الزمن.

هذا وقد اتسمت علاقة دولة الخلافة العثمانية مع جميع السكان في القدس بنوع من الرغبة في تطوير أوضاعهم وتحسينها، دون النظر إلى أعراقهم أو مذاهبهم؛ حيث عملت على الاستمرار بتطبيق جميع العهود التي منحها المسلمون لأصحاب الديانات الأخرى عبر العصور السابقة، وسمحوا لهم بإقامة شعائرهم الدينية، بما لا يتعارض مع أصحاب الديانات الأخرى، وممارسة طقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم دون أدنى مضايقة، وشرعت القوانين التي تحميهم، رغم أنهم الأقلية في تلك المدينة.

ونتيجةً لاتخاذ دولة الخلافة العثمانية لهذه الإجراءات وتبنيها لمبدأ المساواة بين الجميع وفق مبادئ الشريعة الإسلامية، فقد ساد الهدوء والاستقرار في المدينة، وظهرت ملامح التسامح وحسن الجوار والتعاون بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، لكن هذا لم يمنع حدوث بعض المشاكل التي لم يتم التطرق لها كثيرًا في كتب التاريخ.

طبيعة التركيبة السكانية في القدس خلال العهد العثماني

المسلمون

تُعد القدس مدينة عربية إسلامية، حيث شكل المسلمون فيها أغلبية ساحقة، وكانوا يتركَّزون بالقرب من الحرم القدسي الشريف، والمناطق الشمالية الشرقية من المدينة، كما أنهم لم يقتصروا على مذهب فقهي واحد، بل إنهم كانوا يتبعون للمذاهب الأربعة. لكن لا يوجد تعداد رسمي للمسلمين في بدايات فترة دخول العثمانيين إلى القدس.(1)

توزع السكان المسلمون في مدينة القدس على الأحياء المعروفة، مثل: حارة الشرف، وباب القطانين، وباب العمود، والزراعنة. وعددهم ينخفض في بعض الأحياء الأخرى، مثل: الريشة، والمغاربة، وعقبة الست، وحارات بني حارث، وهناك بعض الأحياء التي يكون فيها وجود الإسلامي معدومًا.(2)

إن بعض العائلات المسلمة الموجودة في القدس وصلت إلى مناصب رفيعة في الدولة، خاصةً في القضاء ونقابة الأشراف. ومن أهم هذه الأسر: آل الحسيني، وآل الخالدي، وآل النشاشيبي، وآل الخطيب، وآل النميري، وآل الكاتب؛ هذه العائلات تعد من أهم عائلات القدس، والتي كان لها الدور الكبير والمؤثر في تسيير الأمور الإدارية في ظل حكم دولة الخلافة العثمانية التي أعطتهم صلاحيات كبيرة.(3)

ويتكون المسلمون الذين سكنوا القدس من العديد من الفئات؛ فنجد المغاربة، الذين قرروا البقاء في مدينة القدس بعد أن قاموا بأداء فريضة الحج منذ مئات السنين، والقسم الآخر منهم جاء إليها بعد سقوط مدينة الأندلس في عام 1492م. ورغبةً منهم في الحفاظ على هويتهم، فقد جعلوا أسماء مدنهم التي ولدوا فيها أسماءً لعائلاتهم؛ فنجد عائلة المكناسي، وعائلة التلمساني، وعائلة المراكشي، وغير تلك. وقام هؤلاء بالسكن والاستقرار بحي خاص بهم في القدس، سموه باسم حي المغاربة، أو حارة المغاربة.(4)

ومن فئات المسلمين الأخرى التي كانت تسكن مدينة القدس نجد الهنود؛ الذين جاءوا من مناطق شرق آسيا لأداء فريضة العمرة والحج، واستقروا بعد ذلك في المدينة، وحدث ترابط اجتماعي بينهم وبين السكان فيها عن طريق الزواج، وعاش بعضهم في زوايا خاصة بهم بالقرب من باب الساهرة، أحد أبواب سور القدس.(5) كما أن السجلات المدنية الموجودة في القدس تشير إلى الهنود بأسماء عديدة، مثل: طائفة الهنود، أو الهنود السليمانية، وكان يتولى زعامتهم شيخ يسمى شيخ الهنود، وهو المسؤول عن تسيير أمورهم، وكلمته لا ترد بين أتباعه، وأوقافهم في القدس قليلة جدًا.(6)

وأما التكارنة، فقد جاءوا إلى القدس من بلاد التكرور. وتولى قيادتهم شيخ يلقب بشيخ التكارنة، وقاموا بالعمل بِحرَف مختلفة، مثل العمل بالأفران وقضايا الزواج والتوكيل، وكان جلهم من الطبقة الفقيرة، الذين اعتمدوا في معيشتهم على الهبات السنوية التي تصلهم من مصر وإسطنبول.(7)

كذلك الأمر هناك الأكراد، الذين وصلوا إلى القدس عبر العصور المختلفة، لأسباب عسكرية ودينية، وشاركوا في محاربة المحتل الصليبي، وكان قد وصل قسم منهم بصحبة مشايخ الصوفية.(8) وقد شكل الأكراد نسبة قليلة من التركيبة السكانية للمسلمين في القدس.

ومن الفئات الإسلامية التي سكنت في القدس يوجد التركمان الذين وصلوا إلى المدينة من آسيا الوسطى.(9) واستقر أغلبهم بحي باب العمود، وتشير السجلات إليهم باسم التركمان أو التركماني. والاسم الأخير هو اللقب الذي اتخذوه حفاظًا على هويتهم، وكان هو الشائع.(10)

وقد اهتم المسلمون في مدينة القدس بإقامة الاحتفالات الدينية، وباتت هذه الاحتفالات في الذهنية العثمانية عبارة عن شكل من أشكال العبادات التي يتم فيها تقرب المسلمين لله -تعالى-. ونجد أن الوثائق والمصادر العثمانية تتحدث عن اهتمام العثمانيين بالمناسبات الدينية، حيث كان رجال الدين يقيمون المراسم والتشريفات، وتأثر المسلمون في القدس بهذه العادات العثمانية.(11)

وهكذا نستطيع تكوين نظرة عامة عن فئات المسلمين الذين سكنوا مدينة القدس. ومن الملاحظ أنهم جاءوا من مختلف الأصقاع للاستقرار في القدس، على الرغم من أنهم ينحدرون من أقوام وعرقيات مختلفة، لأهميتها الدينية عندهم، حيث وجود الأماكن المقدسة.

النصارى

سكن النصارى في مدينة القدس بمختلف طوائفهم، وكانوا يقيمون في الزاوية الشمالية الغربية من المدينة. وكان لهم العديد من الأحياء الخاصة بهم، مثل: حي النصارى، وحي الأرمن، وحي السريان، والحدادين، والتبانة، وغيرها من الأحياء الأخرى. بالإضافة إلى أن بعض الأحياء الأخرى كانت تضم المسلمين والنصارى واليهود، بالقرب من كنيسة القيامة والحي الجنوبي الغربي(12) من المدينة. كما أنهم سكنوا في بعض القرى، وكانت لهم النسبة الأعظم من السكان فيها، مثل: بيت لحم، وبيت جالا، ورام الله، وبيت ديمة، وسلوان، والبيرة.(13)

هذا وقد قُدرت أعداد النصارى في القدس في أواخر القرن التاسع الهجري بحوالي ألف نصراني،(14) من الأحباش والأرمن والإفرنج.(15) لكن الأغلبية الساحقة للنصارى في القدس كانوا من الروم الأرثوذكس،(16) بالإضافة إلى النصارى الذين وصلوا إلى القدس من القرى المجاورة للقدس، حيث وصل عدد لا بأس فيه منهم من المناطق العربية كطرابلس وحلب ومصر، ويتضح أن الطوائف النصرانية التي سكنت القدس هي من السريان والأقباط والإفرنج والأحباش والأرمن واللاتين واليعاقبة.(17)

وأما في القرن الثالث عشر الهجري، فقد زاد عدد النصارى في القدس ليصل إلى حوالي 1800 نسمة.(18) ومن أهم الطوائف النصرانية التي سكنت القدس طائفة الروم الأرثوذكس الذين شكلوا غالبية السكان النصارى هناك.(19) وكانت هذه الطائفة مكونة من عدد كبير من العرب،(20) ومن الرهبان اليونانيين الذين تمكنوا من السيطرة عليها، وقد بلغ عدد سكان هذه الفئة حوالي 1400 نسمة في عام 1215 هـ.(21) وكان لهؤلاء أديرة خاصة في القدس، وأهمها دير مار الياس، الذي يقع على الطريق المؤدية إلى بيت لحم، وهو من الأديرة القديمة.(22)

ومن الطوائف النصرانية الأخرى التي استوطنت في القدس، طائفة الروم الكاثوليك، وكانوا من أصول أوروبية مختلفة، من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، ويوجد بعضهم من عرب بلاد الشام.(23) ومن أهم عائلات هذه الطائفة: غطاس، وراحيل، وبطاطو، وأبو غنيم، والسنيورة، والجلاد، والقحطان. ومن أهم اديرتهم المشهورة نجد دير المخلص، الذي يقع بحي النصارى، ويتم استخدامه لاستقبال الحجاج والزوار النصارى، وتقديم الخدمات لهم.(24)

وأما الأرمن، فقد جاءوا من ولايات الأناضول، ومن مدينة حلب.(25) وسكنوا في الجزء الجنوبي الغربي من القدس عند جبل صهيون، وسموا المكان الذي سكنوه باسم حي الأرمن وحي التبانة. كما أن قسمًا من الأرمن قرر الاستقرار في بيت لحم، وهاجر القسم الآخر إلى مدينة القدس.(26)

كذلك الأمر بالنسبة للأقباط الذين وصلوا إلى القدس من مصر للمشاركة في احتفال ديني في افتتاح كنيسة القيامة في منتصف القرن الرابع الميلادي،(27) وكان لهم في أوائل العهد العثماني عدد من الأوقاف. لكن أعدادهم بدأت بالتناقص بعد ذلك بسبب هجرتهم إلى مناطق أخرى.

اليهود

كان وصول اليهود إلى مدينة القدس عبر فترات زمنية مختلفة؛ فعندما سقطت غرناطة -وهي آخر معقل للمسلمين في الأندلس- بيد النصارى في عام 1492م/898هـ؛ قام قسم من اليهود الذين كانوا يسكنون فيها، بالهجرة واللجوء إلى بعض ولايات دولة الخلافة العثمانية، هربًا من الظلم الذي مارسته الكنيسة الكاثوليكية ضدهم، وتوجه قسم منهم إلى القدس، واستقروا في بداية الأمر في منطقة تسمى بجبل صهيون، وسموا الحي الذي احتواهم باسم حي اليهود.(28)

هذا وينقسم اليهود الذين وصلوا إلى مدينة القدس من أوروبا إلى قسمين: السفرديم، الذين هاجروا إلى القدس من إسبانيا والمغرب، وهم الذين يشكلون الأغلبية اليهودية في القدس. لهجتهم كانت مزيجًا من العبرية والإسبانية. القسم الآخر الأشكناز، الذين وصلوا إلى القدس قادمين من شرق أوروبا ووسطها. وكان قدومهم نتيجةً لعوامل دينية، وكان هناك تباغض بينهم وبين السفرديم الذين لم يسمحوا لهم بممارسة شعائرهم الدينية في أماكن عبادتهم. وهذا الأمر دفع الأشكناز إلى الهجرة إلى صفد والجليل.(29)

بالإضافة إلى هاتين الفئتين، هناك العديد من اليهود الذين قصدوا القدس ليسكنوا فيها. ومنهم من جاء من غزة، وصفد، وطرابلس الشام، ومصر، بالإضافة للعديد منهم الذين جاءوا من بلاد أخرى.(30)

وقد بلغ عدد اليهود الموجودين في القدس، في عام 1079هـ حوالي مئة وخمسين شخصًا.(31) وأخذت أعدادهم بالازدياد مع مرور الزمن، بسبب تسارع حركة الهجرة، وخاصةً من دول أوروبا الشرقية، مع ازدياد الضغوط عليهم من الأوروبيين. فوصل عددهم في عام 1143هـ إلى حوالي ألف نسمة.(32)

هذا وتشير سجلات محكمة القدس الشرعية إلى أن اليهود استطاعوا الانخراط في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في القدس مع باقي السكان فيها، وبدأوا يعملون في مختلف الحرف، ووصل بعضهم إلى مشيخة الكار في بعض هذه الحرف، كما أن نساء اليهود كن يعملن في طائفة الدلالين. لكن قاضي القدس محمود أفندي منعهن من البيع والشراء بسبب عدم التزامهن بقواعد المهنة، وإلحاقهن الضرر بباقي أفراد الطائفة، كما كان لهم عدد من المعابد في القدس يؤدون فيها طقوسهم وشعائرهم الدينية، ومنها كنيس اليهود الموجود في حارة اليهود، بالقرب من الجامع العمري، وكان هذا الكنيس مخصصًا لطائفة الأشكناز.(33)

لقد كان لليهود في القدس مقبرتان استأجروهما من مديرية الأوقاف الإسلامية، وهما المقبرة القديمة التي تقع قرب دير أبي ثور،(34) والمقبرة الأخرى في حي باب رأس العامود. وكانوا يقومون بدفن موتاهم في هاتين المقبرتين، وفق عاداتهم وتقاليدهم، ولا تقوم الدولة العثمانية بأي مضايقات تجاه ذلك الأمر.

هذا وقد كان للدولة العثمانية موقف إيجابي تجاه اليهود بشكل عام؛ فلم يضعوا قيودًا مالية عليهم. وبعض اليهود في القدس لم يكونوا يدفعون الجزية الواجبة عليهم، كما أن المحكمة كانت تقبل شهادات المتقاضين والشهود اليهود.(35)

وهكذا نرى أن التركيبة السكانية في القدس كانت تتألف من المسلمين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من التعداد العام للسكان، والنصارى الذين يأتون في المرتبة الثانية، واليهود الذين يشكلون أقلية عبر مرور العصور. وكانوا جميعهم يعيشون بأحياء خاصة بهم، بالإضافة إلى أن بعض الأحياء كانت تضم العناصر الثلاثة، وكانت دولة الخلافة العثمانية لا تفرق بين الفئات، وكانت قوانينها تسري على الجميع، مع احتفاظ كل فئة منهم بعاداتها وتقاليدها وممارسة شعائرها الدينية بما لا يلحق الضرر أبدًا بباقي فئات السكان الأخرى.

العلاقة بين السكان في مدينة القدس

العلاقة بين المسلمين والنصارى

لقد اتسمت العلاقة بين المسلمين والنصارى في مدينة القدس منذ أواخر القرن العاشر الهجري بالتسامح والهدوء وحسن الجوار. ويعود الفضل لهذا النوع من العلاقات الطيبة إلى دولة الخلافة العثمانية عندما قامت بوضع القوانين والنُظم التي أسهمت بتنظيم العلاقة بين جميع أطياف السكان في مدينة القدس. وكانت هذه القوانين تنص على معاقبة من يقوم بفعل معادٍ للطرف الآخر، أو التشهير به، أو الاعتداء على المراكز الدينية في المدينة؛ فنجد أنه تم تطبيق عقوبة التعزير بحق أحد الأشخاص الذين دخلوا إلى المسجد الأقصى بقصد الإساءة إلى هذا المعلم الديني، وصدر قرار بمنع النصارى من ركوب الخيل أو حمل السلاح.(36)

لكن هذا الهدوء لم يكن مستمرًا، حيث حصلت بعض التوترات بين المسلمين والنصارى عندما أراد النصارى بناء كنيسة في مكان مسجد للمسلمين كان قد تهدم، ولم يبقَ منه إلا بلاطة مكتوب عليها البسملة، فقام النصارى بتحطيم هذه البلاطة، وبنوا مكان المسجد كنيستهم، فتقدم المسلمون بشكوى للسلطان العثماني سليم الثاني؛ الذي وجه لجنة تحقيق للبحث في هذا الادعاء. وبالفعل بعد وصول اللجنة إلى مكان الكنيسة وجدوا أنها بنيت مكان قسم من مسجد قد تهدم سابقًا، فأصدرت اللجنة قرارها بهدم الكنيسة وإعادة بناء المسجد.(37)

وإذا ما انتقلنا إلى القرن الحادي عشر الهجري، فإننا سنجده قرن استقرار العلاقات بين المسلمين والنصارى وتحسنها؛ حيث أشارت وثائق الطوائف الحرفية في القدس إلى أن العلاقات عادت إلى سابق عهدها بين الطرفين. وكان النصارى يشكلون الفئة الثانية بعد المسلمين من حيث عدد المهن التي عملوا بها، ومنها: الأساكفة، والتجار، والصياغ، والأطباء، والكتبة، وغيرهم من أصحاب المهن الأخرى. كما أن النصارى كانوا يشكلون الأغلبية في بعض المهن الأخرى، مثل: الحدادين، و الشماعين.(38)

لقد كان للقوانين والمواثيق التي وضعتها الدولة العثمانية دور كبير في عدم حدوث المشاكل بين المسلمين والنصارى. وكانت هذه القوانين مفصلة تفصيلًا دقيقًا؛ كي تكون واضحة لدى الجميع، ولا يوجد فيها أي لبس. وقد سمح العثمانيون لجميع فئات المجتمع العرقية والدينية التعبير عن نفسها، لكن ضمن إطار النظام العثماني.(39) وكانت تعاقب كل من يقوم بمخالفة القوانين، وتحث دومًا على الاحترام المتبادل، كما أنها منعت كلا الطرفين من السب والشتم، وعندما قام بعض الأشخاص بالاعتداء على أحد الأديرة للنصارى، وسرقوه ونهبوا ما بداخله، تم إصدار أحكام بمعاقبة هؤلاء المعتدين، رغبةً من الدولة العثمانية بعدم تكرار أي مخالفة، لأنهم أدركوا لو أنهم تركوا الأمر ولم يعاقبوا المعتدين، فإن مثل هذه المشاكل الصغيرة سوف تكبر وتبدأ النزاعات والصراعات الدينية والاجتماعية، الأمر الذي سيؤدي إلى عدم الاستقرار في القدس.

العلاقة بين المسلمين واليهود

لقد كان تعامل دولة الخلافة العثمانية مع اليهود ينطلق من موقفها العام تجاه أهل الذمة؛ حيث قامت بفرض الجزية عليهم، لكن شهادتهم كانت غير معترف بها في المحكمة الشرعية، ولم تقم بتوظيفهم في الوظائف الحكومية رفيعة المستوى.(40)

اتسمت علاقة المسلمين باليهود في بداية فترة حكم دولة الخلافة العثمانية بالهدوء، وكان الطرفان يعيشان مع بعضهما بسلام، وحافظ اليهود على الروابط الاجتماعية التي تربطهم بالمسلمين. لكن مع مرور الزمن بدأت العلاقات تسوء بين الطرفين، عندما قام أحد اليهود ببناء كنيس فوق داره، الأمر الذي أزعج المسلمين الذين يسكنون بالجوار، وبعد تشكيل لجنة تحقيق، أصدر القاضي أمرًا بإزالة الكنيس، وحذروا اليهود من مغبة تكرار مثل هذا العمل.(41) كما أن اليهود كانوا يدفعون للمسلمين مبالغ مالية مقابل أن يقوم المسلمون بحمايتهم والدفاع عنهم، حيث دفعوا المال لأهالي قرية سلوان من أجل حماية قبورهم، كما أنهم كانوا يدفعون هبات سنوية لبعض عائلات القدس كهدايا.(42)

هذا وقد اندمج اليهود السفارديم مع المسلمين بعلاقات اجتماعية داخل مدينة القدس، وكان معظمهم يتحدثون اللغة العربية، ويسمون أبناءهم بأسماء عربية، وهذا الأمر خفف عليهم الصعوبات التي تمنعهم من الاندماج مع العرب المسلمين. كما أنهم عملوا بالتجارة والصناعة، ونالوا ثقة الحكومة العثمانية؛ الأمر الذي أدى لاعتراف دولة الخلافة العثمانية بهم، وجعلهم جزءًا مهمًا من مكونات المجتمع المقدسي. وبالمقابل فإن اليهود الأشكناز لم يتمكنوا من الاندماج وبناء علاقات اجتماعية مع المسلمين، ولا حتى مع طائفة اليهود السفارديم، فكان هناك خلاف بين الطائفتين. وكان الأشكناز منشغلين بالعبادة ولم يسعوا إلى الدخول لسوق العمل، فكانت أحوالهم المادية سيئة، وعاشوا فقراء، وكانوا يعتمدون على المساعدات الأوروبية التي تصلهم، وكان أغلب المرابين في القدس هم من طائفة الأشكناز.(43)

أما بالنسبة لكيفية حل مشاكل اليهود في القدس؛ فقد لجأ اليهود إلى القاضي الشرعي، وبالفعل كان القاضي يقوم بحل مشاكل اليهود وقضاياهم العالقة وفق أحكام الشريعة الإسلامية. وهذا دليل على مدى التفاهم والتسامح الذي كان سائدًا بين المسلمين واليهود، ومدى انصياع اليهود لأحكام وأوامر الحكومة المحلية، والعودة إليها في كل صغيرة وكبيرة من الأمور التي كانت تحدث معهم بشكل دوري.(44)

كما أن الحجاج اليهود الذين يأتون لزيارة الأماكن المقدسة، كانوا يصلون إلى الأماكن بكل سهولة ويسر ولم تواجههم أي صعوبات من المسلمين القاطنين في القدس، حيث تسامح المسلمين معهم بلغ حدًا لم يتوقعه اليهود أنفسهم. وهذا الاحترام كان نابعًا من الإجلال الذي يكنه المسلمين لأنبياء بني إسرائيل. وكان موسم حج اليهود فرصةً لهم لاستلام المعونات التي يقدمها المسلمون لزائري الأماكن المقدسة.(45)

العلاقة بين النصارى واليهود

مشهد في كنيسة القيامة أو كنيسة القبر المقدس هي كنيسة داخل أسوار البلدة القديمة في القدس.

تميزت العلاقات بين النصارى واليهود في القدس في ظل حكم دولة الخلافة العثمانية بالهدوء النسبي؛ النصارى أخذوا وعدًا من اليهود بعدم الدخول إلى أماكنهم المقدسة، أو حتى الوقوف والتجمع أمام أبوابها. وفي حال مخالفة ذلك التعهد فإن المخالف مجبر على دفع مئة دينار من الذهب لأمير القدس. كما أن النصارى قاموا بتقديم دعوى ضد شخص يهودي قام بالدخول إلى كنيسة القيامة الخاصة بالنصارى، من أجل أن يقوم بالترجمة لنصارى الإفرنج، وبعد تشكيل لجنة تحقيق في هذه الحادثة، قام القاضي برد هذه الدعوى مستندًا في حكمه إلى وضع الضرورة، وأن هذا الشخص اليهودي لم يقصد بدخوله الإساءة للمقدسات الدينية، بل كان القصد من ذلك الأمر هو مساعدة النصارى الإفرنج فقط.(46)

العلاقة بين الطرفين كانت متسمة بالحذر الدائم، ومما يدل على ذلك وجود بعض الدعاوى التي كانت بين الطرفين، والتي كانت تقر الحقوق لأصحابها، ومن هذه الدعاوى دعاوى النظافة والنظام وعدم تجاوز واعتداء أي طرف على الأماكن المقدسة الخاصة بالطرف الآخر.(47)

كما أن النصارى واليهود عاشوا في مدينة القدس بالقرب من بعضهم البعض، ولم يكن هناك أي قيود على علاقاتهم، وكانوا دائمًا مشتركين بطريقة تنفيذ القرارات الصادرة بحق أهل الذمة سواء أكانت بالقوانين المتعلقة بالأمور المسموح بها أو الأمور الممنوع القيام بها. وكذلك الأمر بالنسبة للضرائب والرسوم، آخذين بعين الاعتبار الاختلاف في مقادير هذه الضرائب، ومدى التزام أي طرف أكثر من الطرف الآخر بتنفيذ هذه القرارات.(48)

وأما من ناحية العمل، فإن اليهود والنصارى كانوا يعملون مع بعضهم البعض في بعض المهن والحرف، فنجد ارتباطًا وثيقًا كان بينهم في أعمال الصياغة وغيرها من المهن الأخرى.(49) ومما يدل على العلاقات الجيدة بين اليهود والنصارى في مدينة القدس، التواصل المستمر بينهما، وانخراط الطرفين في البيئة السكانية مع المسلمين الذين يعدون الكتلة الأكبر من التركيبة السكانية، وساد جو من الهدوء والتسامح بفضل السياسة الحكيمة لدولة الخلافة العثمانية، كما أن الخلافات الطائفية بين اليهود والنصارى كانت تتمحور حول إمكانية فرض السيطرة على الأماكن المقدسة، فكلا الطرفين كان يرى أنه صاحب الأسبقية بالدخول إلى هذه الإمكان وممارسة شعائره الدينية، والإشراف على الخدمات داخلها.(50)

وهكذا نرى أن العلاقة بين اليهود والنصارى داخل مدينة القدس كانت تتغير بتغير الأحوال؛ فنجد أن هذه العلاقات تتحسن عندما لا يكون هناك تضارب في المصالح، وخاصةً المصالح الدينية والاقتصادية، وعندما يكون هناك اعتداء من أحد الطرفين على الطرف الآخر، كانت هذه العلاقات تسوء، ويبدأ كلا الطرفين بتقديم الشكاوى والدعاوى إلى الحكومة العثمانية في القدس لتقوم بحل النزاع وإعادة الحقوق لأصحابها.

العلاقة بين طوائف النصارى

تعددت طوائف النصارى في مدينة القدس في ظل الحكم العثماني، واتسمت العلاقة بين هذه الطوائف في البداية بالتقارب فيما بينها، حيث تم عقد العديد من الاتفاقيات، ومن هذه الاتفاقيات الاتفاقية التي وُقعت بين الروم والأقباط في عام 945هـ. ونص هذا الاتفاق على أن من يصل أولاً منهما إلى كنيسة القيامة يقوم بفتح باب الكنيسة للدخول إليها. ومن الاتفاقيات الهامة الأخرى التي تم توقيعها بين طوائف النصارى، الاتفاق الذي تم توقيعه بين الأحباش والأرمن، حيث نصت هذه الاتفاقية أن يقوم الأحباش بوضع القنديل في قبة كنيسة القيامة.(51)

لكن هذه الاتفاقيات، وهذا التقارب بين طوائف النصارى لم يستمر طويلًا، وبدأت الصراعات بين هذه الطوائف، وخصوصًا في بدايات القرن الحادي عشر الهجري، حيث أخذت هذه الخلافات مجرى الصراع الدولي وكافة أشكال اتباع الطوائف الداخلية في القدس لأطراف دولية، فأصبحت هذه الفترة الزمنية، فترة مليئة بالصراعات والخلافات.(52) ومن مظاهر هذه الصراعات أن حدث تناحر بين الروم الأرثوذكس واللاتين الإفرنج، وكان السبب في هذا الخلاف على ادعاء كل طرف منهما أن له الحق بالقيام بعمليات الترميم داخل كنيسة القيامة،(53) ودارت الخلافات بين الطرفين عندما حصل اللاتين على فرمان من السلطان العثماني يسمح لهم بإخلاء القباب والقبور داخل الكنيسة لصالحهم.(54)

كما أن مجمل الوثائق قد أشارت إلى أن هذه الصراعات استمرت لفترة زمنية طويلة، والدافع من وراء تلك الصراعات هو السيطرة على الأماكن المقدس.(55) وإن مثل هذا الصراع والعداء الذي انتشر بين أبناء الطوائف النصرانية لم يبقَ محصورًا في مدينة القدس، بل امتد ليشمل السيطرة على الكنائس والأديرة خارجها.(56)

هذا وإن استمرار الخلافات بين طوائف النصارى ساعد في إذكائه العديد من العوامل. ومن هذه العوامل نذكر: أن كل الطوائف النصرانية كانت تسعى لتوسيع حقوقها في ميادين العبادة والضرائب وذلك عن طريق الأموال التي كانت تدفع للولاة العثمانيين، وكذلك الأمر الدور السلبي الذي لعبته القوى العالمية التي كانت تدعم طائفة على حساب طائفة أخرى، وسعي هذه الطوائف لتنفيذ الأجندات الخارجية لمصلحة الدول الداعمة لها، لأنها رأت أن قوتها مرتبطة بقوة هذه الدول، ولا بد من سماع أوامرها وتنفيذها على الفور بغض النظر عن النتائج التي سيخلفها.(57)

وأما عن دور دولة الخلافة العثمانية وحكومتها في القدس، فقد سعت إلى حل هذه الخلافات، عن طريق الإبقاء على الشروط القديمة كما هو الحال عليه، دون إجراء أي تعديلات قد تقود بإضاعة حقوق أي طائفة من الطوائف. وبعد وقوع الخلافات بين الطوائف النصرانية، أصدرت الدولة العثمانية قرارًا بأحقية كل طائفة من هذه الطوائف بإقامة شعائرهم الدينية داخل كنيسة القيامة في المواقع المحددة لها داخل هذه الكنيسة، والهدف من هذا القرار هو وضع حد لمثل هذه الخلافات التي كانت تضل أحياناً إلى الاقتتال بين هذه الطوائف، مما يؤدي إلى سقوط القتلى والجرحى.(58)

إن حالة العداء والاقتتال بين أفراد الكنيسة الأرثوذكسية وأفراد الكنيسة الكاثوليكية، انعكس سلبًا على حدوث نوع من الكراهية بين الطرفين، فلجأت كل طائفة إلى استخدام كل الوسائل المتاحة لإلحاق الأذى بالطائفة الأخرى، ولعب رؤساء هذه الطوائف دورًا كبيرًا في تأجيج الصراع.(59)

ومن أنواع الصراع الذي دار بين الطوائف النصرانية، قيام كل طائفة كبرى بالعمل على رعاية الطوائف الصغرى لتكون واقفة معها في حال حدوث أي خلاف مع الطوائف الأخرى، وقد أشارت الوثائق أن هذه الصراعات استمرت طيلة القرنين 17 و18 الميلاديين.(60)

وهكذا نرى أن الصراع بين الطوائف النصرانية كان مستمرًا ويزداد مع مرور الوقت. والسبب الرئيسي في حدوثه كان الدافع الديني والدافع الاقتصادي، فكل طائفة تريد أن تفرض قوتها على الأرض لتكون هي الأقوى والمستفيدة من هذه القوة لتحقيق مكاسب اقتصادية ودينية.

116

المصادر
الكاتب

عبدالله ياسين شيخ أوغلو

باحث في التاريخ الإسلامي، فخورٌ به، شغوف بالبحث العلمي، موضوعي وغير منحاز، مدركٌ لأهمية فهم التاريخ للتخطيط للمستقبل؛ لأن التاريخ يعيده الله.

اترك تعليقًا

*
*

موضوعات ذات صلة
القائمة البريدية

اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.