حـقائق تاريخية أُرِيدَ لنا ألا نعلمهـا لأنهـا جزء من تاريخ الإسـلام، وجزء من الصراع بين الخير والشر ولأننـا لا نقرأ ولأننـا لا نبحث، فلم يبق لنا إلا ما يُصدر لنا من معلومـات سواء من أجهزة الإعـلام الداخلية أو الخـارجية.

هل تعرف قصة اكـتشاف أمريكا؟

بالتأكيد تلك القصة التي درسناها في مناهجنـا، حسنًا، القصة الموضوعة في مناهجنا تخبرنا أن الإسـبان أرادوا أن يجلبوا التوابل من الهـند، لأنها كانت غالية جدًا في أوروبـا، فقرر الإسبان عام 1492 إرسال بحـار إيطالي اسمه كريستوفر كولومبوس ليُبحر عبر الغرب ويصل إلي الهند عن طريق معاكسة، فتفاجأ بوصوله لليابسة التي اعتقد أنـها الهند أو جزر آسيوية لهذا سمى السكان هنـاك الهنود وكان لونهم مائلًا للحمرة فسماهم الهنود الحمر ولم يعرف أنه وصل إلى قارة جديدة، حتى أدرك ذلك بعد سنوات بحار اسمه أمريكو فسبوتشي ولذلك سميت القارة أمريكا نسبة لهذا البحـار .

تلك القصة التي درسنـاها، فـما رأيـك أن نقلب بأنفسنـا صفحـات التاريخ المطوية لنـعرف مدى حقيقتها؟

حدثت المفاجأة الكبرى التي أدهشت العالم، وقعت عام 1929 على أثر اكتشاف مجموعة نادرة لخرائط ملاحية تعود للقرن السادس عشر، قلبت المفاهيم الجغرافية والتاريخية رأسًا على عقب، فقد كانت الخرائط متكاملة الملامح، دقيقة التفاصيل، صحيحة الأبـعاد، واضحة الخطوط، رُسمت في الحقبة التي عاش فيها كولومبوس، لكنها تناولت أماكن لم يصل إليها كولومبوس!

واشتملت على السواحل الشرقية للقارتين الأمريكيتين (الشمالية، والجنوبية) والسواحل الغربية لقارة أفريقيا والسواحل الشمالية للقارة القطبية الجنوبية، وبلغت درجة الدقة إلى التطابق المثالي بين السواحل المرسومة في القرن السادس عشر والمثبتة على تلك الخـرائط المدهـشة، وبين الصور التي تم التقاطهـا بالأقمار الصناعية.

من ذلك العبقري صاحب الخـرائط التي أدهشت العالم؟!

سنتعرف على هوية ذلك العبقري، ونستعرض خرائطه المدهشة، وسنتعرف أيضًا على نهـايته المؤلمة، يلزمنـا لكل هذا عودة إلى القرن الخـامس عـشر حيث الدولة العثمـانية.

بيري ريس اسمه الكامل أحمد محي الدين بيري وريس اللقب العربي الذي يطلقه العثمانيون على القادة البحـريين، ولد في مدينة غاليبولي الواقعة غربي إسطنبول كانت بمثابة المركز الرئيس للقوات البحرية، يقول المؤرخ العثماني ابن كمال عن الأولاد الذين تربوا في مدينة غاليبولي:

إن أبناء غاليبولي أمضوا حياتهم في البحر كالتماسيح، وكانت أسرّتهم القوارب، وهدهدتهم البحر والسفن ليلًا ونهارًا.

كان هذا الولد التركي أيضًا ينام وصوت أمواج البحر في أذنيه، يرجع كثير من الفضل لعمه كمال ريس الذي اعتني به وربـاه، فقد التحق بيري ريس بسفينة عمه كمال ريس، فنـشأ في أحضـان البحر واشترك مع عمه في معظم الغـارات والحروب ضد الإسبان والبرتغال والإيطاليين على مدى 14 عـامًا أمضاها مع عمه.

كانت الدولة العثمانية تهتم كثيرًا بالجغرافية البحـرية والمـلاحة وكان هناك الكثير من القادة البحرية المجـاهدين كمال ريس والأخوة بربروس، وبيري ريس… لكن ما يميز بيري ريس عنهم جميعـًا ولعه برسم الخـرائط، وكان يتحدث اللغتين العربية والتركية، وكان أيضًا يحسن التفاهم باللغات الإيطالية واليونانية والإسبانية والبرتغالية، فقرأ المراجع البحرية القديمة المكتوبة باللغات التي يجيدهـا، وشـارك في تقديم المسـاعدة للمسلمين في الأندلـس.

ففي تلك الأثنـاء كان مسلمو الأندلـس يعانون أشد المعـاناة من أجل البقاء على دينهم، وأرسـلوا يطلبون العون من السلطان بايزيد الثاني الذي أرسل أسطولًا عثمانيًا إلى هنـاك أعطى قيادته لكمال ريس الذي أدخل الرعب والفزع في قلوب النصارى، في أواخـر القرن الخـامس عشر.

وكـان لهم فضلٌ كبير في درء خطـر البرتغـالي عن العـالم الإسـلامي، وكانوا يساعدون مسلمي البلاد حتى التي لا تخضع لحكم الدولة العثمـانية واشترك في الحرب الطويلة بين العثمانيين والبنادقة (1498 1502) فاكتسب خبرة حربية وبحرية، وشـارك بعدهـا في الحملة البحرية التي شنتهـا الدولة العثمانية ضد دولة المماليك لما كثر فساد المسؤولين هنـاك، وتوغل ببعض سفنه إلى القـاهرة، ولم يفارقه حبه للخـرائط فرسم المسـالك المائية لحـوض النيل وكانت من الخـرائط النادرة المحفوظة إلى الآن في المتحف البحري بـأنقرة.

كتـاب البحـرية

باشر بيري ريس إعداد كتاب البحـرية عام 1521 وفرغ منه بعد أربعة أعـوام، وكـان عبارة عن أطلس ملاحي شامل، قدم فيه المؤلف وصفًا دقيقًا للسواحـل والشطآن مـع بيان التيارات المائية والشعب المـرجـانية والمراس والخلجـان والمرافئ ومنابع المياه العذبة، والقـلاع والمواضع المُحصنة.

وشـاءت الأقدار أن يكون بيري ريس مُرافقـًا للصدر العثماني الأعظم (إبراهيم باشـا) عام 1524، وكـان بيري هو القائد البحـري المكلف بقيادة أسطول مكون من عشـر سفن توجهت من تركيا إلي مصر لحـل الخلاف القائم بين والي مصر ودفتر دارهـا (الموظف المالي المكلَّف بتنظيم الوارد والمنصرف من أموال الحكومة) ولم يتمكن الأسطول من إكمال الرحلة بسبب العواصف، فسلكوا الطرق البرية وكانت فرصة لـ بري ريس ليعرض على الصدر الأعظم استكشافاته المـلاحية والبحرية وبين له أهمية كتابه البحـرية وتوطدت العـلاقة بينهمـا، وأثمرت بالسماح لبيري  بمقابلة السلطان سليمان القانوني.

أكد علماء البحرية على صحة بيانات الكتاب، ووقفوا مبهورين أمام التطابق المُذهل بين الخـرائط التي رسمـها بيري وبين الصور المُلتقطة حديثًا بالأقمار الصناعية.

ورسم بيري أجمل الخرائط الملاحية للقارتين الأمريكيتين، وأهداها إلى الصدر الأعظم فأصدر السلطان فرمانًا صار بموجبه الريس بيري أميرًا على البحـار الجنوبية التي شملت البحـر الأحمر والمحيط الهندي، وبحر العرب وخليج عمان والخليج العربي.

له خريطتان مهمتان الأولى لبلاد الأندلس وغرب أفريقيا والمحيط الأطلسي والسواحل الشرقية للأمريكيتين قدمهـا للسلطان سليم الأول عام 1917، وهي موجودة الآن في متحف (طوبقبو) في إسطنبول، والأخرى لـ سواحل الأطلسي من غرين لاند إلى فلوريدا وهي موجودة أيضًا في متحف (طوبقبو).

قـارة أنتيليا (أمريكا)

ورد اسم هذه القـارة عشرات المرات في كتاب البحرية لـ بيري ريس، وخصص لها فصلًا كاملًا تحدث فيه عنهـا بإسهاب لم يسبقه إليه أحـد، وعرفها الناس فيما بعد باسم أمريكا واستطاع أن يرسم لهـا خريطة (خـارقة) وهو التعبير الذي استعملته جامعة جورج تاون في وصف خـرائط بيري ريس لأنهـا تفوقت بدقتها على أحدث التقنيات التي استعانت بها مراكز المسح البحري الهيدروغرافي في العصـر الحديث!

كان بيري ريس على معرفة بهذا القـارة قبل انتشار خبرهـا وتدفق الهجـرات إليها، وقـال في كتابه:

إن بحر المغرب -يقصد المحيط الأطلسي- بحر عظيم يمتد بعرض (2000) ميل بحري تجاه الغرب من بوغاز (سبتة)، وفي الطرف الآخـر من بحر المغرب توجد قارة كبيرة جدًا هي قارة أنتيليا (أمريكا).

إن هذه القارة اكتشفت عام 1465 أي قبل وصول كولومبوس بأكثر من ربع قرن (27 سنة) ونقل في كتابه عن (رودريكو) وهو رجل برتغالي عمل في خدمة كمال ريس، أنه رافق كولومبوس في رحلته إلى أنتيليا التي استعان فيها بالخرائط الأندلسية والعثمانية، وقال إنه وقف بين كولومبوس وبحارته الذين أعلنوا العصيان وأرادوا الاعتداء عليه بعد اليأس الذي أصـابهم في البحـث عن القارة الجديدة وقال أن كولمبوس قال لهم:

 أثق أننا لابد أن نصل إلى الأرض التي نبحث عنـها لأن البحارة الأندلسيين والعثمانيين لا يكذبون أبدًا!

وبالفعل عثروا على هذه الأرض بعد ثلاثة أيام من هذا التصريح!

الخـرائط التي أذهلت العالم

لم يكن بيري ريس معـروفًا قبل اليوم التاسع من شهـر أكتوبر من عام 1929، وهو اليوم الذي اكتشف فيه العالم الألماني (غوستاف أدولف ديسمان) كنزًا ملاحيًا فريدًا، يعود إلى القرن السادس عشـر الميلادي، كان الكنز عبارة عن مجموعة من الخـرائط المتهالكة المرسومة على جلد الغزال، فأدرك على الفور أن بين يديه كنز ملاحي مجهول عثر عليه بمساعدة من مدير المتاحف الوطنية التركية (خليل أدهم).

كان عبارة عن خارطتين متهالكتين مرسومتين بتسعة ألوان على جلد الغزال للشواطئ الغربية لإفريقيا، والشواطئ الشرقية للأمريكيتين، والحدود الشمالية لليابسة في القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا).

قال عنهـا مدير مركز الأرصـاد في ويستون: “إن خـرائط بيري ريس صحيحة بدرجة تُذهل العقول، لأنهـا تُظهر بوضوح أماكن لم يكتشفها الإنسان في ذلك الزمـان، ومما يبعث على الحيرة أنه رسم جبـال القارة القطبية الجنوبية ووديانها، في حين لم تتوصل المراكز الجغرافية المعاصرة إلى رسمهـا إلا بعد عام 1952، بعد أن تسلحت بأحدث تقنيات المسح الزلزالي”.

ومما زاد الأمر حيرة أن الصور التي التقطتها المركبات الفضائية للقارة القطبية الجنوبية جاءت مطابقة لخرائط بيري ريس، والشيء نفسه للحدود الشرقية في القـارتين الأمريكيتين، ممـا سبب إحـراج لعلمـاء الجغرافية، لأن كولومبوس لم يصل لتلك السـواحل، ولم يتعرف عليهـا أبدًا، ولم تكن له قدرة على رسم خرائط بهذا المستوى المذهـل.

والحقيقة التي لابد من الاعتراف بـها هي أن العرب والمسلمين كانوا يصولون ويجولون في تلك السـواحل، ولما كان من الصعب على الغرب الاعتراف بتلك الحقائق لجئوا إلى تلفيق قصص من عالم الخيال! ربطوا غموض تلك الخـرائط ببعض الكائنات الذكية التي هبطت من السـماء وساعدت بيري ريس في خـرائطه الملونة وإلى آخره من الحكايات الخرافية التي ترفض الاعتراف بالأسبقية للعـرب والمسلمين!

خـلاصة القـول أن خرائط بيري ريس أبهرت العالم بمجموعة من الخصائص الفريدة التي يتعذر وجودهـا في خرائط أخرى خصوصًا بعد أن أعطتنا وصفًا دقيقًا لأمـاكن لم تتطرق إليها المراجع الجغرافية المعاصرة لزمن رسم.

ورغم أن بيري ريس قال أنه اعتمد على عشرة مراجع عربية وأربعة هندية إلا أن أيًا منها لم يتطرق إلى القارة القطبية الجنوبية أو يتوسع في شرح الملامح الساحلية للقارتين الأمريكيتين.

نهـاية غير متوقعة

في يوم من أيام 1551 تحـرك بيري ريس بأسطول كبير من ميناء السويس إلى عدن التي سقطت في يد البرتغاليين، وقد تجـاوز العقد الثامن من عمـره! وعلى الرغم من بلوغه تلك السن فقد كان شجـاعًا باسلًا متوقد الذهن ففتح قلعة عدن وسيطر على مرفئـها ثم توجه نحو قلاع مدينة هرمز عند بوابة خليج البصرة (الخليج العربي) ولم يفلح في فتح قلاعها الحصينة فتوجه للبصرة العظمى ومكث فيها مدة وهناك سمع بتحرك البرتغاليين لمحاصرته في مياه شط العرب فقرر مغادرة الالتواءات النهرية الضيقة وملاقاتهم في عرض البحـر.

وهكذا غـادر البصرة بثلاث سفن فقط ولم يستطع استدعـاء سفن الأسطول الموزعة على المرافئ البعيدة، ومما زاد الموقف سوءًا تحطم إحدى سفنه الثلاث فقرر العودة إلى مصر ومعاودة الهجـوم عليهم.

لكن والي البصرة (قوباذ باشـا) أرسل خطابًا عاجلًا لديوان السلطان سليمان القانوني يتهم فيه الريس بيري بالجبن والخيانة والتخـاذل. فصدرت الأوامر السلطانية بإعدام بيري ريس فور وصوله لمصر وأُعدم بيري عام 1554 م.

4940

الكاتب

فريق العمل

تبيان هو موقع يهدف إلى نشر الوعي الفكري الصحيح المستمد من مبادئ الإسلام السامية بين عامة الناس ومثقفيهم عن طريق نشر المقالات والتحليلات والمواضيع التي تهم الشباب المسلم.

التعليقات

  • أ.د. علي الغامدي منذ 3 سنوات

    السادة الكرام
    السلام عليكم ورحمة الله
    أنا باحث في الخرائط التاريخية، فهل يمكن تزويدي بإسم من كتب هذا التقرير؟؟
    آمل التكرم بالرد على هذا البريد مع وافر الشكر

    رد

    اترك تعليق

    موضوعات ذات صلة
    القائمة البريدية

    اشترك وتصلك رسالة واحدة كل خميس، فيها ملخص لما نشرناه خلال الأسبوع.