اختيارات المحرر

في معنى الغربة وآدابها وأغراضها

لم تكن الغربة عن الوطن والأهل انتقالًا في المكان فقط؛ بل تجربة إنسانية تختبر الصبر، وتكشف معدن المرء، وتضعه أمام مسؤولية الموازنة بين حاجته إلى السعي، وواجبه في حفظ صلته بأهله. وقد تدعو المرءَ الحاجةُ إلى الرحيل؛ طلبًا للرزق، أو ابتغاءً للعلم، أو بحثًا عن بيئة أنسب للعمل والتعلّم. غير أن الغربة الناجحة ليست انقطاعًا عن الجذور، ولا فرارًا من المسؤوليات؛ وإنما هي رحلة لها غاية، يضبطها حسن القصد، ويُثمرها العمل، ويكملها الوفاء.

أولًا: الرحيل طلبٌ لا عبث

أرشد الله -سبحانه وتعالىٰ- في كتابه الكريم إلى السعي في الأرض وابتغاء الرزق، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]. وقد جعل ابن حمدون هذه الآية باعثًا على طلب الرزق والأسفار؛ لما في التنقل من تحصيل المعاش، واكتساب الخبرة، وتوسيع المدارك. وقد نقل ابن حمدون أيضًا عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قوله: (الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة)1.

ولذلك قيل في وصف فوائد السفر:

تَغَرَّبْ عن الأوطان واغتنم الغنى … وسافر ففي الأسفار خمس فوائدِ

تَفَرُّجُ همٍّ واكتسابُ معيشةٍ … وعلمٌ وآدابٌ وصحبةُ ماجدِ

فإن قيل في الأسفار ذلٌّ وغربةٌ … وتبديدُ شملٍ وارتكابُ شدائدِ

فموتُ الفتى خيرٌ له من مقامه … بدار الهوان بين واشٍ وحاسدِ.

والأبيات، وإن ذكرت منافع الرحيل، لم تُغفل ثمنه من مشقة الفراق وتبدد الاجتماع؛ فالغربة مكسب وخسارة في آنٍ واحد، وإنما يختارها الإنسان حين تكون منفعتها أرجح من ألمها.

وقد قسم الغزالي دوافع السفر إلى «هرب أو طلب»، وذكر أن المطلوب قد يكون دنيويًا كالمال، أو دينيًا كالعلم والعمل2. ومن هنا ينبغي للمغترب أن يحدد غايته قبل رحيله، حتى لا يتحول السفر من وسيلة نافعة إلى تيهٍ طويل تستهلكه العادة، أو يبدده الطمع.

ثانيًا: الغربة في طلب العلم

الغربة في طلب العلم

كان طلب العلم عند العلماء باعثًا قويًا على الرحلة، ولم يكن بُعد المسافة عذرًا يحول بينهم وبين تحصيل المعرفة. وقد عقد البخاري بابًا بعنوان: «الخروج في طلب العلم»، وذكر أن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ سار مَسِيرَةَ شَهْرٍ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. وأورد بعدها في نفس الباب حديث رحلة موسى لطلب العلم من الخضر عليهما السلام3.

ويصور الغزالي هذا المعنى بقوله: «وكان سعيد بن المسيب يسافر الأيام في طلب الحديث الواحد»، ثم ذكر رحيل جابر بن عبد الله من المدينة إلى مصر، وسيره شهرًا حتى يسمع حديثًا بلغه عن عبد الله بن أنيس. وأورد عن الشعبي كلمات هي من أنفس ما قيل في طلب العلم، قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ سَافَرَ رَجُلٌ مِنَ الشَّامِ إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ فِي كَلِمَةٍ تَدُلُّهُ عَلَى هُدًى أَوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى مَا كَانَ سفره ضائعًا4. فالعلم في نظر أولئك لم يكن معلومات تُنال بلا جهد، بل كان ثمرة صبر، ومفارقة للمألوف، وتحملٍ لمشقة الطريق.

ولا تقتصر فائدة الغربة على تحصيل العلم، بل تكشف للإنسان نفسه وأخلاقه. يقول الغزالي: «وإنما السفر هو الذي يسفر عن أخلاق الرجال»، ثم يبين أن مشاق الغربة تصرف المرء عن عاداته ومألوفاته، فتظهر عيوبه، ويتهيأ له علاجها، ولذلك قال عمر -رضي الله عنه- للذي زكّى عنده بعض الشهود، هل صحبته في السفر الذي يُستدل به على مكارم أخلاقه؟ فقال: لا، فقال: ما أراك تعرفه5. ولذلك قد يعود طالب العلم من غربته بعلم جديد، وتجربة أعمق، ونضجٍ لا تمنحه الإقامة الدائمة في البيئة المألوفة.

ثالثًا: الغربة في طلب الرزق

قد يكون الرحيل طلبًا للعمل والكسب، ولا عيب في أن يغادر الإنسان بلده إذا ضاقت به أسباب العيش، أو وجد في بلدٍ آخر فرصة يستطيع بها إعالة نفسه وأهله. وقد عُدّ اكتساب المعيشة من أبرز فوائد السفر، إلى جانب العلم والآداب والصحبة.

غير أن طلب الرزق لا ينبغي أن يبتلع سائر المقاصد؛ فالغربة النافعة هي التي تحقق الكفاية دون أن تهدم القيم، أو تفسد الأخلاق، أو تجعل المال غاية وحيدة. وكلما كان المرء أوضح قصدًا، وأحسن تدبيرًا، وأبعد عن التعلق المفرط بالمكاسب، كان أقدر على تحويل غربته إلى مرحلة بناء لا إلى استنزاف دائم.

كما ينبغي أن تكون الغربة مرتبطة بحاجة واضحة؛ فقد قال النبي ﷺ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ»6. ففي الحديث اعتراف بمشقة السفر، وتوجيه إلى ألا يستمر المرء في الغربة بعد انقضاء حاجته، بل يعود إلى أهله متى تحققت الغاية.

رابعًا: الغربة لا تعني قطيعة الأهل

قد يبعد المغترب عن أهله جسدًا، لكنه لا ينبغي أن يبعد عنهم قلبًا ولا برًّا. قال النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»7.

وصلة الرحم لا تتوقف على القرب المكاني؛ إذ يستطيع المغترب أن يحفظ عهده بأهله بالسؤال عنهم، والاطمئنان إليهم، وإعانتهم، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم بحسب قدرته. كما أن إرسال المال، على أهميته، لا يغني عن الكلمة الطيبة، والاهتمام الصادق، وحسن الوفاء.

وقد أدرك رسول الله ﷺ أثر الغربة في النفوس، فكانت الوسيلة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لتخفيف وحشة الغربة على نفوسهم.

وهذا ما ذكره السهيلي، كما نقله ابن حجر عنه: «آخى بين أصحابه ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويتأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشد بعضهم أزر بعض»8. وفي ذلك إشارة إلى أهمية الصحبة الصالحة في حياة المغترب؛ فهي تعينه على الثبات، وتخفف عنه الوحدة، وتذكره بغاية رحلته.

خامسًا: أدب الغربة وميزانها

تحتاج الغربة إلى آداب تحفظ مقصدها، من أهمها:

  1. .إخلاص النية وتحديد الغاية؛ فالسفر للعلم أو الرزق ينبغي أن يكون وسيلة إلى نفع مشروع، وتحصيلًا للأجر والثواب، لا مجرد رغبة في الهروب من المسؤولية أو التفاخر.
  2. حفظ الأخلاق والقيم؛ فالغربة لا تبرر التفريط في الدين أو المروءة. وقد قال النبي ﷺ: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ»9.
  3. اختيار الصحبة الصالحة؛ لأن الإنسان في غربته أحوج إلى من يعينه على الخير، ويذكره بأهله وواجباته.
  4. الاستفادة من التجربة؛ فمشاقُ السفر ينبغي أن تزيد المرء صبرًا، ومعرفة بنفسه، وقدرة على تحمل المسؤولية.
  5. استحضار حق الأهل؛ فلا ينسى المغترب أن وراء رحيله قلوبًا تنتظر خبره، وأن نجاحه لا يكتمل إذا كان ثمنه عقوقًا أو قطيعة.
  6. العودة عند تحقق الحاجة؛ فالأصل أن تكون الغربة مرحلة لها غاية، لا إقامة بلا نهاية ولا انقطاعًا دائمًا.
الغربة مؤلمة

الغربة عن الوطن والأهل مؤلمة، لكنها قد تكون بابًا واسعًا إلى الرزق والعلم ونيل الثواب والأجر والنضج، إذا قامت على قصد صحيح، وتدبير رشيد، وأخلاق ثابتة. فالذي يرحل طلبًا للمعاش ينبغي أن يصون كرامته ووفاءه، والذي يرحل طلبًا للعلم ينبغي أن يحتمل مشقة الطريق ويستثمرها في بناء نفسه. أما الأهل، فلا تسقط حقوقهم بالبعد، بل تزداد الحاجة إلى برهم وصلة رحمهم.

وخلاصة الأمر أن الغربة الناجحة هي التي يغادر فيها الإنسان مكانه دون أن يغادر مبادئه، ويطلب مستقبله دون أن ينسى أهله، ويعود من رحلته وقد جمع بين ثمرة السعي وفضيلة الوفاء.

المراجع

  1. التذكرة الحمدونية – ابن حمدون [٨/‏١١٦]. ↩︎
  2. إحياء علوم الدين – أبو حامد الغزالي [٢/‏٢٤٥]. ↩︎
  3. أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب : العلم باب الخروج في طلب العلم (1/ 26) رقم (78). ↩︎
  4. إحياء علوم الدين – أبو حامد الغزالي [٢/‏٢٤٦]. ↩︎
  5. أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب : العلم باب الخروج في طلب العلم (1/ 26) رقم (78). ↩︎
  6. أخرجه البخاري في “صحيحه”، أبواب العمرة السفر قطعة من العذاب (3/ 8) رقم (1804). ↩︎
  7. أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب : الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه (8/ 32) رقم (6138). ↩︎
  8. فتح الباري بشرح البخاري – ابن حجر العسقلاني[٧/‏٢٧٠]. ↩︎
  9. أخرجه البخاري في “صحيحه”، كتاب : الإيمان باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (1/ 11) رقم (10). ↩︎

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى